الأربعاء 17 حزيران , 2026 05:16

المقاومة العراقية وحصر السلاح: أولوية إنهاء الوجود الأمريكي قبل أي نقاش آخر

المقاومة العراقية

تتجدد بين الحين والآخر في العراق، الدعوات إلى "حصر السلاح بيد الدولة"، وهي دعوات ليست جديدة في جوهرها، بل تعود إلى الواجهة للمرة الثالثة خلال أقل من عقد، بعد محاولات مماثلة طُرحت في عامي 2017 و2019. ومع كل جولة من هذه الجولات، يتكرر المشهد ذاته تقريباً: ضغوط أمريكية مباشرة أو غير مباشرة (خاصةً عبر الابتزاز المالي)، حملات إعلامية واسعة، ومحاولات لربط مستقبل العلاقات العراقية الأمريكية ومستوى الدعم الاقتصادي والسياسي للحكومة العراقية، بمدى استجابتها لشروط تتعلق بسلاح فصائل المقاومة ودورها السياسي والأمني.

إلا أن القوى الأساسية والفاعلة في المقاومة الإسلامية العراقية، وفي مقدمتها كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وسرايا أولياء الدم، ما زالت تتمسك بالموقف ذاته الذي أعلنته مراراً خلال الأعوام والأشهر الماضية، والقائم على رفض أي مشروع لنزع سلاحها أو حصره قبل استكمال الشروط الوطنية والسيادية التي تبرر وجود هذا السلاح من الأساس. فقوى المقاومة العراقية ترى أن النقاش حول السلاح لا يمكن أن يكون معزولاً عن قضية الوجود العسكري الأمريكي المستمر بأشكال مختلفة داخل العراق، ولا عن واقع الانتهاكات المتكررة للسيادة العراقية، ولا عن التهديدات الخارجية التي ما زالت تستهدف البلاد والمنطقة.

وتنطلق فصائل المقاومة من معادلة تعتبرها بديهية ومنطقية، مفادها أن السلاح الذي نشأ في إطار مواجهة الاحتلال والإرهاب لا يمكن أن يُناقش مستقبله قبل زوال الأسباب التي أدت إلى وجوده. لذلك تؤكد هذه القوى أن أي حديث عن "حصر السلاح" قبل الإجلاء الكامل للقوات الأمريكية من العراق (المفروض تحقيقه في أيلول/سبتمتبر من هذا العام دون أي محاولة للخداع والتضليل تحت عناوين مختلفة مثل دور استشاري وتدريبي)، واستعادة الدولة العراقية لسيادتها الكاملة على أرضها وأجوائها وقرارها السياسي، هو حديث يفتقر إلى الأساس الواقعي والوطني.

وتزداد هذه القناعة رسوخاً في ظل ما شهدته المنطقة خلال العدوان الصهيوني الأمريكي الأخير على الجمهورية الإسلامية في إيران، حيث برزت مجدداً مسألة استخدام الأجواء والأراضي العراقية كجزء من البيئة العملياتية التي استفادت منها أمريكا والكيان المؤقت في إدارة المواجهة. فبالنسبة إلى قوى المقاومة التي خاضت بزخم العمليات المؤثرة لصد العدوان، فإن مجرد قدرة أي طرف أجنبي على استغلال المجال الجوي العراقي أو توظيف الجغرافيا العراقية مثل إقامة قواعد إسرائيلية سرية، لشن عمليات عدائية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران (الدولة الصديقة والجارة)، يشكل دليلاً إضافياً على أن السيادة العراقية ما زالت منقوصة، وأن الحديث عن نزع سلاح القوى التي تعتبر نفسها جزءاً من منظومة الدفاع الوطني سابق لأوانه.

ومن هذا المنطلق، ترى هذه الفصائل أن الأولوية الوطنية يجب أن تتركز على إنهاء كل أشكال الوجود العسكري الأمريكي، سواء كان تحت عنوان "التحالف الدولي" أو "المستشارين العسكريين" أو أي مسمى آخر. فالاتفاق المبرم بين بغداد وواشنطن عام 2024 نص قانونياً على إنهاء مهمة التحالف الدولي بحلول أيلول/سبتمبر 2026، إلا أن التصريحات الأمريكية المتلاحقة تتحدث عن "إعادة تموضع" و"تغيير البصمة العسكرية" و"الانتقال إلى شراكة أمنية طويلة الأمد"، تعتبره قوى المقاومة محاولة للالتفاف على جوهر الاتفاق وإبقاء النفوذ العسكري الأمريكي داخل العراق بصورة جديدة.

