الأربعاء 03 حزيران , 2026 04:36

كيف تشكّل جغرافيا إيران درعها الدفاعي الأهم؟

الجغرافية الإيرانية ورقة قوة بيد طهران

لم تكن المشكلة التي واجهتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" في حربهما على إيران مرتبطة فقط بالصواريخ أو القدرات العسكرية أو حجم الخسائر. فكلما اتسعت دائرة الحرب، ظهر أمام الأعداء عقبات جديدة مرتبطة بالجغرافيا الإيرانية. فمن الجبال الشاهقة إلى أعماق الصخور، والصحارى، وصولاً إلى السواحل والجزر التي تتحكم بأحد أهم شرايين الطاقة في العالم. أُعدت الطبيعة الإيرانية جزء من منظومة الردع بفضل موقعها وما منحه لها من حصانة وقدرة على الصمود لتصبح واحدة من أكثر الدول صعوبة على الإخضاع عسكرياً.
تمتد إيران على مساحة تقارب 1.6 مليون كيلومتر مربع، ما يجعلها من أكبر دول العالم مساحةً، وتتمتع بتنوع جغرافي استثنائي يجمع بين الجبال الشاهقة والصحارى الواسعة والسواحل الطويلة والجزر الاستراتيجية. وهذا التنوع يحول أراضيها إلى بيئة معقدة لأي قوة تفكر في خوض حرب برية أو احتلال طويل الأمد.
وتُعد جبال زاغروس الممتدة غرب البلاد أول خطوط الدفاع الطبيعية عن إيران. فهذه السلسلة الجبلية الضخمة تشكل حاجزاً قاسياً أمام أي تقدم بري من جهة العراق أو تركيا، وتجبر القوات المهاجمة على التحرك عبر ممرات ضيقة يسهل استهدافها وقطع خطوط إمدادها. أما في الشمال، فتقف جبال البرز كجدار طبيعي يحمي العمق الإيراني ويحيط بمراكز سكانية واستراتيجية مهمة، أبرزها العاصمة طهران.
هذه الطبيعة الجبلية تحولت خلال العقود الماضية إلى عنصر أساسي في العقيدة الدفاعية الإيرانية. فقد استثمرت طهران سنوات طويلة في بناء منشآت عسكرية وصاروخية ومراكز قيادة داخل الجبال وتحت الأرض، ما جعل استهدافها أكثر صعوبة حتى أمام أحدث أنواع القنابل والطائرات. وهذا ما أفشل الرهان الأميركي في هذه الحرب وما قبلها.
وفي هذا السياق، أكد الباحث الأميركي أليكس فاتانكا، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، أن إيران تمتلك ميزة جغرافية كبيرة بسبب طبيعتها الجبلية، مشيراً إلى أن القيادة الإيرانية أمضت سنوات في "نقل أصولها العسكرية إلى منشآت محصنة تحت الأرض"، وأنها أكثر استعداداً لمواجهة مثل هذه السيناريوهات من أنظمة أخرى واجهت التدخل العسكري الأميركي سابقاً.
ولا تتوقف قوة إيران عند الجبال فقط. فخلف هذه السلاسل تمتد هضبة مركزية واسعة تضم صحاري قاسية مثل صحراء لوط وصحراء كوير، وهما من أكثر المناطق تطرفاً مناخياً على مستوى العالم. وتشكّل هذه المساحات الشاسعة تحدياً لوجستياً هائلاً لأي عدو مهاجم، إذ تفتقر إلى الغطاء الطبيعي وتفرض صعوبات كبيرة على حركة القوات والإمدادات.
كما تمنح هذه المساحة الواسعة إيران قدرة فريدة على توزيع قواتها ومنظوماتها الصاروخية على رقعة جغرافية كبيرة، ما يصعّب مهمة رصدها أو تدميرها بالكامل. وقد أشار محللون غربيون إلى أن اتساع الأراضي الإيرانية ساعدها على الحفاظ على قدراتها الصاروخية وإطلاق الصواريخ حتى في ظل تعرضها لضربات جوية مكثفة، لأن استهداف جميع مواقعها ومنصاتها المتحركة يكاد يكون مستحيلاً.
أما جنوباً، فتبرز أهمية السواحل الإيرانية الممتدة لأكثر من 1800 كيلومتر على الخليج الفارسي وبحر عمان ومضيق هرمز. وهنا تتجاوز الجغرافيا البعد الدفاعي لتتحول إلى مصدر نفوذ استراتيجي عالمي. فإيران لا تسيطر فقط على شواطئ طويلة، بل تشرف مباشرة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية.
ويعزز هذا النفوذ امتلاك إيران عشرات الجزر الاستراتيجية المنتشرة في الخليج، والتي تمنحها قدرة على مراقبة حركة الملاحة البحرية والتأثير فيها. وقد حذر عدد من الخبراء العسكريين من أن السيطرة على هذه الجزر في حال اندلاع حرب واسعة جديدة لن تكون مهمة سهلة، لأن قربها من البر الإيراني يسمح لطهران بتحويلها إلى ساحات استنزاف دائمة للقوات المعادية عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة والمدفعية.
ولذلك، فإن أي قوة تفكر في مواجهة عسكرية واسعة مع إيران تجد نفسها أمام معضلة حقيقية. فالاكتفاء بضربات جوية لا يضمن تدمير البنية العسكرية الإيرانية المنتشرة داخل الجبال والأنفاق، بينما يعني التوغل البري الدخول في حرب طويلة داخل تضاريس صعبة ومساحات شاسعة تستنزف قوات العدو تدريجياً.
لهذا تمثل جغرافيا إيران أحد أهم عناصر القوة الوطنية الإيرانية. فهي درع دفاعي طبيعي، وعمق استراتيجي واسع، ومصدر نفوذ إقليمي ودولي في آن واحد. وبينما تتغير موازين القوى العسكرية والسياسية في المنطقة، تبقى الجغرافيا الإيرانية عاملاً ثابتاً يجعل من إيران دولة عصية على الإخضاع، ويمنحها قدرة استثنائية على الصمود في مواجهة الضغوط والحروب.


الكاتب: زهراء نعيم




روزنامة المحور