الإثنين 08 حزيران , 2026 01:55

كيف أحيت "حقنة الإنعاش" الأمريكية آمال جوزيف عون المتهاوية؟

عون وعيسى

لم تكن الصواريخ الباليستية التي انهالت من الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتدك العمق الإسرائيلي مجرد رد عسكري على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، بل كانت حدثاً جيوسياسياً تجاوزت ارتداداته حدود "تل أبيب" لتصيب شظاياه السياسية والحسابات المراهنة في قصر بعبدا. هناك، حيث خيم الوجوم والخوف، وبدت الصدمة موازية تماماً للألم والذعر الإسرائيلي، بعد أن تهاوت في لحظات كل القراءات والرهانات التي بُنيت على فرضية "انكفاء طهران".

قبل هذا الرد المدوي، كانت المؤشرات السياسية الصادرة من أروقة بعبدا وبعض الدوائر اللبنانية المحسوبة على المحور الغربي، تجزم بأن إيران باتت خارج معادلة المواجهة المباشرة. سادت قناعة راسخة لدى هذه القوى بأن طهران ستفضل "الخيار السياسي" البارد، وستتخلى عن وعودها لحزب الله لتجنب الصدام الشامل مع الولايات المتحدة الأميركية . بناءً على هذه الحسابات الحالمة، بدأ التأسيس لمرحلة ما بعد سقوط "خيار المقاومة"، وجرى الاستعداد للتعامل مع "لبنان الجديد" الخاضع تماماً للشروط الأمريكية والإسرائيلية.
لكن لحظة الحقيقة الميدانية أطاحت بكل هذه الأوهام الكرتونية؛ فالرد الإيراني الحاسم وتفعيل استراتيجية "توحيد الساحات" شكّلا صفعة استراتيجية قاصمة للمشروع الأمريكي-الإسرائيلي في لبنان، فتهاوي الدفاعات الجوية في تل أبيب كان يعني تلقائياً تهاوي الأوراق السياسية التي كان يعوّل عليها جوزيف عون، مما أدخل أروقة بعبدا في حالة غير مسبوقة من الإرباك والتوتر البالغ والذعر المكتوم، بعد أن تبخرت وعود حسم المعركة لصالح المحور الأمريكي.
أمام هذا المشهد الصعب للمشروع الغربي في لبنان، وفي ظل شعور عون بالانكشاف السياسي الكامل بعد تبدد الأوهام التي بنى عليها حركته وموقفه التصعيدي، كشفت مصادر خاصة لموقع "الخنادق" أن عون استنجد بالدبلوماسية الأمريكية، طالباً بشكل عاجل وملحّ لقاء السفير الأمريكي في لبنان، ميشال عيسى. كان الهدف واضحاً: البحث عن طوق نجاة وسط الأمواج المتلاطمة للمعادلة الإقليمية الجديدة.
جاءت زيارة السفير الأمريكي لبعبدا كـ"حقنة إنعاش" سياسية وجرعة دعم عاجلة لاحتواء حالة الإحباط والذعر لدى عون والدائرة المحيطة به. السفير عيسى لم يأتِ فارغ الوفاض، بل حمل معه وعوداً وتأكيدات أمريكية صريحة تهدف إلى إعادة تثبيت موقف عون وحقنه بجرعة من الأمل الاصطناعي. تضمنت هذه الرسالة التطمينية تشديد واشنطن على أن "المسار الدبلوماسي لم يسقط بعد"، وأن الإدارة الأمريكية ما زالت تملك من أوراق الضغط ما يكفي لفرض خيار "فصل المسارات السياسية" في المنطقة، ومحاصرة مفاعيل الرد الإيراني.
وفي خطوة عملية تهدف إلى انتشال عون من صدمته وإبقائه في دائرة الفعل، أكد السفير الأمريكي أن نافذة التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي لا تزال مشرعة، مسمياً تاريخ 22 حزيران/يونيو كموعد مفصلي لإعادة إحياء النقاشات الدبلوماسية. وهي محاولة أمريكية واضحة لشراء الوقت وتثبيت أقدام حلفائها في بيروت، على أمل الالتفاف على التوازنات الجديدة التي فرضتها الصواريخ في سماء فلسطين المحتلة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه في أروقة القرار: هل تملك "حقنة الإنعاش" الأمريكية القدرة على إحياء مشروع ميت سريرياً؟ تبدو الاجابة واضحة: حزب الله لن يترك لبنان لمن يستنجد بالسفارات عند كل منعطف، ولن يرتضي أن تقاد السياسة الداخلية بأوهام دبلوماسية مهزومة.

 
 

 

 


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور