حالة غضب وخيبة أمل واسعة داخل الأوساط الإسرائيلية بعد الاتفاق الأميركي–الإيراني، حيث اعتبروا أنه منح إيران فرصة لإعادة بناء قوتها وترك "إسرائيل" وحيدة في مواجهة التهديدات. بحسب مقال نشرته صحيفة الغارديان وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
كما يعكس المقال تراجع الثقة بنتنياهو بعد فشله في تحقيق أهداف الحرب المعلنة ضد إيران، وسط تصاعد الانتقادات لأدائه السياسي والعسكري.
وفي المقابل، يكشف أن المجتمع الإسرائيلي يعيش انقسامات داخلية متزايدة، مع الكثير من الهواجس الأمنية.
النص المترجم:
في ما يُعرف بـ"إسرائيل الوسطى" تبرز مخاوف من أن تعيد إيران بناء قوتها بشكل أكبر، مع غضب خاص موجّه إلى دونالد ترامب.
في مطعم "تري براسيري" الواقع قرب شارع هرتسل في مدينة رحوفوت، كان هناك الكثير مما اتفق عليه معظم الحاضرين. قلة فقط شككت في أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمته إيران والولايات المتحدة قبل أيام كان سيئاً جداً بالنسبة "لإسرائيل".
قال آفي بيريز (55 عاماً): «لقد خاننا الرئيس ترامب». كما اعتقدوا أن "إسرائيل" أصبحت أكثر من أي وقت مضى محاطة بالمخاطر التي سيتعين عليها مواجهتها بمفردها.
وقال شاهام نوفيك (35 عاماً) وهو يطالع قائمة الطعام: «إنه أمر غريب. في يوم كنا في الملاجئ مع أطفالنا... وفي اليوم التالي يُفترض أن يعود كل شيء إلى طبيعته. لكن لم يُحل أي شيء».
وتُعتبر رحوفوت، الواقعة على بعد 12 ميلاً من تل أبيب، نموذجاً لما يسميه استطلاعو الرأي "إسرائيل الوسطى".
وقد جاء بعض الزبائن إلى المطعم هرباً من الأخبار التي كانت تهيمن عليها صباح الجمعة عناوين تتحدث عن تجدد القتال في لبنان، حيث شنت القوات الإسرائيلية موجات من الغارات الجوية أدت إلى مقتل 18 شخصاً وإصابة 33 آخرين، بعد أن قتل حزب الله أربعة جنود إسرائيليين بينهم ضابط كبير في هجوم استهدف دبابة.
ويعتقد كثير من الإسرائيليين أن الاتفاق الذي تفاوضت عليه الولايات المتحدة مع إيران يمثل خيانة لهم. وقد وصفه معلقون بأنه استسلام وإذلال «أسوأ مما كانت إسرائيل تخشاه».
وتنتشر مخاوف واسعة من أن تتمكن إيران من إعادة بناء قدراتها بصورة أقوى مما كانت عليه قبل الحرب، كما يسود القلق من أن يؤدي الاتفاق المفروض في لبنان إلى تقييد قدرة "إسرائيل" على مواجهة حزب الله الذي يُنظر إليه باعتباره تهديداً رئيسياً لشمال "إسرائيل".
وقال أودي تيني، وهو مستشار استراتيجي سياسي ومدير حملات دولية: «الإسرائيليون يعتقدون أن الحرب في لبنان حرب عادلة. كل من يعيش في إسرائيل يفهم أن إيران وحزب الله شيء واحد».
وفي بلدة المطلة الشمالية المحاذية للبنان، ساد الغضب أيضاً. وقال دانيال دورفمان، وهو صاحب. مطعم: «كان الجميع سعداء جداً بالحرب ضد إيران، لكن الاتفاق الأميركي ليس جيداً لإسرائيل... إنه خطأ كبير».
وتحدث آخرون عن «الفشل الذريع» "لإسرائيل" في تحقيق أهداف الحرب المتمثلة في تغيير النظام الإيراني، وتدمير البرنامج النووي الإيراني، والقضاء على الصواريخ الباليستية الإيرانية.
والأسوأ من ذلك أنه بعد أن بدأت "إسرائيل" الحرب «كتفاً إلى كتف» مع الولايات المتحدة، انتهى بها الأمر مهمشة من قبل واشنطن، ووصفها دونالد ترامب الأسبوع الماضي بأنها «قوة صغيرة».
وبدلاً من دعوة بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض لتقديم المشورة لترامب، تلقى رئيس الوزراء الإسرائيلي سيلاً من الانتقادات والشتائم بسبب الخسائر المدنية الناجمة عن الهجوم الإسرائيلي المستمر على لبنان، حيث قُتل أكثر من 3900 شخص.
وكتب ناداف إيال، الكاتب في صحيفة "يديعوت أحرونوت": «إن كلمتي الصدمة والحزن لا تكفيان لوصف شعور بعض دوائر المؤسسة الإسرائيلية. فالمزيد من الملح يُسكب الآن على جراحها».
