يستعرض وزير الأمن القومي السابق في الكيان المؤقت عومر بارليف، في هذا المقال الذي نشرته صحيفة هآرتس وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، معادلة الردع الإيرانية الجديدة التي تواجه إسرائيل حالياً إذا ما فكرت الاعتداء مجدداً على الضاحية الجنوبية لبيروت. واضعاً سيناريو متخيلاً للعبة الحرب التي أجرتها هيئة أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي قبل اتخاذها قرار العدوان السابق على الضاحية (الذي حصل في 07/06/2026).
ويعتبر بارليف أن إيران ما بعد هجومها الأخير ضد كيان الاحتلال الإسرائيلي قد خرجت أقوى، هي وحلفائها، فيما باتت إسرائيل تواجه واقعاً أسوأ.
النص المترجم:
بعد الهجوم الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية استمعت إلى التحليلات المختلفة، بما في ذلك تلك التي استندت إلى مصادر عسكرية وأخرى نُشرت من دون ذكر أسماء. وكان التفسير المطروح للهجوم على هدف محدود الأهمية في بيروت هو رغبة إسرائيل في ترسيخ "معادلة" جديدة مع حزب الله، وذلك في أعقاب إعلان الرئيس دونالد ترامب للمرة الثانية وقف إطلاق النار في لبنان. وكان من المفترض أن تنص هذه المعادلة على أن أي هجوم من حزب الله على أهداف داخل الأراضي الإسرائيلية سيُقابل بهجوم إسرائيلي على بيروت.
أعترف بأن هذا الطرح بدا لي منطقياً في البداية. لكن عند التفكير فيه مرة أخرى، حاولت أن أتخيل موقف أصحاب القرار في لعبة الحرب التي يُرجح أنها جرت في هيئة الأركان عشية الهجوم على الضاحية. وأفترض أن ممثل شعبة العمليات عرض الحاجة إلى فرض معادلة جديدة، مفادها أن الجيش الإسرائيلي سيواصل الدفاع عن بلدات الشمال من داخل لبنان، ولن يهاجم بيروت إلا إذا استهدف حزب الله أهدافاً داخل إسرائيل. فإذا لم يهاجم حزب الله أهدافاً داخل إسرائيل، فلن تهاجم إسرائيل بيروت، لكنها ستتمكن من مواصلة العمل بحرية نسبية جنوبها. ومن المرجح أن رئيس قسم العلاقات الخارجية في شعبة الاستخبارات أيد موقف شعبة العمليات، معتبراً أن إسرائيل ستُظهر بذلك التزامها بأمر ترامب بوقف إطلاق النار، ولن تخرج عنه إلا إذا انتهكه حزب الله.
بعد عرض هدف الهجوم والمنطق الكامن وراءه، من المؤكد تقريباً أن رئيس قسم الرقابة في شعبة الاستخبارات نهض ليعرض موقف "الإيفخا مستبرا" (أي: العكس هو الصحيح). وكما هو معروف، فإن التوصية بإنشاء قسم رقابة داخل شعبة الاستخبارات تكون مهمته تقديم سيناريو معاكس للتقدير السائد، كانت إحدى أهم توصيات لجنة أغرنات، لجنة التحقيق الرسمية التي أُنشئت بعد حرب يوم الغفران عام 1973. وبعد السابع من أكتوبر تبيّن أن قسم الرقابة تعرض على مر السنين للتهميش والإضعاف إلى أن وصل إلى وضعه البائس والمحدود الفاعلية عشية الهجوم.
ومن منطلق وظيفته، يُفترض أن رئيس قسم الرقابة عرض موقفاً معاكساً لرؤية شعبة العمليات. ومن المرجح أنه قال إن استمرار القتال في جنوب لبنان لن يُنظر إليه من جانب حزب الله على أنه أمر مشروع في إطار وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه ترامب، ولذلك ليس من المعقول توقع توقفه عن إطلاق النار باتجاه إسرائيل. أي أن المعادلة التي تحاول شعبة العمليات فرضها ــ قصف بيروت رداً على إطلاق النار نحو بلدات الشمال ــ ليست واقعية. كما ذكّر بأن إيران هددت بالوقوف إلى جانب لبنان ومهاجمة إسرائيل إذا قصفت بيروت. وبذلك قد تنشأ معادلة مختلفة، مفادها أن أي هجوم إسرائيلي على بيروت سيؤدي إلى هجوم إيراني على إسرائيل.
