الثلاثاء 16 حزيران , 2026 04:30

حين تبدأ القوى الكبرى بإعادة تعريف وظيفة سوريا

سوريا وأحمد الشرع

في شرق المتوسط، لا تكشف التحولات الكبرى عن نفسها عبر البيانات الرسمية بقدر ما تظهر في الأسئلة التي تبدأ القوى الكبرى بطرحها. ومن هذه الزاوية تحديداً، قد لا تكون أهمية الجدل الدائر حول احتمال اضطلاع سوريا بدور في لبنان مرتبطة بإمكانية حدوثه فعلاً، خصوصاً بعد النفي الواضح للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، بقدر ما تكمن في حقيقة أن مثل هذا السيناريو أصبح جزءاً من النقاش السياسي والاستراتيجي في واشنطن وعواصم أخرى.

فالسؤال المطروح اليوم لم يعد يتعلق فقط بلبنان أو بحزب الله أو حتى بالحدود السورية اللبنانية. السؤال الأعمق هو ما إذا كانت المنطقة تشهد محاولة لإعادة تعريف وظيفة الدولة السورية نفسها بعد سنوات الحرب الطويلة، وما إذا كانت دمشق ما زالت تمتلك القدرة الكاملة على رسم دورها بنفسها، أم أن قوى إقليمية ودولية بدأت ترسم لها هذا الدور مسبقاً.

على مدى أكثر من عقد، كانت سوريا ساحة تتصارع فوقها المشاريع الإقليمية والدولية. تحولت أراضيها إلى نقطة تقاطع لمصالح متناقضة، وتداخلت فيها حسابات الأمن والحدود والطاقة والنفوذ. لكن ما يجري اليوم يوحي بأن بعض القوى لم تعد تنظر إلى سوريا باعتبارها مجرد ساحة للصراع، بل باعتبارها أداة محتملة في إدارة توازنات ما بعد الصراع.

وهنا تكمن الدلالة الحقيقية للحديث المتكرر عن دور سوري محتمل في لبنان.

فالولايات المتحدة لا تبدو معنية بإعادة إنتاج التجربة السورية القديمة في لبنان، كما أن الظروف الإقليمية التي سمحت بذلك لم تعد قائمة أصلاً. لكن مجرد التفكير في إمكانية إسناد وظيفة مرتبطة بأمن الحدود أو بتقييد حركة النفوذ الإيراني عبر الجغرافيا السورية يكشف أن دمشق أصبحت جزءاً من تصورات أوسع تتعلق بإعادة هندسة المشرق بعد سنوات من الحروب.

في هذا السياق، تبدو سوريا وكأنها تقف أمام معادلة معقدة. فمن جهة، تحاول الدولة الجديدة تثبيت شرعيتها الداخلية وإعادة بناء مؤسساتها ومعالجة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية الهائلة. ومن جهة أخرى، تجد نفسها أمام بيئة إقليمية ودولية تتعامل معها باعتبارها قطعة أساسية في ترتيبات أمنية وسياسية أكبر من حدودها الوطنية.

وهذا ما يمنح النقاش الحالي أهمية استثنائية.

فالقضية لا تتعلق فعلياً بإرسال قوات إلى الحدود مع البقاع أو بإغلاق معبر حدودي أو بتغيير موازين القوى في منطقة محددة. القضية تتعلق بمكانة سوريا نفسها داخل النظام الإقليمي الذي يتشكل بعد الحرب. فحين تبدأ قوى دولية بالتفكير في دور يمكن أن تؤديه دمشق خارج حدودها، فإن ذلك يعني أن سوريا انتقلت من مرحلة كونها موضوعاً للأزمة إلى مرحلة أصبحت فيها جزءاً من النقاش حول إدارة نتائج تلك الأزمة.

لكن هذه الصورة تحمل جانباً آخر أكثر تعقيداً.

فالكثير من النقاشات المتداولة تفترض أن دمشق تملك هامشاً واسعاً من القرار يسمح لها باختيار أدوارها الإقليمية المقبلة بحرية كاملة. إلا أن الواقع يبدو أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فسوريا الخارجة من حرب مدمرة ما زالت تواجه تحديات اقتصادية هائلة، وما زالت تعتمد بدرجات متفاوتة على شبكة واسعة من التفاهمات والعلاقات الخارجية. وهذا يعني أن قدرتها على رفض أو قبول الأدوار المطروحة عليها لا تنفصل عن طبيعة الضغوط والمصالح التي تحيط بها.

