الخميس 18 حزيران , 2026 11:59

هل تُنقذ السلطة اللبنانية مصير نتنياهو؟

بنيامين نتنياهو وحبل النجاة اللبناني!

في لحظة فارقة من لحظات إعادة تشكيل النظام الإقليمي، وعلى وقع تحولات جيوسياسية تاريخية تُعيد رسم خرائط النفوذ والهيمنة في منطقة غرب اسيا، يبدو المشهد السياسي اليوم أشبه بلوحة شطرنج متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى مع حسابات البقاء السياسي الضيقة. وفي خضم هذا المشهد المعقّد، يواجه بنيامين نتنياهو أزمة وجودية تجعله كمن يبحث بيأس عن طوق نجاة قبل أن يبتلعه التيار. وفي هذا السياق، تبدو السلطة اللبنانية وكأنها تمدّ له هذا الطوق، سواء عن قصد أو من دون قصد.

الاتفاق الأمريكي-الإيراني: انهيار المقاربة الإلغائية

لم يكن الاتفاق الأمريكي-الإيراني الذي أُبرم في أعقاب مرحلة مواجهة عسكرية واستنزاف متبادل، مجرد تسوية تقنية للملف النووي، بل كان في جوهره إعلاناً صريحاً بإفلاس المقاربة الإلغائية التي راهنت على إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية أو تركيعها عبر الضغط العسكري المتصاعد والحصار الاقتصادي الخانق. فقد خاضت إسرائيل وأمريكا حرباً بالوكالة وبالتدخل المباشر، ظنّتا فيها أنهما تمسكان بزمام المبادرة، فإذا بالنتيجة تكشف عن معادلة مغايرة تماماً: خرجت الجمهورية الإسلامية ومحور حلفائها الإقليميين من هذه المرحلة بمكانة تفاوضية أعلى مما دخلت به، ورصيد سياسي وإقليمي متعزز، فيما وجدت إسرائيل نفسها أمام معادلة ردع جديدة لم تستطع تجاوزها أو تفكيكها.

وجاء الرد الإسرائيلي على هذا الاتفاق عاصفاً وكاشفاً في آنٍ معاً. وصفه وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش بأنه "استسلام تاريخي لا تغتفره الأجيال"، فيما ذهب إيتمار بن غفير إلى تصنيفه "كارثةً وجودية تُهدد أمن إسرائيل القومي في صميمه". أما المؤسسة الأمنية والاستخباراتية، فقد أبدت قلقاً عميقاً من أن الاتفاق يُرسّخ ضمنياً شرعية البرنامج النووي الإيراني، ويُقوّض عقيدة الغموض الاستراتيجي التي طالما استندت إليها إسرائيل. وفي محاولة يائسة لاستعادة المبادرة المعنوية والسياسية، سارع نتنياهو إلى إصدار وثيقة مرئية مطوّلة ذكر فيها ما وصفه بـ"إنجازاته التاريخية" في مواجهة أعداء إسرائيل منذ السابع من اكتوبر، غير أن هذه الوثيقة لم تُفلح في ردم الفجوة بين الخطاب والواقع، وبدت في أعين المراقبين أقرب إلى مذكرة دفاعية منها إلى سجل انتصار.

نتنياهو في المنطقة الرمادية: بين طهران وواشنطن

ويقع نتنياهو اليوم في منطقة رمادية بالغة الخطورة والتعقيد. فمن جهة، أُرغم عملياً على استيعاب حجم الاتفاق الأمريكي-الإيراني ومآلاته، وهو ما يعني تقييد هامش مناورته ضد طهران وتعديل قواعد الاشتباك الإقليمية بما لا يصب في مصلحته. ومن جهة أخرى، يرفض الانصياع الكامل لمنطق الإملاءات الأمريكية في ما يخص الملف اللبناني، لأن ذلك سيُجرّده من آخر أوراق القوة التي يحتفظ بها أمام قاعدته الانتخابية المتشددة ومكوّنات ائتلافه الحكومي الهش.

هذا الواقع يضعه أمام معضلة وجودية حقيقية: القبول بشروط الاتفاق الإيراني-الأمريكي في غياب مكاسب تعويضية في الجبهة اللبنانية، سيُفقده مصداقيته أمام المتشددين داخل إسرائيل، ويُعجّل في انهيار حكومته، وربما يُسقطه في السباق الانتخابي القادم. لذلك، فإن الملف اللبناني لم يعد بالنسبة إليه مجرد ورقة تكتيكية في لعبة جيوسياسية أشمل، بل تحوّل إلى رهان بقاء شخصي وسياسي لا بديل عنه.