ومن المفترض أنه خلال لعبة الحرب تلك جرى نقاش، وربما خلاف، حول احتمال أن تطلق إيران صواريخ على إسرائيل رداً على الهجوم على الضاحية الجنوبية. وقد يكون ممثل شعبة الاستخبارات قد قال إن احتمال تدخل إيران الضعيفة حالياً منخفض للغاية. وعندها يُرجح أن رئيس شعبة العمليات، بدعم من قائد سلاح الجو، أعلن أنه رغم انخفاض احتمال الرد الإيراني، فإن شعبة العمليات وسلاح الجو سيعدّان رداً هجومياً كبيراً على أي تدخل إيراني.
هل واصل رئيس قسم الرقابة عرض "العكس هو الصحيح" أيضاً تجاه هذه الخطة الخاصة بمواجهة إيران؟ لا أعلم. لكنني آمل أنه، رغم الضغوط من شعبة العمليات وشعبة الاستخبارات وسلاح الجو، وقف في مواجهتهم وطرح السؤال المعاكس قائلاً: فلنفترض أن إيران ستتحرك فعلاً ضد إسرائيل رداً على قصف بيروت، وأن سلاح الجو سيرد عليها بقوة كبيرة، فأيّاً من أهداف الحرب ضد إيران ستحققه إسرائيل بذلك؟ هل سيؤدي ذلك إلى اختفاء مخزونات اليورانيوم من أراضيها؟ هل سيقضي على قدرتها على إطلاق الصواريخ؟ هل سيسقط النظام؟
ثم أجاب: لن يؤدي ذلك إلى اختفاء مخزونات اليورانيوم، وحتى توجيه ضربة فعالة لمنصات إطلاق الصواريخ لن يشكل تحولاً استراتيجياً، فقد شهدنا بالفعل قدرات الصناعة العسكرية الإيرانية وسرعة إنتاجها في تصنيع منصات وصواريخ جديدة. كما أن هناك شكوكاً كبيرة في أن يؤدي الهجوم إلى إضعاف النظام؛ وهو نظام أصبح أكثر تشدداً في مواقفه منذ اغتيال خامنئي. وفي المقابل، سنُجر إلى حرب أخرى ضد إيران (بافتراض أن ترامب لن يوقفنا)، حرب لن تحقق هذه الأهداف، لكنها ستخلق معادلة معاكسة: هجوم إسرائيلي على بيروت سيُقابل بهجوم إيراني على إسرائيل.
لا أعلم إن كانت لعبة حرب كهذه قد أُجريت أصلاً عشية الهجوم على الضاحية الجنوبية، وآمل أنها أُجريت. وإذا كانت قد أُجريت، فلا أعلم ما إذا كانت النقاشات التي دارت فيها تشبه ما وصفته هنا. كما لا أعلم ما إذا كانت الدروس المستخلصة من حرب يوم الغفران ومن كارثة السابع من أكتوبر قد استُوعبت فعلاً، وما إذا كان قسم الرقابة في شعبة الاستخبارات قد أُعيد إحياؤه. وآمل أن تكون كل هذه الأمور قد تحققت بدرجة ما، وأن تكون الآراء والأفكار المختلفة قد طُرحت بحرية خلال النقاش.
لكن ما أعرفه هو أن رئيس الأركان صادق على الهجوم على الضاحية، وكذلك فعل المستوى السياسي. وأعرف أن إيران فتحت النار كما وعدت، وأعرف أن الرئيس ترامب أوقف الطرفين. وأعرف أيضاً أن معادلة جديدة قد نشأت: إطلاق النار الإسرائيلي نحو بيروت سيُقابل بإطلاق نار إيراني على إسرائيل. كما أفهم أن إسرائيل لم تحقق شيئاً نتيجة الهجوم على الضاحية الجنوبية والجولة القصيرة مع إيران. فقد خرجت إيران أقوى، ورسخت علاقتها بحلفائها ووكلائها، وعاد الرئيس ترامب ليوقف نتنياهو مرة أخرى، ونشأت معادلة جديدة ليست في مصلحة إسرائيل.
المصدر: هآرتس
الكاتب: غرفة التحرير