بمعنى آخر، لا يبدو أن النقاش الدائر اليوم يتعلق فقط بما إذا كانت دمشق تريد لعب دور جديد في المشرق، بل بما إذا كانت القوى الكبرى بدأت تحدد مسبقاً الوظيفة التي تريد لسوريا أن تؤديها داخل النظام الإقليمي الجديد.

وهنا يبرز البعد الأكثر حساسية في القضية.

فعلى امتداد العقود الماضية، كان موقع سوريا الجغرافي يمنحها أهمية استثنائية في معادلات الشرق الأوسط. فهي تقع عند تقاطع طرق تربط الخليج بشرق المتوسط، والعراق بلبنان، وتركيا بالأردن وفلسطين. ولهذا لم تكن أهمية سوريا نابعة فقط من حجمها أو قدراتها، بل من موقعها داخل شبكة الحركة الإقليمية نفسها.

واليوم، ومع إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة، عادت هذه الجغرافيا لتكتسب أهمية مضاعفة.

فالحدود السورية اللبنانية لم تعد مجرد حدود بين دولتين متجاورتين. إنها إحدى العقد التي تتقاطع عندها حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وتركيا والدول العربية معاً. ومن يملك القدرة على التأثير في هذه العقدة يمتلك جزءاً مهماً من القدرة على التأثير في توازنات المشرق بأكمله.

لهذا السبب، لا يمكن فصل الحديث عن لبنان عن التحولات التي تشهدها سوريا، كما لا يمكن فصل النقاش حول سوريا عن عملية إعادة ترتيب النظام الإقليمي الجارية حالياً. فالمسألة تتجاوز بكثير أي سيناريو أمني محدود، لتصبح جزءاً من صراع أوسع على شكل التوازنات المقبلة وحدود النفوذ ومواقع الدول داخلها.

لكن اللافت أن تصريحات الرئيس أحمد الشرع جاءت في الاتجاه المعاكس تقريباً لهذا التصور. فبدلاً من الحديث عن أدوار إقليمية جديدة أو ترتيبات أمنية عابرة للحدود، أعاد التركيز على أولويات الدولة السورية نفسها؛ وقف الحرب، معالجة ملف النازحين، وإعادة الاستقرار. وبين السطور، حمل هذا الموقف رسالة واضحة مفادها أن دمشق لا تريد أن تتحول مجدداً إلى منصة لتصفية الحسابات الإقليمية.

غير أن المشكلة تكمن في أن رغبات الدول ليست دائماً العامل الوحيد الذي يحدد أدوارها.

ففي لحظات التحول الكبرى، كثيراً ما تجد الدول الخارجة من الأزمات نفسها أمام ترتيبات تُصاغ خارج حدودها قبل أن تُعرض عليها. والتاريخ الإقليمي مليء بأمثلة لدول انتقلت من موقع الفاعل إلى موقع الموضوع داخل مشاريع إعادة تشكيل النفوذ.

ومن هنا، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت سوريا ستدخل لبنان أو لا. فهذه مسألة تكتيكية قد تتغير بتغير الظروف. السؤال الأهم هو ما إذا كانت دمشق نجحت فعلاً في استعادة القدرة على تعريف دورها بنفسها، أم أنها ما زالت في مرحلة يحاول فيها الآخرون تحديد هذا الدور نيابة عنها.

وهذا ربما هو أحد أكثر الأسئلة أهمية في المشرق اليوم. لأن مستقبل سوريا لن يتحدد فقط بقدرتها على إعادة بناء الدولة في الداخل، بل أيضاً بقدرتها على منع الآخرين من تحويلها إلى أداة داخل مشاريعهم الإقليمية.

فالدول لا تستعيد سيادتها الكاملة عندما تتوقف الحروب على أراضيها فقط، بل عندما تصبح قادرة على اختيار موقعها في النظام الإقليمي بنفسها. أما حين يبدأ الآخرون بتحديد الوظائف التي ينبغي لها أن تؤديها، فإن الصراع يكون قد انتقل من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على القرار. وفي الشرق الأوسط، غالباً ما يكون هذا النوع من الصراعات أكثر عمقاً وأطول عمراً من الحروب نفسها.


الكاتب: خليل القاضي




روزنامة المحور