في المراحل الانتقالية لا تُختبر الدول عند حدود قدرتها على إسقاط الأنظمة القديمة أو تشكيل الحكومات الجديدة، بل عند قدرتها على إعادة إنتاج الثقة. فالثقة هي العملة السياسية الأكثر ندرة بعد الحروب، وهي أيضاً المعيار الذي يحدد ما إذا كانت السلطة الناشئة تتحول إلى دولة حقيقية أم تبقى مجرد سلطة تسيطر على الجغرافيا دون أن تنجح في احتضان المجتمع.
من هنا تكتسب الرسالة التي وجهها الأب سبيريدون طنوس إلى الرئيس الانتقالي أحمد الشرع أهمية تتجاوز كثيراً تفاصيلها المباشرة. فالقضية لا تتعلق فقط بالاتهامات الخطيرة المرتبطة بشبكات إجرامية أو بمخاوف أمنية داخل وادي النصارى، بل بما تعكسه من أزمة أعمق تتصل بطبيعة العلاقة بين الأقليات التاريخية والسلطة الجديدة التي تسعى إلى تثبيت شرعيتها بعد سقوط نظام الأسد.
ففي الظاهر يبدو الملف متعلقاً بالمسيحيين السوريين، لكن في جوهره يتعلق بالسؤال الأكبر: أي دولة تتشكل اليوم في سوريا؟
هذا السؤال يكتسب حساسية استثنائية لأن المسيحيين لا يمثلون مجرد مكون ديني ضمن فسيفساء اجتماعية واسعة، بل يمثلون جزءاً من البنية التاريخية التي تشكلت حولها الهوية السورية عبر قرون طويلة. فسوريا لم تكن موطناً للمسيحية فحسب، بل كانت إحدى أهم الحواضن التي تشكلت فيها المسيحية الشرقية نفسها. ومن معلولا التي ما زالت تحفظ اللغة الآرامية، إلى البطريركيات التاريخية الممتدة في دمشق وحمص وحلب، فإن الحديث عن المسيحيين السوريين لا ينفصل عن الحديث عن جزء من الذاكرة الحضارية لسوريا.
لكن الدول لا تُقاس بعمق تاريخها فقط، بل بقدرتها على حماية هذا التاريخ داخل الحاضر.
ولهذا تبدو المخاوف المسيحية الراهنة أكثر تعقيداً من مجرد القلق الناتج عن حوادث أمنية متفرقة. فخلال الأشهر الماضية تراكمت سلسلة من الوقائع التي ساهمت في تعميق الشعور بعدم اليقين؛ من الاعتداء على الرموز الدينية، إلى استهداف الكنائس، وصولاً إلى التفجير الانتحاري الذي ضرب كنيسة مار إلياس في دمشق. وبغض النظر عن الجهات المنفذة أو طبيعة كل حادثة على حدة، فإن الأثر التراكمي لهذه الأحداث أصبح أكبر من الحوادث نفسها.
فالمجتمعات لا تتخذ قراراتها بناء على الوقائع فقط، بل بناء على شعورها تجاه المستقبل. وعندما تبدأ فئة اجتماعية تاريخية بالتساؤل عما إذا كان مستقبلها ما زال داخل وطنها، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت البعد الأمني إلى مستوى أعمق يتعلق بشرعية الدولة وقدرتها على إنتاج الطمأنينة.
وهنا تحديداً يبرز التحدي الحقيقي أمام السلطة السورية الجديدة. فالمعركة التي تخوضها دمشق اليوم ليست معركة السيطرة على الأرض، لأن السيطرة العسكرية يمكن تحقيقها بالقوة، وإنما معركة بناء الدولة، وهي عملية أكثر تعقيداً بكثير. فالدولة لا تحتكر العنف المشروع فقط، بل تحتكر أيضاً إنتاج الشعور بالأمان. وعندما تبدأ الجماعات المحلية بالبحث عن ضمانات خارج إطار الدولة، أو عندما يصبح الانتماء الديني أو الطائفي مصدراً للحماية أكثر من المواطنة نفسها، فإن ذلك يشير إلى وجود فجوة في عملية بناء الشرعية.
لهذا السبب تنظر العواصم الغربية إلى ملف الأقليات باعتباره أحد أهم المؤشرات على اتجاهات سوريا المستقبلية. فواشنطن وباريس وبروكسل والفاتيكان لا تراقب أوضاع الأقليات من منظور إنساني فقط، بل من منظور سياسي واستراتيجي أيضاً. فحماية الأقليات أصبحت جزءاً من اختبار أوسع يتعلق بطبيعة النظام الجديد، ومدى قدرته على التحول من سلطة انتقالية إلى دولة مستقرة وقابلة للاندماج مجدداً في النظام الدولي.
