الأربعاء 03 حزيران , 2026 05:02

كيف غيّرت الممرات الجيوسياسية قواعد اللعبة في الشرق الأوسط؟

خريطة سلطنة عمان

في الظاهر، تبدو الضغوط الأمريكية المتزايدة على سلطنة عُمان مجرد حلقة جديدة من التوتر المرتبط بالعلاقة مع إيران أو بالخلافات حول أمن الملاحة في مضيق هرمز. لكن التوقف عند هذا المستوى من القراءة يُخفي ما هو أهم بكثير. فالقضية لا تتعلق بمسقط وحدها، ولا حتى بالعلاقة الأمريكية الإيرانية بحد ذاتها، بل بتحول أعمق يطال طبيعة النظام الدولي نفسه، ويعيد تعريف معنى الحياد ووظيفة الدول الواقعة عند الممرات الاستراتيجية.

فما تواجهه عُمان اليوم ليس أزمة دبلوماسية تقليدية، بقدر ما هو انعكاس لمرحلة تاريخية جديدة أصبحت فيها الجغرافيا أكثر أهمية من السياسة، والممرات أكثر تأثيراً من الحدود، وشبكات الحركة والتدفق أكثر حسماً من كثير من التحالفات التقليدية.

ولفهم ما يحدث، لا بد من العودة خطوة إلى الوراء.

خلال العقود التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، تمتعت دول عديدة بهامش واسع للمناورة بين القوى الكبرى. كان النظام الدولي، رغم هيمنة الولايات المتحدة، يسمح بوجود مساحات رمادية يمكن للدول المتوسطة والصغيرة أن تتحرك داخلها، وأن تبني أدواراً قائمة على الوساطة أو التوازن أو الحياد النسبي. وفي الشرق الأوسط، كانت عُمان واحدة من أكثر الدول التي نجحت في استثمار هذه المساحة.

لم يكن ذلك ناتجاً عن خصوصية دبلوماسية فقط، بل عن طبيعة المرحلة نفسها. فالعالم آنذاك كان منشغلاً بإدارة التوازنات السياسية والعسكرية، بينما لم تكن الممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية قد تحولت بعد إلى مركز الصراع الدولي كما هي اليوم.

لكن العقدين الأخيرين شهدا تحولاً تدريجياً وعميقاً.

فمع صعود آسيا، وتزايد الاعتماد على التجارة العالمية، وظهور المنافسة الأمريكية الصينية، ثم الاضطرابات التي أصابت سلاسل الإمداد العالمية بعد جائحة كورونا والحروب الإقليمية، بدأت الجغرافيا تعود إلى قلب السياسة الدولية. ليس بوصفها خرائط وحدوداً، بل بوصفها شبكة من العقد والممرات التي تتحكم بحركة الطاقة والتجارة والبيانات ورؤوس الأموال.

ومن هنا تحديداً تبدأ القصة الحقيقية.

فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر تعبره ناقلات النفط. إنه جزء من منظومة أوسع تمتد من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر، ومن قناة السويس إلى شرق المتوسط، ومن مشاريع الربط بين الهند وأوروبا إلى المنافسة على الموانئ والبنى اللوجستية. إنه أحد المفاصل التي يمر عبرها جزء كبير من الاقتصاد العالمي.

وعندما تتحول الممرات إلى مراكز قوة، تتغير تلقائياً وظيفة الدول الواقعة عليها.

في الماضي، كان يُنظر إلى الحياد باعتباره أداة تساعد على خفض التوترات وإدارة الخلافات. أما اليوم، فإن القوى الكبرى تنظر إلى تلك الممرات باعتبارها جزءاً من أمنها القومي المباشر. وفي مثل هذه البيئة، يصبح الحياد أكثر صعوبة لأن كل طرف يسعى إلى ضمان وضوح الاصطفافات حول العقد الاستراتيجية التي يعتمد عليها.

لهذا فإن الضغوط الأمريكية الأخيرة لا يمكن فهمها فقط من زاوية العلاقة مع إيران. فواشنطن نفسها تغيّرت.

الولايات المتحدة التي دخلت الشرق الأوسط لعقود طويلة عبر بوابة التحالفات العسكرية والحروب المباشرة، تبدو اليوم أكثر اهتماماً بحماية البنية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي. لم تعد الأولوية الرئيسية هي إدارة الدول بقدر ما أصبحت إدارة الممرات التي تربط تلك الدول ببعضها البعض.

