في كثير من الأحيان لا تكشف الحروب نتائجها الحقيقية لحظة توقف إطلاق النار، بل لحظة بدء التفاوض. هناك فقط تظهر الحدود الفعلية للقوة، وتتضح المسافة بين الأهداف التي رفعتها الدول عند بداية المعركة وبين الوقائع التي تجد نفسها مضطرة للتعايش معها عند نهايتها.
من هذه الزاوية، تبدو التطورات الأخيرة المرتبطة بمذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية أكثر أهمية من الحرب نفسها. فبعد أشهر من المواجهة التي قُدمت باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، تجد واشنطن نفسها تدفع نحو تسوية مؤقتة، فيما تبدو "إسرائيل" أكثر قلقاً من نتائج السلام مما كانت عليه خلال مراحل واسعة من الحرب.
السبب لا يتعلق فقط ببنود الاتفاق المتداولة، بل بما يكشفه الاتفاق عن حدود القوة العسكرية في إعادة صياغة النظام الإقليمي.
فعندما بدأت المواجهة، كانت الأهداف المعلنة كبيرة وواضحة: تحجيم البرنامج النووي الإيراني، إضعاف القدرات الصاروخية، تقليص النفوذ الإقليمي لطهران، وفرض معادلة ردع جديدة تجعل إيران أكثر انكفاءً داخل حدودها الوطنية. لكن ما يتكشف تدريجياً من تفاصيل التفاهمات يشير إلى واقع مختلف تماماً.
فالبرنامج الصاروخي الإيراني يبدو خارج إطار التفاوض، والعلاقات الإيرانية مع حلفائها الإقليميين ليست مطروحة على الطاولة، والملف النووي نفسه أُرجئ إلى مفاوضات لاحقة، فيما تتحدث التسريبات عن تخفيف للعقوبات وإفراج عن أموال مجمدة وإعادة فتح المسارات الاقتصادية والبحرية التي كانت في صلب أدوات الضغط على طهران.
بعبارة أخرى، انتهت الحرب قبل أن تحقق الأهداف التي قيل إن الحرب شُنت من أجلها.
لكن المسألة الأهم لا تتعلق بإيران وحدها، بل بالولايات المتحدة أيضاً.
فالسياسة الأمريكية خلال العقود الماضية قامت على فرضية أساسية مفادها أن القوة العسكرية يمكن أن تُستخدم لإعادة تشكيل سلوك الخصوم وفرض ترتيبات سياسية جديدة. غير أن ما جرى خلال هذه الحرب يعكس معضلة أكثر تعقيداً. فواشنطن التي دخلت المواجهة وهي تتحدث عن تغيير قواعد اللعبة، خرجت منها وهي تبحث عن آلية لإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة واحتواء التداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب على الداخل الأمريكي.
وهذا ليس تفصيلاً هامشياً.
فالولايات المتحدة لم تتحرك نحو التسوية لأن أهدافها تحققت بالكامل، بل لأن كلفة استمرار الحرب أصبحت أكبر من العائد المتوقع منها. وهذه واحدة من أهم الإشارات الاستراتيجية التي خرجت بها المنطقة من هذه الأزمة.
أما إيران، فرغم الخسائر العسكرية والاقتصادية الكبيرة التي تعرضت لها، فقد نجحت في تثبيت حقيقة أخرى لا تقل أهمية. إذ أثبتت أن استهدافها لا يلغي قدرتها على التأثير في البيئة الإقليمية، وأن أدوات القوة التي تمتلكها ما زالت كافية لتحويل أي مواجهة واسعة إلى أزمة تمس الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والملاحة الدولية.
لهذا السبب لا يمكن النظر إلى مسألة مضيق هرمز باعتبارها مجرد تفصيل تقني في المفاوضات.
فالحرب الأخيرة أظهرت أن السيطرة على تدفقات الطاقة أصبحت جزءاً من معادلة الردع نفسها. وما يثير القلق في العواصم الغربية ليس فقط حجم القوة العسكرية الإيرانية، بل حقيقة أن طهران نجحت في تذكير العالم بأن الجغرافيا ما زالت تملك القدرة على تعطيل الاستراتيجيات الكبرى مهما بلغ حجم التفوق العسكري للطرف المقابل.
والأهم أن الحرب كشفت تحولاً أعمق يجري في بنية الشرق الأوسط. فالصراعات الكبرى في المنطقة لم تعد تدور فقط حول السيطرة على الأرض أو إسقاط الأنظمة أو رسم الحدود، بل أصبحت تدور بصورة متزايدة حول التحكم بالتدفقات؛ تدفقات الطاقة، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة العالمية. وهذا التحول يغير طبيعة القوة نفسها. فالدولة التي تستطيع التأثير في تدفق الموارد لا تحتاج بالضرورة إلى تحقيق انتصار عسكري كامل كي تفرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاهله.
من هنا تبدو أهمية مضيق هرمز أكبر بكثير من كونه ممراً بحرياً. فالمضيق تحول خلال الأزمة إلى عنوان لصراع أوسع حول من يمتلك القدرة على التأثير في حركة الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن مجرد تحول إدارة هذا الممر أو ترتيباته إلى بند تفاوضي يكشف أن الجغرافيا السياسية للمنطقة ما زالت تمنح إيران أوراق قوة لا يمكن تجاوزها بسهولة.
هنا تحديداً يمكن فهم اللهجة الإسرائيلية المتصاعدة في الأيام الأخيرة.
فالتصريحات الصادرة عن بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي لا تعكس فقط تمسكاً بمواقع عسكرية في لبنان وسوريا وغزة، بل تعكس أيضاً خشية من لحظة سياسية جديدة بدأت تتشكل في المنطقة.
"إسرائيل" تدرك أن أخطر ما يمكن أن تنتجه التسوية الحالية ليس وقف الحرب، بل إعادة دمج إيران تدريجياً في المعادلات الإقليمية والدولية من موقع الطرف الذي صمد ولم ينهَر.
ولهذا تبدو ردود الفعل الإسرائيلية أقرب إلى محاولة منع تثبيت نتائج سياسية للحرب أكثر من كونها احتفالاً بنتائجها العسكرية.
الأكثر دلالة أن الانتقادات الإسرائيلية الداخلية للاتفاق لم تصدر فقط عن خصوم إيران، بل عن شخصيات عسكرية وسياسية رأت أن التفاهم الجديد أبقى البنية الأساسية للقوة الإيرانية قائمة. وهذا بحد ذاته يكشف أن المسألة تتجاوز الخلافات الحزبية داخل "إسرائيل" لتلامس سؤالاً أعمق يتعلق بمكانة "إسرائيل" نفسها في مرحلة ما بعد الحرب.\
فإذا كانت تل أبيب قد نجحت في إظهار قدرتها على الوصول إلى أهداف بعيدة وضرب بنى عسكرية حساسة، فإنها لم تنجح في فرض البيئة السياسية التي كانت تريد أن تخرج من الحرب وهي قائمة.
وهنا يكمن جوهر الأزمة.
إذ إن الحروب لا تُقاس فقط بحجم الدمار الذي تُحدثه، بل بقدرتها على إنتاج نظام سياسي جديد أكثر ملاءمة لمصالح الطرف المنتصر. وحتى الآن لا توجد مؤشرات واضحة على أن الشرق الأوسط يتجه نحو نظام إقليمي أكثر انسجاماً مع الرؤية الإسرائيلية مما كان عليه قبل الحرب.
بل ربما العكس هو الصحيح.
فالمنطقة تبدو اليوم أمام واقع جديد يتمثل في وجود إيران أضعف عسكرياً لكنها أكثر حضوراً في أي ترتيبات مستقبلية، ووجود إسرائيل أقوى عسكرياً لكنها أكثر قلقاً من مآلات التسويات السياسية.
كما أن دول الخليج نفسها تجد نفسها أمام معادلة مختلفة عما كان سائداً في العقود السابقة. فالأولوية لم تعد تقتصر على الحماية من التهديدات العسكرية المباشرة، بل أصبحت مرتبطة بضمان استقرار الممرات الاقتصادية وشبكات الطاقة التي تقوم عليها خطط التحول الاقتصادي الكبرى. ولهذا فإن أي نظام أمني جديد في المنطقة لن يُبنى فقط على موازين السلاح، بل على القدرة على حماية تدفقات التجارة والطاقة ومنع تعطيلها.
ومن هنا تكتسب التهديدات الإسرائيلية تجاه لبنان وإيران أهمية خاصة.
فهي ليست مجرد رسائل ردع، بل تعبير عن إدراك متزايد داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن أي خطأ في الحسابات قد يفتح الباب أمام مواجهة جديدة في توقيت مختلف تماماً عن توقيت الحرب السابقة. والأهم أن مثل هذه المواجهة لن تجري في ظل الحماس الأمريكي نفسه الذي رافق المراحل الأولى من الأزمة.
فالولايات المتحدة تبدو اليوم أقرب إلى منطق إدارة الصراع ومنع توسعه منها إلى منطق الاستثمار في حرب جديدة مفتوحة. كما أن أي مغامرة إسرائيلية جديدة قد لا تواجه فقط ردود فعل إيرانية، بل قد تصطدم بحسابات أمريكية وخليجية ودولية ترى أن استقرار الممرات الاستراتيجية أصبح أولوية تفوق الرغبة في خوض جولات استنزاف إضافية.
وهذا ما يجعل أي اندفاعة إسرائيلية منفردة أكثر كلفة من السابق.
لا لأن إيران خرجت منتصرة بالمعنى التقليدي للكلمة، بل لأن الحرب نفسها كشفت حدود القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى هيمنة سياسية دائمة. وهي معادلة لطالما شكلت أحد أكثر التحديات تعقيداً في تاريخ الشرق الأوسط.
لذلك فإن السؤال الحقيقي بعد هذه الحرب ليس ما إذا كانت إيران أو "إسرائيل" قد ربحتا الجولة الأخيرة، بل ما إذا كانت المنطقة دخلت مرحلة جديدة أصبح فيها الصراع يدور على التحكم بالتدفقات والممرات والاقتصادات بقدر ما يدور على الجيوش والصواريخ.
وإذا كان ثمة درس استراتيجي يمكن استخلاصه من كل ما جرى، فهو أن "إسرائيل" نجحت في إظهار قدرتها على الضرب، وإيران نجحت في إظهار قدرتها على البقاء، أما الولايات المتحدة فاكتشفت مجدداً أن إنهاء الحروب أسهل كثيراً من تحويل نتائجها إلى نظام إقليمي مستقر. وفي الشرق الأوسط الجديد، حيث أصبحت الجغرافيا الاقتصادية جزءاً من معادلات الردع، قد تكون القدرة على البقاء والتحكم بالتدفقات أكثر تأثيراً في رسم التوازنات من القدرة على توجيه الضربات وحدها.
الكاتب: خليل القاضي