ولذلك لم يعد ملف المسيحيين منفصلاً عن ملفات إعادة الإعمار ورفع العقوبات والاستثمارات الأجنبية واستعادة العلاقات الدولية. فالعالم لا يمنح ثقته للدول بناء على الخطابات، بل بناء على قدرتها على حماية مواطنيها وإدارة تنوعها. وكلما نجحت دمشق في تقديم نموذج وطني جامع، ازدادت قدرتها على تعزيز شرعيتها الخارجية. وكلما استمرت الفجوة بين الخطاب والواقع، ازدادت الشكوك الدولية بشأن طبيعة النظام الذي يتشكل في البلاد.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في الخارج بل في الداخل السوري نفسه. فالأرقام تشير إلى أن المسيحيين تعرضوا خلال السنوات الماضية لواحدة من أكبر عمليات الاستنزاف الديموغرافي في تاريخهم الحديث. فبعد أن كانوا يشكلون أحد المكونات الرئيسية في المجتمع السوري، تراجع عددهم بصورة حادة نتيجة الحرب والهجرة وانعدام اليقين. والأخطر أن القسم الأكبر ممن غادروا هم من الفئات الشابة والمتعلمة والمنتجة، ما يعني أن المسألة لا تتعلق فقط بتراجع الأعداد، بل بخسارة جزء من رأس المال البشري والثقافي الذي ساهم في تشكيل سوريا الحديثة.
وتاريخ المنطقة يقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فالعراق لم يفقد مسيحييه عبر قرار سياسي معلن أو عملية تهجير جماعية مباشرة، بل عبر مسار طويل من الخوف وتآكل الثقة وتراجع قدرة الدولة على توفير الضمانات. وعندما تتحول الهجرة إلى خيار عقلاني، يبدأ النزيف الديموغرافي بالعمل تلقائياً حتى في غياب أي سياسة استهداف رسمية.
لهذا فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بالمسيحيين وحدهم، بل بمستقبل الدولة السورية نفسها. فالدول الخارجة من الحروب تُقاس بقدرتها على إدارة التنوع لا بقدرتها على إدارة الأغلبية. والأقليات ليست مجرد جماعات تحتاج إلى الحماية، بل هي مؤشر على مدى رسوخ مؤسسات الدولة وقدرتها على فرض القانون على الجميع دون تمييز.
وفي هذا السياق، يصبح وادي النصارى ومعلولا والتجمعات المسيحية التاريخية أكثر من مجرد مناطق سكانية. إنها تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية الجغرافيا الحضارية لسوريا. لأن خسارة هذه المناطق لدورها الديموغرافي ليست مجرد تغير سكاني، بل تعبير عن فشل الدولة في الحفاظ على أحد مكوناتها المؤسسة.
في النهاية، قد يكون الخطأ الأكبر هو اختزال القضية في سؤال: هل المسيحيون مستهدفون أم لا؟ فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تختفي بسبب حدث واحد، بل بسبب تراكم طويل من الخوف وانعدام الثقة والشك بالمستقبل. والسؤال الذي يواجه دمشق اليوم ليس كيف ترد على الاتهامات أو كيف تحتوي أزمة عابرة، بل كيف تبني دولة تجعل جميع السوريين يشعرون أن مستقبلهم مرتبط بها.
فالدول لا تفشل عندما تخسر السيطرة على جزء من أراضيها فقط، بل عندما تبدأ مكوناتها التاريخية بفقدان الإيمان بقدرتها على حمايتها. وإذا كانت سوريا تخوض اليوم معركة إعادة بناء الدولة بعد سنوات من الحرب، فإن معيار النجاح الحقيقي لن يكون عدد المؤسسات التي أُعيد تشغيلها أو حجم الاعترافات الدبلوماسية التي حصلت عليها، بل قدرتها على إقناع أقدم مكوناتها الحضارية بأن مكانها الطبيعي ما زال داخل سوريا لا خارجها.
غير أن المسألة تتجاوز سوريا نفسها. فما يجري اليوم يعيد طرح سؤال أكبر يتعلق بمستقبل المشرق العربي بأسره. فمن العراق إلى سوريا، مروراً بالتحديات التي تواجهها التعددية التاريخية في أكثر من ساحة، يبدو أن المنطقة تخوض منذ عقود عملية إعادة تشكيل ديموغرافية هادئة ولكن عميقة التأثير. وفي قلب هذه العملية يتراجع حضور الجماعات التي ساهمت في صناعة الهوية التاريخية للمشرق، ليس بفعل قرار سياسي واحد، بل نتيجة تراكم الخوف وعدم اليقين وضعف الدولة.
فإعادة تشكيل الخريطة السكانية للمشرق لا تعني فقط اختفاء جماعات تاريخية، بل تعني أيضاً إعادة تشكيل البيئة التي نشأت فيها الدول نفسها. وحين تتغير البنية الاجتماعية التي قامت عليها الدولة، تبدأ طبيعة السلطة والتوازنات السياسية ومفاهيم الشرعية بالتحول معها. ولهذا فإن ما يجري اليوم لا يتعلق بمصير المسيحيين السوريين فقط، بل بمصير النموذج المشرقي الذي عرفته المنطقة طوال قرون.
ومن هنا فإن معركة حماية المسيحيين ليست معركة أقلية تبحث عن ضمانات، بل معركة دولة تبحث عن شرعية، ومشرق يبحث عن هويته في مرحلة تعاد فيها كتابة خرائط النفوذ والسكان والانتماءات من جديد. فالمعركة الحقيقية الدائرة اليوم ليست حول بقاء جماعة دينية من عدمه، بل حول شكل الشرق الذي سيتشكل بعد انتهاء الحروب: شرق تحميه الدول عبر المواطنة والمؤسسات، أم شرق تعاد هندسته تدريجياً عبر الخوف والهجرة واستنزاف مكوناته التاريخية. وفي هذا الفارق تحديداً يتحدد مستقبل سوريا، وربما مستقبل المشرق بأسره.
الكاتب: خليل القاضي