يناقش إيتامار إيشنر في هذا المقال، الذي نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، ما وصفه بتحوّل الكيان المؤقت الى "دولة منبوذة" في العالم، إنطلاقاً من مذكرة الاعتقال بحق رئيس حكومة كيان الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومنع العديد من الدول وزراء إسرائيليين من دخول أراضيها، وفرض عقوبات على المستوطنين، والمحاولات المتواصلة من حركة المقاطعة (BDS) للإضرار باقتصاد الكيان وما يُسمى "شرعيته". ويشير إيشنر أن هذه الظواهر التي كانت حتى ما قبل 7 أكتوبر (طوفان الأقصى) هامشية ومحدودة التأثير، تحوّلت اليوم إلى خطر حقيقي، من دون أن تتلقى "معالجة فعلية" من جانب حكومة نتنياهو.
النص المترجم:
في الأيام الأخيرة، يبدو أن إسرائيل تواجه ما يشبه "تسونامي" من العقوبات والإجراءات العقابية من قبل دول مختلفة حول العالم. فمرة تكون العقوبات ضد الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، ومرة ضد مستوطنين، ومرة أخرى في شكل مقاطعة أكاديمية من جامعة أوروبية هنا أو هناك.
إلى جانب ذلك، تواصل حركة المقاطعة نشاطها ضد إسرائيل منذ سنوات طويلة، لكنها ازدادت قوة ونفوذاً بشكل ملحوظ منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، مستفيدة من دعم وإسناد دول مثل قطر ومنظمات إسلامية مختلفة مؤيدة لحركة حماس. وبهذا تتشكل جبهة مناهضة لإسرائيل تبدو أكثر تنسيقاً وتماسكاً.
حتى 7 تشرين الأول/أكتوبر، نجحت إسرائيل في التعامل نسبياً بسهولة مع الأضرار التي سعت حركة المقاطعة إلى إلحاقها بالدولة وبالمواطنين الإسرائيليين، لأن تلك الأضرار كانت محدودة نسبياً. فقد جرت محاولات للإضرار بإسرائيل على المستوى الاقتصادي، لكنها لم تحقق نجاحاً يُذكر، إذ لم يكن أحد يرغب في سحب استثماراته من إسرائيل بسبب قوة اقتصادها. كما أن المقاطعات في المجالين الأكاديمي والثقافي بقيت ظواهر هامشية تكاد لا تُلحظ.
لكن منذ هجوم السابع من تشرين الأول، يبدو أن حكومة بنيامين نتنياهو قد استسلمت للأمر الواقع، وسمحت لهذه الظاهرة بالتوسع. فقد حققت حركة المقاطعة العديد من النجاحات في مجالات متنوعة، وتمكنت من تشويه صورة إسرائيل على الساحة الدولية، وهو ما ينعكس في استطلاعات الرأي والمعطيات التي تشير إلى أن إسرائيل تتحول تدريجياً إلى دولة منبوذة على نحو متزايد.
ويتجلى ذلك في تصريحات ومواقف معادية لإسرائيل تجاه الإسرائيليين في الخارج، أو في رفض فنانين إحياء حفلات في إسرائيل، وامتناع كتّاب عن السماح بترجمة مؤلفاتهم إلى اللغة العبرية. كما شهدنا محاولات لإقصاء إسرائيل من مسابقة يوروفيجن للأغنية أو من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وهي محاولات باتت أكثر خطورة وتأثيراً مما كانت عليه في السابق.
وبالتوازي مع ذلك، تتزايد الجهود الرامية إلى سحب الاستثمارات من إسرائيل وخنقها اقتصادياً. ومن أبرز الأمثلة على ذلك صندوق الثروة السيادي النرويجي، وهو أكبر صندوق استثماري في العالم، الذي سحب استثماراته من شركات مرتبطة بإسرائيل. وينطبق الأمر أيضاً على "القائمة السوداء" التابعة لـمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والتي تهدف إلى إلحاق الضرر الاقتصادي بالشركات الدولية والإسرائيلية العاملة وراء الخط الأخضر (الخط الفاصل بين الأراضي المحتلّة عامي 1948 و1967).
ورغم أنه لم تُتخذ إجراءات ضد مواطنين أو مؤسسات إسرائيلية داخل الخط الأخضر – باستثناء مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت – فإن هذه الظاهرة لم تعد حكراً على حركة المقاطعة وحدها. فدول أوروبية تُصنَّف في إسرائيل على أنها معادية لها، مثل فرنسا وإيرلندا وبلجيكا، تحاول التأثير على إسرائيل أيضاً من داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. ومن الأمثلة على ذلك المساعي للحد من مشاركة إسرائيل في برنامج الأبحاث الأوروبي "هورايزن" والتعاونات العلمية المختلفة، بهدف "معاقبة" إسرائيل وإلحاق الضرر بها اقتصادياً.

وفي الوقت نفسه، كما ذُكر، تتزايد العقوبات التي تفرضها دول مختلفة. ويُعزى "التسونامي" الحالي، من بين أسباب أخرى، إلى التقارير ومقاطع الفيديو القادمة من الضفة الغربية، والتي تُظهر مستوطنين متطرفين وهم يمارسون العنف ضد الفلسطينيين ويعتدون على ممتلكاتهم. كما تتعزز هذه الصورة بفعل التقارير عن التوسع الاستيطاني الواسع بدعم من الحكومة، إضافة إلى تشريع قانون عقوبة الإعدام بحق منفذي العمليات الفلسطينية.
ويُضاف إلى ذلك أن المجتمع الدولي بات يشعر بالإرهاق من استمرار الحرب على مختلف الجبهات، بعدما بدأت تداعياتها تظهر في أسعار الوقود وتراجع أسواق المال، فضلاً عن التصريحات المثيرة للجدل الصادرة عن وزراء في الحكومة الإسرائيلية. ويتصدر هذه الوقائع مقطع الفيديو الذي ظهر فيه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وهو يسيء معاملة ناشطي أسطول غزة، وهو مشهد اعتبرته دول عديدة تجاوزاً لخط أحمر.
فقد أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أمس أن بلاده قررت منع وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش من دخول أراضيها، وذلك بعد أن كانت قد اتخذت الشهر الماضي قراراً مشابهاً بحق بن غفير على خلفية قضية أسطول غزة.
وقال بارو موضحاً القرار: "إن سموتريتش يدفع بصورة نشطة نحو ضم الضفة الغربية، وهو يطالب بذلك علناً، كما يدعم إقامة مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، وإعادة الاستيطان في غزة، والتسبب بانهيار اقتصادي للسلطة الفلسطينية وما يترتب على ذلك من آثار مدمرة على السكان الفلسطينيين. هذه سياسة لا يمكن أن تقبلها الغالبية الساحقة من المجتمع الدولي المتمسكة بحل الدولتين".
وبذلك تنضم فرنسا إلى إيرلندا التي منعت دخول الوزيرين الأسبوع الماضي، وإلى كل من المملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج التي كانت قد اتخذت إجراءات مماثلة منذ عام 2025.
خطوة الدول الست
كما منعت فرنسا دخول 4 مسؤولين بارزين في منظمات استيطانية، إضافة إلى 21 مستوطناً آخر، من دون أن تُنشر أسماؤهم بعد. وتندرج هذه العقوبات ضمن خطوة مشتركة تقودها فرنسا بالتعاون مع بريطانيا وكندا والنرويج وأستراليا ونيوزيلندا، لفرض عقوبات على "جهات تروّج للعنف في الضفة الغربية".
وفي السياق نفسه، أعلنت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر أمام البرلمان البريطاني "خطة عمل" رداً على "التوسع القياسي في الاستيطان وتصاعد العنف في الضفة الغربية"، مع الدفع نحو التنفيذ العاجل لـ"خطة النقاط العشرين للسلام".
وقالت إن العقوبات التي تفرضها الدول الست منسقة ضد "شبكات التمويل والدعم للهجمات التي ينفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية". كما أوصت الشركات البريطانية بالامتناع عن العمل في "المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية"، وأعلنت فرض عقوبات على 6 منظمات وشخص واحد متهمين بـ"تمويل أو تشجيع أو تنفيذ أعمال عنف للمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة".
من جهتها، أعلنت كندا فرض عقوبات تشمل حظر الدخول وإجراءات مالية بحق مواطنين اثنين و5 كيانات أو بؤر استيطانية. أما أستراليا فكانت قد فرضت مطلع الشهر عقوبات على 3 مواطنين و6 بؤر استيطانية.
كما حظرت نيوزيلندا دخول 3 مواطنين إسرائيليين، لينضموا إلى قائمة سوداء تضم 35 شخصية ممنوعة من دخول البلاد، من بينهم بن غفير وسموتريتش، إضافة إلى دانييلا فايس، وزئيف حيفر (زمبيش)، وإليشع يرد، ونوعام فيدرمان، وباروخ مارزل، وبنتسي غوبشتاين.
ورداً على العقوبات الجديدة، قالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن "إسرائيل ترفض بشدة الإجراءات المشينة التي اعتمدتها حكومات أجنبية ضد مواطنين إسرائيليين ومنظمات إسرائيلية ووزير في الحكومة".
وأضافت الوزارة أن "الجوهر الحقيقي لهذه الإجراءات، التي تُقدَّم على أنها موجهة ضد العنف، هو محاولة فرض موقف سياسي يتعلق بحق اليهود في العيش في أرض إسرائيل وبطبيعة الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. والقاسم المشترك بين هذه الحكومات هو فشلها الذريع في مكافحة معاداة السامية المنتشرة داخل بلدانها".
وختمت الوزارة بالقول إن "السياسات المعادية لإسرائيل من هذا النوع لا تؤدي إلا إلى تغذية معاداة السامية. ومن اللافت أيضاً أن هذه الحكومات أخفقت في فرض عقوبات أو اتخاذ إجراءات ضد الظواهر التي تغذي العنف فعلياً، مثل سياسة دفع المخصصات المالية التي تنتهجها السلطة الفلسطينية للأسرى ومنفذي العمليات، وما تعتبره إسرائيل تحريضاً مستمراً".
إضافة إلى العقوبات، فتحت السلطات الفرنسية الأسبوع الماضي تحقيقاً يتمحور حول شبهات تتعلق بالتعذيب وارتكاب جرائم حرب، وذلك بعد أن قدّم وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو شكوى بشأن ما وصفه بسوء معاملة مواطنين فرنسيين شاركوا في أسطول غزة، على خلفية مقطع الفيديو الذي ظهر فيه وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير.
كما أعلنت إيطاليا، وهي دولة تُعد صديقة لإسرائيل، أنها ستفتح تحقيقاً بحق بن غفير على خلفية ما وصفته بإهانة مواطنين إيطاليين شاركوا في الأسطول. وقد ساهم ردّ الوزير الهجومي في تعميق الأزمة.
وقال بن غفير: "لقد تحوّلت بلاد الحذاء (إيطاليا) إلى بلاد النعل. إسرائيل ليست كيس ملاكمة لمجموعة من مؤيدي الإرهاب الكاذبين الذين يختلقون الافتراءات والأكاذيب ضد مقاتلينا. لن أخشى أي تحقيق من هذا النوع أو ذاك، وسأواصل الوقوف بفخر إلى جانب مقاتلينا".
وردّ وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني قائلاً: "لا أجد كلمات تصف تصريحات بن غفير تجاه إيطاليا. إنها تصريحات غير مقبولة نرفضها بشكل قاطع، ولا تليق بوزير".
على طاولة الاتحاد الأوروبي
ويبدو أن هذه التطورات ليست نهاية المطاف. فقد نجح الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 27 دولة، في التوصل إلى توافق بشأن فرض عقوبات على مستوطنين متطرفين، فيما يكتسب زخماً حالياً مسعى يهدف إلى تمرير قرار خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في 15 حزيران/يونيو لفرض عقوبات على سموتريتش وبن غفير.
وتعارض ألمانيا فرض عقوبات على سموتريتش، لكنها قد تؤيد فرض عقوبات على بن غفير، وإن كان من الممكن أن يُحبط ذلك عبر فيتو من التشيك.
وبحسب تقديرات مسؤولين مطلعين على المداولات، فإن فرص الدفع حالياً نحو إجراءات اقتصادية واسعة ضد إسرائيل لا تزال محدودة نسبياً، إلا أن مسألة فرض عقوبات شخصية على وزراء إسرائيليين ستبقى مطروحة على جدول الأعمال حتى لو لم تُقرّ في الاجتماع القريب.
وقال أحد المطلعين على التفاصيل إن بن غفير ألحق، من خلال سلوكه في قضية الأسطول، ضرراً هائلاً بإسرائيل، وإنه "هو من جلب ذلك على نفسه".
وأضاف مسؤول إسرائيلي رفيع آخر: "لا أرى في هذه اللحظة عقوبات على وزراء إسرائيليين، لكن الأمور قد تتغير حتى الأسبوع المقبل. هذا الاحتمال أكثر ترجيحاً بالنسبة إلى بن غفير بسبب فيديو إهانة ناشطي الأسطول. أما بالنسبة إلى فرض عقوبات على منتجات المستوطنات، فلا يبدو حالياً أن ذلك سيحدث. وبدلاً من ذلك، بدأت الدول بفرض عقوبات وطنية، بما يشمل وزراء أيضاً".
الخطر الأكبر
وبعيدًا عن إلحاق الضرر بالمواطنين الإسرائيليين ومحاولات الإضرار بالاقتصاد، يكمن خطر أكبر وراء هذه الظواهر. فإذا كان نشطاء حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) قبل 20 أو 30 عامًا قد سعوا لإجبار إسرائيل على الدخول في مفاوضات مع الفلسطينيين لتحقيق رؤية الدولتين، فمن الواضح اليوم أن هذا ليس الهدف. تسعى حركة المقاطعة إلى إلحاق ضرر جسيم بدولة إسرائيل حتى تفقد شرعيتها في نظر دول العالم، وتصبح غير قادرة على الوجود.
وأمام هذا الخطر، تقف الحكومة الإسرائيلية مكتوفة الأيدي. لا تتخذ هذه الحكومة من هذا الأمر واجهةً لأي شيء، ولا تحشد اليهود في العالم أو الحكومات الصديقة، ولا تتخذ إجراءات حاسمة ضد تمويل منظمات المقاطعة - الأموال التي تأتي من تركيا وقطر والمنظمات الإسلامية في جميع أنحاء العالم. وحتى لو أدركت خطأها، أو حدث تغيير في الحكومة واتخذت الحكومة الجديدة إجراءات، فسيستغرق الأمر عامًا أو عامين على الأقل قبل أن يُلمس أي تغيير - وهذا بالطبع يعتمد أيضًا على ما يحدث على مختلف الجبهات.
المصدر: يديعوت أحرونوت
الكاتب: غرفة التحرير