كما تنظر هذه القوى بقلق إلى الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سواء من خلال التهديد بالعقوبات أو عبر ربط ملفات مالية واقتصادية حساسة بشروط سياسية وأمنية، من بينها حصر السلاح بيد الدولة، وفك الارتباط مع إيران، وتقليص الحضور السياسي للفصائل. وترى أن هذه الشروط لا تعكس حرصاً على بناء الدولة العراقية بقدر ما تمثل تدخلاً مباشراً في الشؤون الداخلية ومحاولة لفرض إرادة خارجية على القرار الوطني العراقي.

وفي المقابل، تؤكد فصائل المقاومة أنها لا تنظر إلى نفسها باعتبارها في مواجهة مع الدولة العراقية أو مؤسساتها الرسمية، بل تعتبر أن هدفها المعلن هو دعم قوة الدولة وحماية سيادتها. ولذلك تميز هذه الفصائل بين الدولة العراقية من جهة، وبين الضغوط والإملاءات الخارجية التي تحاول التأثير في قراراتها من جهة أخرى. كما تؤكد أن سلاحها لم يُستخدم في الصراعات الداخلية العراقية، ولم يتحول إلى أداة تهدد المجتمع أو الأمن الأهلي، بل ارتبط بمواجهة الاحتلال الأمريكي والتنظيمات الإرهابية التي ضربت العراق خلال السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، تطرح قوى المقاومة سؤالاً أساسياً يتعلق بطبيعة البديل المطروح. فإذا كان المطلوب حصر السلاح بيد الدولة، فهل تمتلك الدولة العراقية اليوم القدرات العسكرية الكاملة التي تمكنها من حماية البلاد من أي عدوان خارجي محتمل؟ وهل تملك القوات المسلحة العراقية وسائر التشكيلات الأمنية، منظومات الدفاع الجوي والأسلحة الاستراتيجية والتجهيزات المتطورة القادرة على ردع أي اعتداء أمريكي أو إسرائيلي؟

بالنسبة إلى هذه القوى، فإن الإجابة عن هذا السؤال تشكل جزءاً أساسياً من النقاش. فاستعادة السيادة لا تعني فقط خروج القوات الأجنبية، بل تعني أيضاً امتلاك العراق لقدرات دفاعية حقيقية تؤمن استقلال قراره وتحمي أجواءه وحدوده ومنشآته الحيوية. وعليه، فإن أي مسار مستقبلي لمعالجة ملف السلاح يجب أن يترافق مع بناء قوة عسكرية وطنية متكاملة تمتلك الوسائل الكفيلة بالدفاع عن البلاد في مواجهة مختلف التهديدات.

ومن هنا، فإن مشروع "حصر السلاح" لا يبدو قابلاً للتحقق عبر الضغوط الأمريكية أو التهديدات الاقتصادية أو الحملات الإعلامية، بل يحتاج إلى ظروف سياسية ووطنية مختلفة تماماً. فالمسألة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من العراقيين لا تتعلق بالسلاح بحد ذاته، وإنما بالسيادة والاستقلال والقدرة على حماية البلاد من التدخلات الخارجية.

وعليه، فإن أي معالجة جدية لهذا الملف لا تتم إلا من خلال حوار عراقي داخلي شامل، تشارك فيه مختلف القوى السياسية والاجتماعية والوطنية، بعيداً عن الإملاءات الخارجية والابتزاز السياسي. حوار ينطلق من مصلحة العراق أولاً، ويحدد بصورة مستقلة شكل المنظومة الأمنية والدفاعية التي يحتاجها البلد، ويضمن حق العراقيين وحدهم في تقرير شؤونهم ومستقبلهم.

أما قبل تحقيق الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية، واستعادة السيادة الكاملة على الأرض والجو والقرار، وتأمين القدرات العسكرية اللازمة لحماية البلاد من أي عدوان خارجي، فإن القوى الرئيسية في المقاومة العراقية ستبقى متمسكة بحقها وموقفها الرافض للانخراط في برنامج "حصر السلاح". فالتخلي عن هذا السلاح في ظل استمرار الضغوط والتدخلات والأطماع الأمريكية، لا ينسجم مع مقتضيات العقل والمنطق، بل يتعارض مع الهدف الذي تشكلت من أجله هذه القوى منذ البداية، والمتمثل في الدفاع عن العراق وصون سيادته واستقلاله.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور