في ظل تجدّد العدوان الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية في إيران، تتكرّر لدى أعدائها الفرضية ذاتها التي أثبتت التجارب فشلها مراراً خلال 47 عاماً، وهي أن الضغوط العسكرية والتهديدات الأمنية يمكن أن تدفع قيادة الجمهورية الإسلامية إلى التراجع عن مواقفها السياسية وحقوقها السيادية، أو إلى تقديم تنازلات في الملفات الخلافية مع أمريكا. إلا أنّ الوقائع الميدانية والسياسية التي رافقت الجولة الأخيرة من التصعيد تُثبت من جديد عكس هذه الفرضية تماماً؛ إذ أظهرت إيران أنها ماضية في الجمع بين الثبات التفاوضي والرد العسكري المباشر، وأن العدوان لم ولن يؤدِّ إلى إضعاف موقفها، بل يعزّز قناعتها بضرورة التمسك بخطوطها الحمراء والدفاع عنها بالقوة مهما كلّف الأمر.
وفي الوقت الذي زعم فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبعض المسؤولين الأمريكي،وجود مفاوضات جديدة أو اتصالات استثنائية بين طهران وواشنطن خلال الساعات التي أعقبت الهجمات الأمريكية، نفت مصادر مقرّبة من الفريق الإيراني المفاوض هذه المزاعم بشكل قاطع، مؤكدة أن إيران لم تدخل أي مسار تفاوضي جديد تحت ضغط النار أو التهديد. كما شددت المصادر على أنّ المواقف الإيرانية لم تتغيّر، وأن النص الذي سبق أن أكدت عليه طهران لا يزال يشكّل الأساس الذي تنطلق منه رؤيتها للحل والتفاهم مع الجانب الأمريكي.
وتؤكد هذه المعطيات أنّ القيادة الإيرانية تنظر إلى التصعيد العسكري الأمريكي باعتباره أداة ضغط تهدف إلى انتزاع تنازلات سياسية لم تتمكن واشنطن من الحصول عليها عبر المفاوضات. إلا أن الفريق الإيراني يرى أن السبب الحقيقي وراء زيادة الضغوط والتهديدات الأمريكية هو صمود إيران أمام المطالب الأمريكية. ولذلك فإن التقديرات الإيرانية لا تشير إلى احتمال تراجع الجمهورية الإسلامية، بل إلى أن الولايات المتحدة ستجد نفسها في نهاية المطاف مضطرة إلى القبول بالأطر الرئيسية التي تتمسك بها طهران، بعدما فشلت سياسة الإكراه في تغيير مواقفها.
وقد تجلّى هذا الواقع بوضوح بعد الهجمات الأمريكية الأخيرة التي استهدفت الأراضي الإيرانية. فبحسب المعطيات المتوافرة، استخدمت الولايات المتحدة 49 صاروخاً من طراز "توماهوك" لضرب أهداف متعددة في جنوب إيران ومحيط مضيق هرمز، بما في ذلك جزيرة قشم وبندر عباس وميناب وسيريك، كما امتدت الضربات إلى مناطق في العاصمة طهران وشمال البلاد، مثل رامين وكرج والبرز واشتهارد وملارد وأبيك وقزوين. وأعلن حرس الثورة الإسلامية أن بعض الأهداف التي تعرّضت للقصف شملت مراكز شرطية ومقار أمنية وحتى مواقع مدنية.
كما أثارت تقارير إعلامية دولية تساؤلات جدية بشأن طبيعة بعض الأهداف التي أصابتها الهجمات الأمريكية. فقد نشرت وسائل إعلام إيرانية صوراً لخزانات مياه مدمرة في منطقة باماني جنوب إيران، وأظهرت صور أخرى بقايا ذخائر قيل إنها تعود إلى قنبلة أمريكية موجّهة من طراز GBU-39. ونقلت تقارير إعلامية عن خبراء تسليح قولهم إن الأضرار الظاهرة تتطابق إلى حد كبير مع آثار هذا النوع من القنابل الدقيقة. وبحسب السلطات الإيرانية، فإن الخزانين المستهدفين كانا يؤمّنان المياه لما لا يقل عن 20 ألف مواطن، ما يسلّط الضوء على ارتكاب أمريكا جريمة حرب لا لبس فيها.
الردّ الإيراني على العدوان
أمّا رسالة الردّ الإيرانية على تجدّد العدوان فقد جاءت سريعة وحاسمة. بحيث بادرت القوات المسلّحة في الجمهورية الإسلامية إلى استهداف مقدرات عسكرية أمريكية في المنطقة، مؤكدة أنها ستجعل أي اعتداء على أراضيها مكلفاً بصورة مباشرة. وأعلن حرس الثورة الإسلامية إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل أمام حركة العبور، في خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية واقتصادية تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.
وفي الميدان العسكري، شملت الضربات الإيرانية مواقع وقواعد أمريكية في أكثر من دولة. فقد استهدفت القوات الإيرانية قاعدتي علي السالم وأحمد الجابر في الكويت، إضافة إلى أنظمة رادار مرتبطة بمنظومات "باتريوت" في البحرين، وقاعدة الأزرق الجوية في الأردن. وأكد الحرس الثوري أنه أطلق 12 صاروخاً على مواقع تمركز مقاتلات أمريكية ومنشآت عسكرية داخل قاعدة الأزرق، مشيراً إلى تدمير أهداف عسكرية وإلحاق خسائر كبيرة بمعدات باهظة الثمن.
كما أعلن حرس الثورة أنه نجح في رصد مواقع تمركز مقاتلات أمريكية من طراز F-35 في قاعدة موفق السلطي بالأردن، إلى جانب تتبع طائرتين أمريكيتين كبيرتين من طراز P-8 منذ لحظة إقلاعهما، قبل استهداف مواقع تمركزهما في قواعد أمريكية بالبحرين والكويت باستخدام أسلحة دقيقة. وتعكس هذه العمليات مستوى متقدماً من القدرة الاستخبارية والاستهداف الدقيق، كما تؤكد أن إيران لا تتعامل مع الاعتداءات الأمريكية بمنطق ردود الفعل الرمزية، بل بمنطق الردّ على المكيال بمكيالين.
وتكشف هذه التطورات عن حقيقة أساسية مفادها أن الجمهورية الإسلامية لا تفصل بين المسارين العسكري والسياسي، بل توظف كليهما ضمن استراتيجية واحدة تقوم على الصمود وعدم الخضوع للإملاءات. فكما ترفض التراجع في ميدان التفاوض، ترفض أيضاً السماح بتحويل أراضيها إلى ساحة مستباحة للضربات العسكرية دون رد. ومن هنا، فإن العدوان الصهيوأمريكي المتجدد لا يبدو قادراً على دفع إيران نحو التنازل، بل يدفعها إلى مزيد من التشبث بحقوقها ومواقفها.
وعليه، فإن المعادلة التي تحاول طهران تثبيتها اليوم تقوم على ركيزتين متكاملتين: الثبات التفاوضي الذي يمنع انتزاع التنازلات تحت الضغط، والرد العسكري الدقيق الذي يرفع كلفة العدوان على أمريكا وحلفائها. وبذلك تؤكد الجمهورية الإسلامية أن أي محاولة لفرض الشروط عليها بالقوة لن تؤدي إلى تغيير سياساتها، بل ستقابل بمزيد من المقاومة السياسية وبنيران دقيقة تطال الأهداف العسكرية الأمريكية أينما وُجدت في المنطقة.
الكاتب: غرفة التحرير