الجمعة 19 حزيران , 2026 01:57

عمليات عاشوراء: كيف حوّلت المقاومة محور علي الطاهر إلى مقبرة للمدرعات

شعار عاشوراء

منذ أن أطلقت المقاومة الإسلامية يوم الخميس 18-6-2026 اسم "عمليات عاشوراء" على جولتها العملياتية الجديدة، أبدى مجاهدوها شراسة لافتة في التصدي للعدو، تجلت آثارها في إطلاق وحدات العدو المشتبكة عشرة نداءات استغاثة في أقل من ست ساعات. واتسمت العمليات بطابع "الدفاع المرن والنشط"، حيث أظهرت المقاومة قدرة استثنائية على امتصاص الزخم الهجومي للعدو وتحويل مسارات تقدمه إلى مصائد استراتيجية، أبرزها تنفيذ كمائن مركبة استدرجت قوات النخبة والمدرعات إلى "مناطق قتل" محددة مسبقاً في محور كفرتبنيت - علي الطاهر، الأمر الذي أسفر عن تدمير فصائل مدرعة وإفشال محاولات التوغل والالتفاف. في المقابل، عكس المشهد تخبطاً هيكلياً لدى العدو الذي فقد المبادرة بالكامل على الأرض، ولجأ بعد خسائره الفادحة وعجزه عن سحب إصاباته إلى استراتيجية "الاستنزاف الناري الأعمى" عبر قصف جوي مكثف على القرى المدنية، في محاولة لتعويض إخفاقه التكتيكي، مما يؤكد احتفاظ المقاومة بالسيطرة على إيقاع المعركة.

وعلى الصعيد البري، تركز نشاط العدو على محاولة إحداث خرق في محور أرنون - كفرتبنيت - مرتفع علي الطاهر، عبر دفعه بقوات مشاة مدعومة بدبابات ميركافا في محاولات تسلل وتقدم متتالية. وتعاملت المقاومة مع هذا النشاط بتكتيك "الاستدراج والاحتواء"، فسمحت للقوات المعادية بالتقدم عبر مسارات غير مرئية حتى اكتملت في منطقة القتل، ثم أطبقت عليها ناراً متزامناً شل حركتها ودمر آلياتها. وحين حاول العدو دفع قوات إخلاء وإنقاذ تحت غطاء دخاني ومدفعي، تم استهدافها أيضاً، فانهارت القوة المهاجمة وأطلقت نداءات استغاثة متكررة قبل أن تنسحب قسراً من الميدان.

أما جواً، فشهد الغطاء الجوي للعدو كثافة عالية انقسمت إلى مرحلتين: استطلاعية بطائرات مسيّرة فوق معظم الجنوب وجبل لبنان وبيروت والبقاع، وهجومية بغارات عنيفة متتالية استهدفت العمق المدني في النبطية وحاروف وكفرصير والشرقية وغيرها، كرد فعل مباشر على الفشل البري. ومع ذلك، أثبتت المقاومة قدرتها على تحييد التفوق الجوي تكتيكياً، حيث نفذت مناوراتها البرية والهجومية بالمسيّرات الانقضاضية والصواريخ الموجهة من تحت أنظار الاستطلاع، محافظة على استمرارية قيادتها وسيطرتها دون إرباك. وفي مناورة النار، اعتمد العدو تمهيداً ناريا كثيفاً بالقصف المدفعي الفسفوري والمضيء لعزل الميدان قبل أن ينتقل إلى ضرب أهداف مدنية بحتة، في حين مارست المقاومة مبدأ "اقتصاد القوة والدقة" بتوجيه نيرانها الانتقائية نحو أهداف عالية القيمة كالمدرعات وتجمعات المشاة وقوات الإخلاء، محافظة على زخم نيرانها عبر رشقات صاروخية ثقيلة دكت نقاط التحشد حول كفرتبنيت بشكل دوري، مما منع العدو من إعادة التنظيم.

وعلى الصعيد الاستخباري، أظهر العدو عجزاً واضحاً، فرغم اعتماده المفرط على المسيّرات والقنابل المضيئة فشل في كشف الكمائن، في حين تجلى تفوق المقاومة في دقة رصدها المسبق لتحشدات العدو ليلاً ونهاراً قبل تقدمها، ومعرفتها بنواياه في الالتفاف نحو شمال مرتفع علي الطاهر، ما مكّنها من تجهيز كمينها بالوقت والسلاح المناسبين.

وعند تحليل مناورتي الطرفين، يتبين أن العدو اعتمد شكل الالتفاف والتسلل، لكن هذه المناورة فشلت فشلاً ذريعاً بسبب افتقاره لاستخبارات دقيقة على الأرض واعتماده المفرط على الغطاء الناري السطحي، فانكشفت أجنابه وارتد عنصر المفاجأة على قواته نفسها، مما أدى إلى شلل حركتها وفشل حمايتها واستدعى تدخل الطيران الحربي طارئاً لإنقاذ ما تبقى منها. في المقابل، اعتمدت المقاومة الدفاع المتحرك المقترن بتكتيكات دفاع المنطقة، فاستخدمت تضاريس المنطقة لتوفير الحماية والمفاجأة، ونسقت بين النار والحركة باحترافية، حيث ثبّتت العدو في منطقة القتل بصواريخ مضادة للدروع ثم أنزلت عليه نيران الصواريخ والمدفعية للقضاء على المشاة وقوات الإخلاء.

وتكمن المشكلة العسكرية الرئيسية للعدو في سقوط نظرية الغطاء الجوي والتمهيد الناري كضمانة لحماية القوات المتقدمة، إذ انكشفت دروعه ومشاته أمام الأسلحة المضادة للدروع والعبوات الناسفة بمجرد دخولهم التضاريس الحاكمة، كما برزت أزمة في القيادة والسيطرة التكتيكية تمثلت بالعجز عن تنفيذ عمليات إخلاء طبي آمنة. وقد عكست شهادات إعلام العدو ومحلليه هذه التحديات، من اعترافهم بتدمير آليات ومرور دبابة فوق عبوة غير عادية، إلى وصف الوضع في لبنان بأنه "خطير جداً ويكلف الكثير من الأرواح"، فضلاً عن الإشارة إلى أن تدخل سلاح الجو كان لمنع وقوع جنود في الأسر.

وتخلص التقديرات إلى أن جولة القتال في هذا المحور أثبتت سقوط عقيدة "مناورة النار السطحية" أمام صلابة دفاع المقاومة بالعمق والكمائن، وأن المقاومة حولت جغرافية كفرتبنيت وعلي الطاهر إلى مصيدة فعلية ابتلعت القوة المهاجمة وقوة إنقاذها معاً. ويُقدَّر أن يعمد جيش الاحتلال في الأيام المقبلة إلى تجنب التوغلات البرية العميقة والمناورات المعقدة في هذا المحور، مكتفياً بمحاولات تسلل موضعية محدودة، مع تعويض عجزه البري بسياسة قصف جوي مدمر يستهدف القرى والمناطق المدنية الخلفية.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور