الثلاثاء 09 حزيران , 2026 09:59

الجبهة اليمنية وإعادة تشكيل ضغط البحر الأحمر في معادلة الإقليم

تتحرك الجبهة اليمنية مجدداً نحو مركز المشهد الإقليمي في لحظة تتداخل فيها خطوط المواجهة بين لبنان وإيران ومضيق هرمز في مسار واحد شديد التعقيد. ويعكس إعلان صنعاء استئناف الهجمات الصاروخية باتجاه إسرائيل، بالتوازي مع إعادة فرض الحظر البحري على السفن المرتبطة بها، انتقالاً في طريقة إدارة الصراع، حيث تُستخدم الجغرافيا البحرية والعمق البعيد كأدوات ضغط متبادلة ضمن شبكة أوسع من التحالفات العسكرية والسياسية.

ويظهر في جوهر هذا التحول، مفهوم "وحدة الساحات" كتجربة عملية تتعدى الخطاب السياسي. فالمعنى الذي يتقدم في هذا السياق هو إعادة تعريف حدود الاشتباك، بحيث لا تبقى المواجهة محصورة في الجبهة الفلسطينية أو اللبنانية أو الايرانية، وإنما تمتد إلى نقاط اختناق استراتيجية تتحكم في التجارة الدولية وأمن الطاقة. ويتحول البحر الأحمر وباب المندب في هذا السياق إلى أدوات ضغط، تُستخدم لإعادة توزيع كلفة الصراع على أطرافه المختلفة.

من ناحية اخرى، فإن العمليات الصاروخية التي استهدفت العمق الإسرائيلي، رغم محدوديتها العسكرية من حيث النتائج المباشرة، تأتي كإعلان حضور في معادلة الردع، وتؤشر إلى أن المسافة الجغرافية لم تعد عائقاً أمام المشاركة في إدارة الاشتباك. هذا النوع من العمليات يعيد تشكيل حسابات الأمن الإسرائيلي، لأنه يضيف طبقة تهديد غير تقليدية إلى منظومة التحديات القائمة، خاصة عندما يترافق مع جبهة بحرية مفتوحة.

في المقابل، يشكل الحظر البحري على الملاحة المرتبطة بإسرائيل نقطة ارتكاز في الاستراتيجية اليمنية. فالتأثير هنا لا يُقاس فقط بعدد السفن المتأثرة أو حجم الخسائر المباشرة، وإنما بقدرة هذا الإجراء على تعطيل اليقين في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية. أي اضطراب في البحر الأحمر لا ينعكس على كيان الاحتلال وحده، وإنما يمتد إلى شبكات التجارة والتأمين والنقل البحري الدولي، ما يمنح هذا المسار بعداً يتجاوز الإطار الثنائي للصراع.

تتعامل صنعاء مع هذا المسار بوصفه جزءاً من منظومة ضغط تراكمية. التجربة السابقة خلال الحرب على غزة أظهرت أن الاستمرار في الضغط البحري والصاروخي قادر على خلق حالة إنهاك تدريجي، حتى في ظل التفوق العسكري التقليدي للطرف المقابل.

من زاوية أخرى، يعكس هذا التطور تداخل ساحات المواجهة في الإقليم إلى درجة يصعب معها فصل كل جبهة عن الأخرى. التصعيد في لبنان، والاستهدافات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، والحرب في غزة، كلها تشكل بيئة واحدة قابلة لنقل التأثير من نقطة إلى أخرى. في هذا السياق، تصبح الجبهة اليمنية امتداداً وظيفياً لهذه المنظومة، وليس مجرد ساحة دعم جانبية.

التصريحات الصادرة عن قيادات في صنعاء تشير إلى استعداد لتحمل كلفة عالية من المواجهة، بما في ذلك احتمال التعرض لضربات مباشرة. هذا الموقف يعكس مقاربة تقوم على إدراك أن كلفة التراجع في هذه المرحلة قد تفوق كلفة الاستمرار في التصعيد. وهو ما يفسر اللغة المستخدمة التي تربط بين البعد الإقليمي الأوسع وبين الاعتبارات الداخلية المتعلقة بالحصار والهجمات السابقة.

في المقابل، تواجه إسرائيل تحدياً مركباً يتجاوز مسألة اعتراض الصواريخ أو حماية الملاحة. فالجبهة اليمنية تضيف بعداً اقتصادياً واستراتيجياً طويل الأمد إلى مشهد الصراع، وتفرض إعادة تقييم لمفهوم الأمن الإقليمي نفسه، خصوصاً مع اتساع نطاق التهديد ليشمل خطوط التجارة البحرية.

ما يجري لا يعكس مجرد عودة إلى نمط عمليات سابق، وإنما إعادة إدماج للبحر الأحمر في قلب الصراع الإقليمي. ومع استمرار تداخل الجبهات، تتجه المواجهة نحو نموذج أكثر تشابكاً، حيث لا يمكن عزل أي ساحة عن الأخرى، وتصبح نقاط العبور البحرية والصاروخية جزءاً من معادلة ضغط واحدة تتغير باستمرار وفق إيقاع التصعيد العام في المنطقة.


الكاتب: غرفة التحرير



دول ومناطق


روزنامة المحور