الجمعة 05 حزيران , 2026 05:01

من التفوق الإسرائيلي إلى توازن الرؤية: كيف كسرت محّلقات المقاومة احتكار الليل؟

المحلّقات بالرؤية الليلية للمقاومة تربك جيش الاحتلال الإسرائيلي

يشير استخدام المقاومة الإسلامية - حزب الله بنجاح، للمحلّقات المتطورة والمزودة بتقنية التصوير الحراري، في عمليات ليلية استطلاعية وقتالية، تستهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي، الى تحوّل تكتيكي نوعي ومهّم، ليس الأول في صراع العقول مع الكيان المؤقت، ولن يكون بطبيعة الحال آخر مفاجآتها.

فالمقاومة طوال أكثر من 4 عقود للصراع، كانت سبّاقة الى دراسة كل نقاط القوة والضعف، عندها وعند جيش الاحتلال الإسرائيلي. فهي تقوم باستمرار بتعزيز ما تملك من نقاط قوة وسدّ ما تعانيه من ثغرات، لتقليص حالة اللا تماثل بينها وبين جيش الاحتلال في القدرات قدر الإمكان. وبالتالي فإن دمج أنظمة الرؤية الليلية والتصوير الحراري يشكّل نقلة نوعية، يسمح لطائرات الحزب المسيّرة بتتبع البصمات الحرارية في الظلام وتجاوز إجراءات الكشف البصري التقليدية، مما يعزّز من قدرات المقاومة الميدانية، لا سيما في مجال الحرب الليلية، التي لطالما اعتبرها الخبراء العسكريون من أخطر أشكال القتال وأكثرها تعقيدًا.

وقد أصبحت الهجمات الليلية عبر هذه المسيّرات، تحديًا تكتيكيًا كبيرًا لجيش الإحتلال الإسرائيلي - الذي عمد منذ مدة الى فرض عدم التحرك نهاراً لدى قواته - مما أسفر عن مقتل العديد من الجنود وضباط جيشه في جنوب لبنان.

مميزات العمليات الليلية

لطالما أتاحت العمليات الليلية فرصًا للمفاجأة والتخفي، لكنها فرضت أيضًا تحديات جسيمة على القوات العسكرية. فالظلام يُقلل من الرؤية، ويُعقّد القيادة والسيطرة، ويزيد من خطر حوادث النيران الصديقة، ويجعل تحديد الأهداف أكثر صعوبة. وتاريخياً، كان جيش الاحتلال الإسرائيلي يحتكر استخدام تقنية الرؤية الليلية المتقدمة، مما أعطاه تفوقاً في العمليات الدفاعية والهجومية. فيما كانت المقاومة تستخدم الظلام كوسيلة للاختباء، لكنه كان أيضاً مصدراً للخطر نتيجة رصد المقاومين عبر الكاميرات الحرارية للطائرات أو تلك المتواجدة في المواقع العسكرية.

وتعد الحرب الليلية تاريخياً من أعقد وأخطر أنماط الحروب نظراً لانعدام الرؤية، وصعوبة التنسيق بين الوحدات. لهذا سيؤمن تزويد الطائرات المسيرة للمقاومة، بتقنيات الرؤية الليلية والتصوير الحراري، عنصراً أساسياً لتفعيل العمليات الليلية في الدفاع بحيث لا يقتصر على الكمائن الموضعية، والانتقال إلى مرحلة الهجوم الاستراتيجي والسيطرة الاستخباراتية، وتحويل الظلام من عائق طبيعي إلى بيئة عملياتية مثالية لشن الهجمات الصامتة والمباغتة.

تعزيز الوعي الظرفي والاستطلاع القتالي

ومن أهم ما تضيفه هذه المسيّرات المجهزة بأجهزة استشعار حرارية ورؤية ليلية، هو ما تقدّمه من وسيلةً حاسمةً للتغلب على أحد أهمّ العقبات التي تواجه قوات المقاومة: الوعي الظرفي. ففي العمليات العسكرية، غالبًا ما تحدد المعلومات النجاح أو الفشل. فالقدرة على معرفة موقع قوات العدو وتحركاتها وانتشارها في الوقت الفعلي أكثر قيمةً من التفوق العددي. ومن خلال نشر طائرات مسيّرة قادرة على العمل في الظلام، يستطيع حزب الله مراقبة ساحات المعارك باستمرار، وتحديد تحركات القوات، وكشف المركبات المدرعة، ورصد الأنشطة اللوجستية التي قد تبقى مخفيةً عن عناصر الاستطلاع والرصد القتالي العاملين على الأرض. ففرق الاستطلاع الأرضية محدودة قدراتها، بسبب التضاريس والظروف الجوية والمخاطر المرتبطة بالعمل بالقرب من مواقع العدو. في المقابل، تستطيع الطائرات المسيّرة مسح مساحات شاسعة من الجو، مما يُزوّد ​​القادة بفهم شامل للبيئة العملياتية. في المناطق الجبلية والوديان والغابات والمناطق الحضرية.

ويمكن استخدام هذه المعلومات لتوجيه الكمائن ونيران المدفعية والهجمات الصاروخية أو العمليات المضادة للدبابات بدقة أكبر. ففي القتال الحديث، غالبًا ما يكون تحديد موقع الهدف أصعب من ضربه. وامتلاك الصواريخ أو أنظمة المدفعية لا يُجدي نفعًا إذا لم يتمكن المشغّل من تحديد مواقع العدو بدقة. لذلك تُسهم الطائرات المسيّرة الحرارية في سدّ هذه الفجوة من خلال توفير إحداثيات دقيقة وتأكيد بصري فوري للأهداف. وهذا يُتيح للوحدات العسكرية الاشتباك مع قوات العدو بثقة وفعالية أكبر، مما يُقلل من استهلاك الذخيرة ويزيد من التأثير العملياتي.

وتكتسب تقنية التصوير الحراري أهميةً خاصةً، لأنها تكشف البصمات الحرارية بدلًا من الاعتماد على الضوء المرئي. ونتيجةً لذلك، يُمكن في كثير من الأحيان تحديد مواقع الجنود والمركبات ومراكز القيادة والمعدات العسكرية حتى في الظلام الدامس. وتقلل هذه القدرة بشكلٍ كبير من فعالية أساليب التمويه الليلي التقليدية. فقد يعتقد عناصر جيش الاحتلال، الذين يتحركون تحت جنح الظلام (وغالباً من دون مرافقة آليات ودبابات) أنهم غير مرئيين للعدو، ليكتشفوا لاحقًا أن أجهزة الاستشعار الحراري قد رصدتهم من مسافات بعيدة. وهذا الأمر يُمكن أن يُؤثر على أنماط الحركة، ويُقلل من حرية العمليات، ويُجبر وحدات جيش الاحتلال على تبني تكتيكات أكثر حذرًا وتقييدًا.

علاوة على ذلك، تُعزّز هذه الطائرات المسيّرة من حماية المقاومين بشكلٍ كبير. فالعمليات العسكرية الدفاعية تتطلب يقظةً دائمة، لا سيما خلال ساعات الليل حيث تزداد احتمالية محاولات التسلل. لذا تستطيع المحّلقات المُجهزة بمستشعرات حرارية مراقبة خطوط المواجهة، ورصد وحدات العدو المُقتربة، وتقديم إنذار مُبكر بالهجمات. وتُمكّن هذه القدرة المقاومين المُدافعين من الاستجابة بسرعة أكبر وتخصيص الموارد بكفاءة أعلى.

تعزيز العمليات المضادة للدبابات

وفي سياق متّصل، يُسهم هذا النوع من المحلّقات من تعزيز فعالية العمليات المضادة للدبابات. فالمركبات والآليات المدرعة تُولّد حرارة كبيرة نتيجة لنشاط محركاتها وأنظمتها الميكانيكية، مما يجعل رصدها سهلاً نسبياً باستخدام أجهزة الاستشعار الحراري. لذا خلال العمليات الليلية، تستطيع هذه المحّلقات تحديد موقع وتحركات التشكيلات المدرعة ونقل هذه المعلومات إلى مجموعات وحدة ضد الدروع في المقاومة، لكي تتعامل معها بالأسلحة المناسبة.

ليس مجرّد تحديث تقني

لا يُمثل استخدام حزب الله للطائرات المسيّرة المُجهزة بتقنيات الرؤية الليلية والتصوير الحراري مجرد تحديث تقني، بل يعكس تعزيزاً لقدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والدفاع والهجوم لدى المقاومة. فمن خلال تعزيز الوعي الظرفي، وتحسين تحديد الأهداف، وتعزيز حماية مجموعات المقاومة المنتشرة، ودعم العمليات المضادة للدروع، وتمكين المراقبة المستمرة لساحة المعركة، يُمكن لهذه الأنظمة أن تُحسّن بشكل كبير من فعالية العمليات الليلية. وفي هذا النوع من الحروب، تُتيح القدرة على الرؤية والتتبع وفهم ساحة المعركة بعد حلول الظلام ميزة عملياتية حاسمة، وتُغيّر بشكل جذري موازين الاشتباك التكتيكي.





روزنامة المحور