المفاوضات مع لبنان: الخلاص من الفخ الإيراني

هنا تكمن النقلة الاستراتيجية الجوهرية في المشهد الراهن. فبعد أن كان نتنياهو يتعامل مع المفاوضات اللبنانية المباشرة بفتور واضح وانعدام حافزية حقيقية، بات اليوم يُسابق الزمن لإنجازها والتوقيع عليها. والسبب في هذا التحوّل المفاجئ ليس اكتشافاً مفاجئاً لقيمة لبنان الاستراتيجية، بل هو حسابات بارده: الاتفاق مع الدولة اللبنانية يُتيح له انتزاع ما عجز الاتفاق الإيراني-الأمريكي عن منحه، أي تكريس الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، وضمان حرية الحركة الجوية والبرية والاستخباراتية، والضغط الممنهج والمنظّم لنزع سلاح حزب الله عبر آليات دولية ولبنانية تمنحه غطاءً شرعياً لا يستطيع انتزاعه بالقوة المجردة.

وقد وجدت هذه المقاربة الإسرائيلية صدىً في واشنطن، إذ تتبنّى إدارة ترامب رعاية هذا المسار وتدفع نحو إتمامه، في حين تبدي كل من الدول الاوروبية والدول الخليجية ترحيباً ضمنياً يرى في فصل مسار لبنان عن المفاوضات الاقليمية ركيزة للحفاظ على مصالحهم. وبذلك يجد نتنياهو نفسه أمام فرصة ذهبية نادرة: اتفاق تحت رعاية أمريكية يستطيع من خلاله تقديم نفسه بوصفه صانع سلام استراتيجي، بدلاً من أن يبقى أسير صورة الرجل الذي أشعل الحرب وفشل في إنجاز أهدافها المُعلنة.

السلطة اللبنانية: شريك في مشروع الهيمنة

لا يمكن قراءة الموقف اللبناني الرسمي بمعزل عن هذا السياق الاستراتيجي الأشمل. فرغم المحاولات الحثيثة لإعادة صياغة الخطاب السياسي الرسمي وتلطيف حدة التوترات مع حزب الله والجمهورية الاسلامية الايرانية، عبر تبديل المصطلحات وتعديل اللغة الرسمية، تكشف الوقائع أن السلطة اللبنانية تنخرط فعلياً ومباشرةً في مسار تفاوضي يخدم المصالح الإسرائيلية على حساب معادلات القوة الداخلية التي أفرزتها سنوات من الصراع والمقاومة.

ثمة خيط ناظم واضح لا يمكن إخفاؤه أو التستر عليه: الاتفاق الذي يُنقذ نتنياهو سياسياً ويُعيد تأهيله دولياً، لن يمر إلا عبر توقيع لبناني يمنحه الشرعية الإقليمية والغطاء الدبلوماسي الذي يحتاجه. وبهذا المعنى، فإن السلطة اللبنانية -أدركت ذلك أم لم تُدرك، وهذا في حد ذاته سؤال جوهري- تتحوّل إلى وكيل فاعل لمشروع يُعيد إنتاج الهيمنة الإسرائيلية على لبنان بأدوات دبلوماسية وشكليات قانونية بدلاً من الدبابات والطائرات الحربية. إن تليين الشروط، وتمييع الثوابت، والانزلاق نحو التسويات المرحلية التي تُقدَّم على أنها براغماتية سياسية، هو في حقيقته تقديم خدمة مجانية لرجل يُحتضر سياسياً ويبحث عن شريان حياة.

وعليه، إن من واجه الآلة العسكرية الإسرائيلية في أعتى لحظات شراستها، ودفع ثمناً بشرياً واجتماعياً باهظاً للصمود والمواجهة، مطالَب اليوم بخوض معركة من طراز مختلف، لا تقل أهمية ولا ضراوة: معركة الموقف السياسي والخطاب الاستراتيجي الذي يمنع توظيف الدولة اللبنانية جسرَ عبور لإنقاذ مشروع بات على حافة الأفول. فالمقاومة السياسية الحقيقية تبدأ برفض منح نتنياهو ما عجز عن انتزاعه بالقوة، وبالإصرار على أن لبنان ليس ورقة في معادلات البقاء السياسي لأحد، كائناً من كان. فالتاريخ لن يرحم من يُقدّم لخصمه المهزوم سُلّم النجاة بيده، وهو يظن أنه يمارس السياسة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور