إصرار جيش الاحتلال الإسرائيلي على محاولة احتلال كفرتبنيت وتلة علي الطاهر لا ينبع من عناد عابر، بل من ضرورة عسكرية وجغرافية صارمة، خصوصاً بعد إخفاقاته المتكررة في محاور الأودية مثل يحمر وزوطر والغندورية ووادي الحجير، وبعد أن تحول احتلاله لقلعة الشقيف إلى نصر معنوي ودعائي فارغ من المضمون العسكري الحقيقي. فقد أثبتت وديان جنوب لبنان أنها أفخاخ قاتلة للدرع الإسرائيلي، حيث تحرم طبيعتها السحيقة والضيقة الدبابات من حرية المناورة، وتجعلها هدفاً سهلاً لصواريخ الكورنيت والعبوات الناسفة والمشاة المتمركزين خفية. ولذلك، بعد أن أغلقت المقاومة أبواب هذه الأودية بالحديد والنار، اضطر العدو للبحث عن مسار بديل أقل تعقيداً، فوجد في طريق الخردلي–أرنون–كفرتبنيت بيئة جغرافية تسمح بتقدم الآليات بشكل نسبي، فكان تركيزه على هذا المحور بمثابة محاولة للتعويض العملياتي عن فشله في كل مكان آخر، لأن سقوطه هنا يعني سقوط كل تواجده شمال نهر الليطاني وانسحابه شبه المحتم من تلك المنطقة.
ويمكن فهم هذا الإصرار، حتى مع سريان وقف إطلاق النار، من خلال عدة حقائق عسكرية متكاملة. أولها أن أي جيش يعبر مانعاً مائياً طبيعياً كنهر الليطاني يحتاج، بحكم العقيدة العسكرية، إلى تأمين رأس جسر واسع ومحصن يحمي خطوط إمداده، ومحور كفرتبنيت–علي الطاهر هو بالضبط هذا العمق الحيوي؛ فإن لم يحتله العدو، تبقى قواته العابرة للنهر بظهرها للماء وخطوط إمدادها مكشوفة بالكامل لنيران المقاومة من التلال المحيطة، وهو وضع يوصف عسكرياً بأنه انتحار تكتيكي. وثانيها أن فشل العدو في التقدم من الجنوب والشرق والغرب على حد سواء حوّل تواجده شمال النهر إلى جيب ضيق ومعزول، فإذا بقي هذا الجيب دون السيطرة على سقف المنطقة وعقدتها اللوجستية، فإن القوات الإسرائيلية ستتحول إلى أهداف ثابتة لا تحتاج المقاومة لاستهدافها إلى جهد هجومي كبير، بل يكفيها استنزافها يومياً بالصواريخ والهاون والمسيّرات. وثالثها أن العدو يدرك جيداً أن بقاءه شمال النهر دون كفرتبنيت وعلي الطاهر لا يمنحه أي ورقة ضغط سياسية أو عسكرية، بل يضعه في منطقة استنزاف لجيشه لا منطقة عازلة لصالحه، وهو ما سيفرض عليه في النهاية انسحاباً مذلاً تحت النار، تماماً كما جرى في انسحاب عام 2000 من نفس المنطقة. ورابعها أن تلة علي الطاهر تمثل العين والنار في تلك الجغرافيا، فبدونها تصاب قوات العدو بعمى تكتيكي كامل، إذ لا يمكنه حماية وحداته المتناثرة دون التمركز في نقطة حاكمة توفر تغطية نارية مباشرة، وبذلك تبقى المقاومة هي المتحكمة بالتفوق الطبوغرافي وبقواعد الاشتباك.
وكلما نجحت المقاومة في تثبيت إخفاق العدو على هذا المحور عبر كمائنها واستيعابها لتوغلاته المصحوبة بتمهيد ناري كثيف، تحول كل جندي إسرائيلي يعبر النهر شمالاً إلى هدف عسكري مؤكد، فلا يبقى أمام قيادة الاحتلال سوى خيارين لا ثالث لهما: سحب جنودها سريعاً تجنباً لإبادتهم في حرب استنزاف محققة، أو تركهم لمواجهة موت محتم في جيوب معزولة لا يمكن إمدادها أو حمايتها. وهذا الإخفاق المزدوج، في الأودية وعلى الهضاب معاً، يؤسس لاندحار إسرائيلي حتمي إلى جنوب النهر، وهو الاستنتاج الذي يربط بين الأهمية الاستراتيجية للمكان والفاتورة الدموية والمادية التي يدفعها جيش الاحتلال ثمناً لها.
فالعلوم العسكرية تقيس وزن الهدف بقيمة الخسائر التي توافق القيادة على تكبدها من أجله، وتفسير هذه التضحية المحمومة بالجنود والضباط ودبابات الميركافا في هذا المحور تحديداً يعود إلى عوامل جوهرية متشابكة. فهيئة الأركان الإسرائيلية تدرك أن خياراتها شمال النهر أصبحت صفرية، إما احتلال التلة والبلدة لتأمين رأس جسر يحمي قواتها المنتشرة على الهضبة، أو الإقرار بهزيمة المناورة البرية كاملة، وهذا الإدراك يجعلها مستعدة لدفع أثمان باهظة لأن سقوط الهدف يعني ضياع الجهد العسكري كله وتحول قواتها إلى رهائن أو أهداف للرماية. ومع ضيق الوقت في ظل خرق هش لوقف إطلاق النار، يتخلى العدو عن تكتيكات التقدم البطيء ويلجأ إلى موجات هجوم تُرمى فيها الجنود والدبابات في ممرات ضيقة ومكشوفة، أملاً في أن يكسر الضغط الكمي جدار المقاومة، لكن المقاومة التي استشرفت هذا اليأس حولت هذه الممرات إلى مصائد للأفراد والعتاد عبر كمائن مركبة. ويفسر هذا أيضاً ارتفاع نسبة الخسائر بين الضباط وقادة التشكيلات، فبعد المجازر التي تعرضت لها القوات في الأودية، يرفض الجنود العاديون التقدم في الخطوط الأمامية، فيُجبر الضباط على التواجد في المقدمة لإجبارهم على الحركة، ليصبحوا بذلك الصيد الأول لنيران المقاومة وقناصتها وعبواتها. وفي السياق ذاته، يعكس إصرار العدو على الزج بالدبابات والآليات الثقيلة في مناطق ساقطة نارياً ومكشوفة أمام المسيّرات والصواريخ الموجهة حقيقة أن مشاته يرفضون التقدم دون درع فولاذي يحيطهم، فتضحي القيادة بالدبابات لإقناعهم بالتحرك حتى لو تحولت هذه الدبابات إلى توابيت متحركة. ويضاف إلى هذا كله ما يمكن تسميته غطرسة التكلفة العبثية، حيث يرى القادة الإسرائيليون أنهم خسروا الكثير للوصول إلى محيط أرنون والقلعة، فيصبح الانسحاب الآن دون إنجاز ملموس أمراً مهيناً، فيستمرون بضخ المزيد من القوات في المحرقة نفسها أملاً في إنقاذ ماء الوجه، مما يضاعف خسائرهم دون أن يحقق هدفهم.
وفي الخلاصة، تقرأ المقاومة الإسلامية عقل العدو جيداً، فهي تعرف أنه يحتاج الآن للموت في كفرتبنيت ليحيا في ما خلفها، ولذلك لم تكتفِ بالدفاع بل نصبت مقصلتها في المكان الذي يعلم العدو أنه مجبر على المرور منه، فجاء عدد خسائره الكبير ليعكس يأسه الاستراتيجي، وتحولت محاولاته الهجومية إلى مقامرة بالدم على طاولة نفدت منها كل خياراته العسكرية الناجحة.
الكاتب: غرفة التحرير