تمرّ العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية بمرحلة اختبار غير مسبوقة، تكشف عن تضارب متزايد في المصالح بين الطرفين، بعد أن كان جوهر التحالف لعقود يقوم على المصالح والقيم والروابط الأمنية المشتركة. فمنذ طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول 2023، بدأت ملامح هذا التحول تتبلور تدريجيًا، وبات الكيان الإسرائيلي مطالَبًا أكثر من أي وقت سابق بمراعاة الهواجس والمصالح الأمريكية، حتى لو جاء ذلك على حساب رؤيته التوسعية في المنطقة. ومع الجولة الأولى للعدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، ازداد وضوح انتقال العلاقة من "إجماع استراتيجي قائم على الهوية والقيم والدعم الحزبي العابر للانقسامات" إلى "شراكة مشروطة بالمصلحة الأمريكية"، وسط استقطاب حزبي متصاعد وتراجع الأسس الاجتماعية والسياسية التي رسّخت هذه العلاقة لعقود طويلة.
دخل ترامب جولة الحرب على إيران في 13 حزيران 2025 رغم انقسام معسكره بين دعاة الحرب ورافضي التورط، فيما رفض أكثر من نصف الجمهوريين التدخل الأمريكي، ولم تتجاوز نسبة المؤيدين للحرب بين ناخبيه 19%. ومع ذلك، تغلّبت مراكز صنع القرار المرتبطة بمصالح الحرب على أصوات القاعدة الانعزالية المطالبة بالعودة إلى مبدأ "أمريكا أولًا". وبعد فشل أهداف الجولة الأولى، عاد ترامب إلى جانب نتنياهو لشن جولة ثانية من الهجوم على إيران في شباط 2026، بعد أن حصل الأخير على ضوء أخضر في لقاء أواخر كانون الأول 2025، مستفيدًا من قوة التأثير الإسرائيلية عبر اللوبيات الصهيونية ولجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (آيباك)، التي تمارس ضغوطًا واسعة في أروقة الكونغرس وخلال الحملات الانتخابية. في المقابل، يوفر ترامب الدعم العسكري الذي لا يستطيع نتنياهو ضرب المنشآت النووية الإيرانية في نطنز وفوردو من دونه، رغم أن واشنطن احتفظت لنفسها بأصول استراتيجية حساسة، كطائرات B-52 والقاذفة "بي-2 سبيريت"، ولم تزود الكيان بها، في إشارة واضحة إلى أن مصلحة النفوذ الأمريكي تتقدّم على الاعتبارات الأخرى.
يتجلى هذا التبدل في أسلوب أكثر فوقية يعتمده ترامب تجاه نتنياهو. فقد كشفت تقارير أكسيوس وإي بي سي عن مكالمة هاتفية حادة بينهما أواخر أيار/مطلع حزيران 2026، على خلفية التصعيد في لبنان، وصف فيها ترامب نتنياهو بأنه "مجنون"، واتهمه بعدم إظهار الامتنان للدعم الأمريكي، وضغط عليه لوقف خطة كانت مطروحة لضرب بيروت. وسبق ذلك توبيخ علني آخر في حزيران 2025، حين قال ترامب إنه "غير راضٍ عن إسرائيل" بعد ضربة إسرائيلية هددت بانهيار هدنة مع إيران. وامتد هذا النمط إلى استثناء نتنياهو من تنسيق "مجلس السلام" في غزة، وتوجيه تحذير توبيخي إليه إثر العملية العسكرية الإسرائيلية في بلدة بيت جن بالجولان السوري. وتعكس هذه الحوادث المتراكمة بحث واشنطن عن توازن دقيق بين الحفاظ على التزاماتها تجاه الكيان وتخفيف الأعباء التي تفرضها سياساته على نفوذها وسمعتها، في وقت تتقاطع فيه ضغوط اللوبيات ومؤسسات الدولة العميقة مع ضغوط القاعدة الانعزالية داخل التيار الترامبي نفسه.
وفي ملفّي إيران ولبنان تحديدًا، تتسع الفجوة بين واشنطن وتل أبيب بصورة لافتة. فقد رفضت الولايات المتحدة إطلاع "إسرائيل" على مذكرة التفاهم مع إيران رغم طلبها الرسمي، وعلّق الليكود حملته الدعائية المرتكزة على متانة العلاقة الشخصية بين نتنياهو وترامب، بينما تتزايد التقارير الإسرائيلية التي تصوّر نتنياهو كطرف يدفع باستمرار نحو الخيارات العسكرية، في مقابل إدارة أمريكية تسعى لتثبيت التفاهم مع طهران ومنع أي خطوة قد تعيد إشعال المواجهة. وتشمل المطالب الأمريكية انسحاب "إسرائيل" من النقاط التي تسيطر عليها في جنوب لبنان والخروج من الحرمون السوري، إلى جانب تقليص نشاطها العسكري الذي قد يهدد المسار التفاوضي مع إيران، مع التلويح بتأخير شحنات السلاح في حال الرفض، ما يعكس تحولًا في أسلوب واشنطن من النصح والاحتواء إلى استخدام أدوات ضغط أكثر صراحة ومباشرة. ويدور الخلاف جوهريًا حول كيفية إدارة التهديدات وتحديد حدود السلوك الإسرائيلي المقبول أمريكيًا، فيما يحاول نتنياهو إبعاد ترامب عن أزمة لبنان وتقديمها كقرار إسرائيلي منفرد بمعزل عن طاولة المفاوضات الإيرانية الأمريكية.
وفي المحصلة، لا تشير هذه المؤشرات إلى أزمة تحالف بقدر ما تعكس محاولة أمريكية متزايدة لتقييد حرية المناورة الإسرائيلية كلما تعارضت مع الأولويات الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة، خصوصًا في ما يتعلق بترتيبات ما بعد الحرب مع إيران وإعادة هندسة البيئة الإقليمية. ومع ذلك، يستفيد نتنياهو من هامش المناورة المتاح، إذ تتنصل واشنطن لفظيًا من سياساته وتُظهر استياءها منها دون ممارسة ضغط فعلي يردعه أو يحاسبه. وتبقى الدلالة النهائية لهذه التحولات موضع نقاش مفتوح: فبين من يرى فيها بداية تحوّل بنيوي دائم يميل فيه ميزان العلاقة لمصلحة الطرف القادر على الإلزام، ومن يرى فيها مجرد مرحلة مؤقتة من إعادة التوازن بين حليفين لا يزال كل منهما بحاجة إلى الآخر، يبقى الزمن وحده قادرًا على الكشف عن طبيعة هذا التحول: بداية مسار تاريخي جديد، أم تذبذب ظرفي داخل تحالف لا يزال راسخًا في الجوهر.
الكاتب: غرفة التحرير