وهنا يظهر التحول الأهم في مفهوم القوة.

فإذا كان القرن العشرون قد دار إلى حد كبير حول السيطرة على الأراضي، فإن العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين تدور بشكل متزايد حول السيطرة على التدفقات. تدفقات الطاقة، والتجارة، والبيانات، وسلاسل التوريد. ومن يملك القدرة على التأثير في هذه التدفقات يمتلك نفوذاً يفوق أحياناً ما تمنحه الجيوش التقليدية.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو عُمان استثناءً بقدر ما تبدو نموذجاً.

فالدولة الواقعة عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم تجد نفسها أمام معضلة تواجهها دول كثيرة في مواقع مشابهة: كيف يمكن الحفاظ على سياسة خارجية متوازنة في بيئة دولية أصبحت أقل تقبلاً للتوازن وأكثر ميلاً إلى الاصطفاف؟

هنا تحديداً يتجاوز النقاش حدود العلاقة مع إيران أو الولايات المتحدة.

فعُمان، بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها السياسي، تنظر إلى الاستقرار الإقليمي باعتباره مصلحة مباشرة لا يمكن فصلها عن أمنها الوطني. ولذلك حافظت لعقود على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، ليس انطلاقاً من انحياز لهذا الطرف أو ذاك، بل من قناعة بأن الجغرافيا تفرض عليها إدارة التوترات لا الانخراط فيها.

لكن ما يتغير اليوم هو أن الجغرافيا نفسها باتت ساحة التنافس.

فالممرات التي كانت تمنح الدول الوسيطة قيمة إضافية أصبحت تتحول تدريجياً إلى ساحات تنافس بين القوى الكبرى. والمواقع التي كانت تسمح بالمناورة أصبحت تفرض ضغوطاً متزايدة على أصحابها لتحديد مواقعهم بشكل أوضح داخل شبكات النفوذ المتنافسة.

ولعل هذه الظاهرة لا تقتصر على الخليج وحده. فمن البحر الأحمر إلى شرق المتوسط، ومن القرن الأفريقي إلى المحيط الهندي، تتكرر المعادلة ذاتها: كلما ارتفعت أهمية الممرات، تقلصت المساحات الرمادية التي كانت تسمح للوسطاء بالحركة بحرية أكبر.

لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه الحالة العُمانية اليوم لا يتعلق بمستقبل العلاقة مع واشنطن أو طهران فقط.

السؤال الأعمق هو ما إذا كان النظام الدولي الجديد ما زال يسمح بالحياد بالشكل الذي عرفناه خلال العقود الماضية.

فالحياد لم يكن مجرد خيار سياسي، بل كان نتاج مرحلة كاملة من تطور النظام الدولي. ومع تغير ذلك النظام، تتغير الشروط التي جعلت الحياد ممكناً وفاعلاً. وهذا لا يعني نهاية الوساطة أو اختفاء الأدوار التوفيقية، لكنه يعني أن هذه الأدوار ستعمل في بيئة أكثر تعقيداً وأكثر حساسية تجاه المواقع الجغرافية الاستراتيجية.

وفي النهاية، ربما لا تكون أزمة عُمان مع واشنطن، ولا حتى مع إيران.

الأرجح أن التحدي الحقيقي يكمن في مكان آخر: في التحول التاريخي الذي ينقل الشرق الأوسط، ومعه أجزاء واسعة من العالم، من عصر كانت فيه الدول محور الصراع، إلى عصر أصبحت فيه الممرات والعقد الجيوسياسية هي محور المنافسة.

وفي مثل هذا العالم، لن يكون السؤال الأساسي من يقف مع من، بل من يمتلك القدرة على إدارة الجغرافيا التي تمر عبرها حركة العالم. وعند هذه النقطة تحديداً، تصبح عُمان أقل أهمية كحالة منفردة، وأكثر أهمية بوصفها نموذجاً مبكراً لتحولات أوسع تعيد رسم العلاقة بين الجغرافيا والقوة والسيادة في القرن الحادي والعشرين.


الكاتب: خليل القاضي




روزنامة المحور