الإثنين 22 حزيران , 2026 04:22

من هرمز إلى باب المندب: هل تنجح مذكرة جنيف في فصل أمن التجارة عن الصراع العسكري؟

مضيق هرمز وباب المندب

جاء الاتفاق الأخير بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف لينهي صراعًا بحريًا وجيوسياسيًا امتد لأكثر من أربعة عقود. هذا الاتفاق لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج مفاوضات شاقة شهدت مراحل "كر وفر" وصلت إلى إغلاق مضيق هرمز وفرض حصار بحري أميركي على الموانئ الإيرانية.

مرت المفاوضات بمسارات سرية وعلنية معقدة خلال عامي 2025 و2026، لعبت فيها الوساطتان العُمانية والباكستانية الدور الأبرز في تقريب المواقف وصياغة مسودة الاتفاق. وُضعت اللمسات الأخيرة في جنيف، ليتم التوقيع رسميًا على "مذكرة تفاهم رئاسية" تضمنت بنودًا جوهرية: وقف دائم ومباشر للعمليات العسكرية البحرية، والتزام طهران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية دون رسوم، مقابل رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، مع تحديد مهلة 60 يومًا للتفاوض حول الملفات الأكثر تعقيدًا العقوبات الاقتصادية والبرنامج النووي وحلفاء ايران.

ورغم أن الاتفاق ركز نصًا على مضيق هرمز - الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمي - إلا أن انعكاسه الجيوسياسي على مضيق باب المندب يُفهم من زاوية "معادلة الكل مقابل الكل". وبناءً على هذا المنظور، يُتوقع أن يشهد البحر الأحمر هدوءًا موازيًا، ترتبط ديمومته بمدى التزام أنصار الله ببنود التهدئة خلال المهلة الممنوحة لحل المسائل العالقة. مع ذلك، يظل المشهد في باب المندب والبحر الأحمر معقدًا للغاية؛ حيث يتحكم هذا الممر بـ 12% من حركة التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات.

المنطقة تمثل "بركانًا ساخنًا" يتأرجح بين تفاهمات هشة وضغوط إقليمية متفجرة. ورغم مساهمة القنوات الخلفية بين واشنطن وطهران في خفض التصعيد، إلا أن هذا الممر المائي يظل ورقة ضغط سياسية استراتيجية تستخدمها طهران كلما ارتفعت التوترات الإقليمية أو تعثرت مسارات التفاوض.

أثبتت التجربة الميدانية صعوبة فرض سيطرة مطلقة على المضيق من القوى الغربية في مواجهة التكتيكات غير النمطية: حرب العصابات البحرية، الطائرات المسيّرة، الصواريخ الدقيقة، والزوارق السريعة. وإعلان أنصار الله الأخير عن العودة لفرض حظر الملاحة المرتبطة بـ"إسرائيل" واستهداف عمقها - ردًا على التجاوزات في غزة ولبنان - يؤكد أن جبهة البحر الأحمر لم تُغلق، وأنها ما زالت تُستخدم كأداة ردع متبادل. إن نجاح معادلة "الكل مقابل الكل" في باب المندب يصطدم بحسابات إقليمية شديدة الحساسية، وعلى رأسها الموقف الإسرائيلي. تل أبيب تنظر بريبة شديدة لأي تفاهمات أميركية-إيرانية لا تضمن تفكيكاً كاملاً لترسانة أنصار الله الصاروخية، وترى في التهدئة المؤقتة فرصة لطهران لإعادة ترتيب أوراق حلفائها. بناءً على ذلك، قد تسعى "إسرائيل" إلى القيام بعمليات عسكرية خاطفة أو ضغوط دبلوماسية لإفشال الاتفاق إذا شعرت أن أمنها البحري في ميناء إيلات ما زال مهدداً. أمن البحر الأحمر ليس ملفًا معزولًا، بل امتداد مباشر للصراع في غزة ولبنان. وما لم تتبع تفاهمات جنيف انفراجة حقيقية في تلك الجبهات، فإن استدامة التهدئة البحرية ستكون على المحك. فضلًا عن ذلك، يضع الاتفاق قدرة طهران على ضبط حلفائها الإقليميين تحت الاختبار الحقيقي، ويفتح الباب للتساؤل عن موقف القوى المتضررة من التصعيد، وفي مقدمتها مصر تضررت خزانتها مباشرة إثر تراجع عائدات قناة السويس بنسب قياسية قاربت 50% إلى 60% بسبب تحول السفن نحو طريق رأس الرجاء الصالح. دول الخليج العربي: التي تراقب بحذر شديد مدى جدية واشنطن في ضمان أمن الممرات المائية بعيدًا عن الصفقات المؤقتة والمسكنات السياسية.

الحديث عن سلام مستدام لحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر يواجه تحديات متشابكة. لم يعد المضيق مجرد ممر تجاري، بل تحول إلى نقطة ارتكاز للصراع في المنطقة. وأي اتفاق مستقبلي سيكون محكومًا بمدى نجاح الأطراف الدولية في تحقيق الغاية الأهم: فصل أمن التجارة العالمية والاقتصاد الدولي عن الخلافات العسكرية والسياسية الإقليمية. هل تمتلك الأطراف المعنية القدرة السياسية والإرادة الفعلية لفصل أمن التجارة والاقتصاد الدولي عن منطق الصراع العسكري؟ أم أن باب المندب سيظل مرآة تعكس اشتعال الجبهات البرية، لا ممرًا محايدًا للتجارة؟


الكاتب: د. طالب الشوكة




روزنامة المحور