ويواجه نتنياهو، البالغ من العمر 76 عاماً والخاضع للمحاكمة بتهم فساد، تحدياً صعباً يتمثل في إقناع الناخبين بأنه الوحيد القادر على الحفاظ على أمن الإسرائيليين.
وقالت البروفيسورة تمار هيرمان، المتخصصة في الرأي العام في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية: «أظهر نتنياهو قدراً من الغرور عندما حدد أهدافه بوضوح شديد. وعندما فشل في تحقيقها، نظر إليه على أنه عاجز عن الوفاء بوعودك».
وتُعد رحوفوت، مؤشراً مهماً لاتجاهات التصويت لدى الناخبين اليهود الذين يشكلون ثلاثة أرباع الهيئة الناخبة. ومن المتوقع إجراء انتخابات عامة في أكتوبر المقبل.
وقال مسؤول بارز في أحد أحزاب المعارضة الأسبوع الماضي: «الانتخابات المقبلة ستكون نقطة تحول كبرى. من الصعب المبالغة في أهمية ما سيحدث بالنسبة للبلاد».
وقد اهتزت ثقة كثيرين بنتنياهو، حتى بين مؤيديه، بسبب الإخفاقات التي سبقت هجوم حماس في أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي أدى إلى مقتل 1200 شخص واختطاف نحو 250 آخرين.
كما أدت الحرب الإسرائيلية المستمرة في غزة، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 73 ألف شخص معظمهم مدنيون، إلى زيادة عزلة "إسرائيل" دولياً. ورغم أن "إسرائيل" تسيطر الآن على 70% من غزة، فإن حماس ما زالت تدير معظم السكان البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة. كما أن الحملات العسكرية المتتالية ضد حزب الله في لبنان لم تحقق نتائج حاسمة.
ورغم الانتقادات، ما زال هناك من يدعم نتنياهو. فعندما سُئل الناخبون المترددون الأسبوع الماضي عمن يستطيع مواجهة إيران بشكل أفضل، قال 43% إنهم يفضلون ائتلافاً يقوده نتنياهو.
وقال بيريز، وهو مهندس: «نتنياهو إنسان، ولذلك يرتكب بعض الأخطاء، لكنه يعرف كيف يصلحها. يعرف ما تحتاجه إسرائيل. إنه يتحدث باسم بلاده، بينما ترامب يتحدث باسم أعماله التجارية».
ويرى محللون أن هذه المشاعر تجعل الانتخابات المقبلة شديدة التنافس. وقالت هيرمان: «أعتقد أنه يواجه مشكلة، لكنني لست متأكدة مما قد يخبئه في جعبته. إنه أشبه بهوديني في السياسة».
أما لي نوفيك (34 عاماً)، وهي طبيبة من رحوفوت، فقالت إن الإسرائيليين أصبحوا أكثر انقساماً من أي وقت مضى. وأضافت: «نتنياهو يحاول تقسيمنا وقد نجح في ذلك. هذا يحدث منذ سنوات. وفي هذه الأثناء لا أحد يهتم بالقضايا الأساسية مثل أسعار المنازل أو التضخم».
وتابعت: «أنا أصدق إيران عندما تقول إنها تريد تدمير إسرائيل. لماذا لا أصدقها؟ لكن هذه الحكومة تستغل الحرب لتمرير قوانين مثيرة للانقسام وللبقاء في السلطة».
كما أكد مسؤولون في أحزاب المعارضة أن المجتمع اليهودي في "إسرائيل" بات أكثر انقساماً من أي وقت مضى.
وقالت هيرمان أن "إسرائيل شهدت مراحل استقطاب حاد أخرى خلال العقود الماضية، مثل فترة التسعينيات". وقالت إن أغلبية الناخبين اليهود يتفقون على قضايا مثل دعم اقتصاد ليبرالي مع دولة رفاه قوية، وتبني مواقف أمنية متشددة، والإيمان "بإسرائيل" كدولة يهودية، والاعتقاد بأن حل الدولتين لم يعد واقعياً.
وعلى المدى القريب، لا يزال معظم الإسرائيليين يؤيدون الحرب في لبنان ويعارضون بشدة إعفاء المتدينين اليهود من الخدمة العسكرية.
وقالت هيرمان: «كل الحديث عن الاستقطاب قد يكون إلى حد ما نبوءة تحقق نفسها بنفسها».
وفي رحوفوت، قالت داليا بيريز (55 عاماً) إن أحداث الأسبوع الماضي علمتها أن «السلام لن يأتي أبداً». ذوأضافت: «كنت آمل نهاية الحروب، لكنني أعتقد أننا سنعيش دائماً بالسيف. لقد فهمنا الآن أنه ليس لدينا أصدقاء ولا يمكننا الثقة بأحد».
المصدر: الغارديان
الكاتب: جيسون بيرك