السبت 06 حزيران , 2026 01:16

استنزاف متصاعد وأوهام متهاوية: يوم كشف فيه الميدان عورة الاندفاعة الإسرائيلية

عمليات المقاومة الإسلامية

شهد يوم الجمعة الخامس من يونيو 2026 منعطفاً لافتاً في مسار معركة العصف المأكول التي دخلت يومها السادس والتسعين، إذ سجّلت المقاومة الإسلامية وتيرة عملياتية استثنائية بلغت اثنتين وثلاثين عملية عسكرية موزّعة على مدار الساعة. ولم تكن هذه الكثافة مجرد رقم، بل كانت تعبيراً عن استراتيجية متكاملة الأركان تقوم على تحويل محاولات التوغل الإسرائيلي العميق في محيط قلعة الشقيف وزوطر الشرقية والغندورية إلى مصيدة استنزاف مميتة لوحدات النخبة المعادية، من غولاني وإيغوز وماغلان وجفعاتي واللواء السابع المدرع.

في مواجهة هذا الضغط الميداني المتصاعد، لجأ جيش الاحتلال إلى سياسته المعتادة في الأرض المحروقة، فشنّ ما يزيد على ثمانين غارة جوية بالطيران الحربي، إضافةً إلى خمسة وعشرين غارة بالطيران المسيّر، فضلاً عن قصف مدفعي مكثف استهدف أرياف النبطية وإقليم التفاح ومناطق صور وبنت جبيل والقرى المتاخمة لخطوط الاشتباك. غير أن هذه الهستيريا الجوية لم تُفضِ إلى توفير مظلة أمان لقواته البرية المتقدمة، بل ظلت المقاومة تواصل قصف التجمعات العسكرية من مسافات قريبة وبعيدة طوال ساعات الليل والنهار، مما يكشف عن فجوة واسعة بين النيران الجوية الإسرائيلية وفاعليتها التكتيكية الفعلية على الأرض.

أما على صعيد التكتيكات، فقد تخلّت المقاومة عن أسلوب الدفاع الخطي الكلاسيكي، وسمحت للعدو بالتقدم نحو نقاط جغرافية محددة سلفاً، لتدخله في جيوب نارية معدّة مسبقاً. وقد تجلّى هذا النهج بوضوح في محيط قلعة الشقيف التي استقطبت وحدها نحو اثني عشر استهدافاً مباشراً، حيث اندمجت الأسلحة المضادة للدروع والعبوات الناسفة مع مدفعية الميدان والصواريخ النوعية وأسراب المسيّرات الانقضاضية في كماشة نارية متعددة الأبعاد لم تتمكن منظومة القبة الحديدية ولا الطيران الحربي من تحييدها. وقد أضافت المقاومة إلى ترسانتها ورقة ضغط جديدة تمثّلت في الدفاعات الجوية التي نجحت في إجبار مسيرات هرمز 450 وحتى طائرات حربية على التراجع إلى ارتفاعات شاهقة، محرومةً بذلك قوات العدو البرية من الاستطلاع الدقيق، ومُوقعةً إياها في ما يُعرف عسكرياً بـ"العمى الاستخباري".

في المقابل، راهن جيش الاحتلال على تكتيك الاختراقات العميقة والضيقة بدفع وحدات النخبة نحو أهداف ذات قيمة رمزية كقلعة الشقيف، إلا أن هذا النهج ولّد نقاط ضعف بنيوية أفادت منها المقاومة. فالتقدم السريع أفرز خطوط إمداد طويلة ومكشوفة جعلت رأس الحربة الإسرائيلية محاصرة في جيوب معزولة، فيما تحوّلت المرتفعات الجغرافية التي يسعى العدو للسيطرة عليها من مواضع تفوق إلى منصات استهداف مكشوفة في عصر المسيّرات الانقضاضية الموجّهة. وقد وصف المحلل العسكري يوآف ليمور هذا المشهد بقسوة حين سخر من إعلان نتنياهو كسر "حاجز الخوف" في الشقيف، واصفاً إياه بـ"حاجز الحماقة"، ومؤكداً أن الجيش عاد إلى "المستنقع اللبناني" حيث تنتظره العبوات والقوافل المستهدفة.

ولم تتوقف الاعترافات الإسرائيلية عند هذا الحد، إذ أقرّ رئيس الأركان إيال زامير ضمنياً بالعجز العسكري حين أعرب عن رغبته في التوصل لوقف إطلاق نار مبكر بشروط مقبولة. كما وثّقت إذاعة جيش الاحتلال نفسه إخفاق لواء النخبة "جفعاتي" في زوطر الشرقية، معترفةً بإصابة ضابط بجروح خطيرة وقائد وحدة الاستطلاع وإجلائهم جواً تحت النار. وذهبت صحيفة نيويورك تايمز أبعد من ذلك بكشفها أن المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية أظهرت نقاط ضعف غير متوقعة في منظومة الدفاع الإسرائيلية، فيما أماطت يديعوت أحرونوت اللثام عن الخلاف الاستراتيجي الحاد بين قيادة سياسية تبيع وهماً للجمهور وقيادة عسكرية تؤكد انعدام أي حل تقني أو ميداني لتهديد المسيّرات الانقضاضية.

خلاصة القول، يمكن وسم هذا اليوم بـ"يوم كسر الوهم الإسرائيلي". لقد نجحت المقاومة في تحويل التوغل البري إلى عبء ثقيل على كاهل قيادة العدو، وأثبتت أن قدراتها القيادية وهيكليتها التنظيمية لم تتأثر بحجم النيران المعادية، مما يجعلها قادرة على مواصلة هذا النسق العملياتي العالي لأمد بعيد. أما جيش الاحتلال، فبات أمام خيارَين أحلاهما مرّ: إما التوقف عند مواقعه الراهنة وتحمّل خسائر يومية متصاعدة، وإما المضي في التقدم نحو مناطق قتل أعمق في كمين مفتوح لا مخرج منه. والميدان يكتب الآن نهايات هذه الاندفاعة الإسرائيلية بحبر الدم والفولاذ المحترق.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور