الأربعاء 24 حزيران , 2026 01:47

روبرت مالي: إخفاق ترامب في إيران قد يكون هدية لأمريكا

دونالد ترامب

يعتبر المبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران الأسبق روبرت مالي، في هذا المقال الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز وترجمه الموقع الخنادق الالكتروني، أن الحرب الأمريكية ضد إيران التي هزّت المنطقة، وألحقت أضراراً بالاقتصاد العالمي، وأثارت استياء الرأي العام الأمريكي، قد تخلّف وراءها هدية غير مقصودة: نفوراً دائماً من خيار الحرب مع إيران، وفرصة لاستبدال عقود من السياسات الفاشلة بدبلوماسية جادة. لأنه وفقاً لمالي، فإن الهزيمة العسكرية – وهي ما تعرضت له أمريكا هذه المرة – دفعت الأمريكيين مراراً، إلى إعادة تقييم حجم التهديد الذي عجزوا عن القضاء عليه.

النص المترجم:

مع إيران، نجح دونالد ترامب مرة أخرى في تحقيق ما كان يبدو مستحيلاً. فحين هاجم ذلك البلد في شباط/فبراير، أقدم على خطوة لم يجرؤ عليها أي من أسلافه، إذ انضم إلى إسرائيل في محاولة لإسقاط النظام في طهران أو شلّ قدراته. وبعد أن فشل في تحقيق أي من الهدفين، يبدو أنه قبل بشروط أسوأ مما كان يمكن أن يحصل عليه عبر الدبلوماسية. كما أن حربه شكّلت عبئاً سياسياً ثقيلاً، إذ حظيت منذ بدايتها بدعم شعبي أقل من أي صراع كبير آخر في التاريخ الأمريكي الحديث.

واليوم، يشعر الصقور الذين ابتهجوا بعملية "الغضب الملحمي" بسخط شديد تجاه ترامب بسبب إنهائه الحرب. أما الحمائم فلا تغفر له أنه بدأها أساساً. الجميع خرجوا في وضع أسوأ، ولا أحد يشعر بالرضا؛ وهي نهاية استثنائية ومناسبة لحرب من الطراز الترامبي.

ومع ذلك، فإن النتيجة في خطوطها العامة تبدو مألوفة إلى حدّ يقترب من الروتين. فقد شنّت الولايات المتحدة، وفق نمطها المعتاد، حرباً في الشرق الأوسط بهدف تغيير النظام. واستهدفت خصماً لطالما اعتبره سياسيون من الحزبين تهديداً يكاد يكون وجودياً. ومرة أخرى، وإن بوتيرة أسرع هذه المرة، انتهى الأمر إلى الفشل. والسؤال الآن هو ما إذا كانت دائرة التدخلات الأمريكية العقيمة قد انكسرت أخيراً، أم أنها اتخذت منعطفاً جديداً فحسب. فإذا كانت الكوارث المتتالية للحروب السابقة لم تمنع اندلاع هذه الحرب، فلماذا يفترض أن يمنع فشل هذه الحرب الواضح الحرب التالية؟

قد لا يحدث ذلك بالفعل، إذ لا يزال خطر تجدد الصراع قائماً. لكن هذه الحرب تختلف في جوانب مهمة عن سابقاتها، وأول تلك الجوانب هو الشخص الذي أطلقها. فقد كان ترامب الأمل الأكبر للمتشددين. وقد وجّه أقوى ضربة ممكنة إلى طهران، لكنه أخفق في تحقيق أهدافه.

أما الحرب التي تلت ذلك، والتي كانت غير ضرورية وغير مبررة وغير قانونية، فقد هزّت المنطقة، وألحقت أضراراً بالاقتصاد العالمي، وأثارت استياء الرأي العام الأمريكي. ومع ذلك، فقد تخلّف وراءها هدية غير مقصودة: نفوراً دائماً من خيار الحرب مع إيران، وفرصة لاستبدال عقود من السياسات الفاشلة بدبلوماسية جادة.

العامل الأول في ذلك هو ترامب نفسه. فباراك أوباما، الذي سعى منذ بداية رئاسته إلى الانخراط دبلوماسياً مع إيران، واجه معارضة مستمرة من الجمهوريين والعديد من الديمقراطيين، ما أضعف الاتفاق النووي الذي توصل إليه. ثم مزّق ترامب ذلك الاتفاق بعد 3 سنوات، وهو اليوم من أشعل حرباً قاسية وكان أبرز المدافعين عنها، وأصبح في الوقت نفسه مسؤولاً عن فشلها، وربما صانع السلام الذي ينهيها. يشبه الأمر زيارة نيكسون إلى الصين، لو أن نيكسون كان قد قصف الصين أولاً.

لم يمتلك أي رئيس أمريكي سابق هامشاً أوسع من ترامب للتوصل إلى تفاهم مع الجمهورية الإسلامية إذا أراد ذلك. وقد تعرّض الاتفاق الذي أبرمته إدارته للسخرية، لكنه لم يواجه معارضة جدية من اليسار الأمريكي الذي يريد إنهاء القتال. أما صقور واشنطن المناهضون لإيران فيواصلون الصراخ والاحتجاج، لكنهم، بعد أن نفّروا الديمقراطيين منذ زمن طويل، يواجهون خطر فقدان أي موطئ قدم سياسي إذا دخلوا في قطيعة كاملة مع ترامب. كما أنهم لا يستطيعون بسهولة التنصل من سياساته، فقد هلّلوا له عندما دمّر الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما، وابتهجوا لتحوله نحو الحرب قبل أشهر قليلة. وفي هذه المرحلة، لا يبقى أمامهم سوى الأمل في أن يفشل ترامب في التوصل إلى اتفاق نووي أشمل، حتى يتمكنوا من الضغط عليه للعودة إلى الحرب بأهداف أكبر.

وبالطبع، قد ينجحون في ذلك. فترامب معروف بتقلباته الشديدة، كما أن تحويل "مذكرة التفاهم" الغامضة التي وقعها مع إيران إلى اتفاق تفصيلي يمثل تحدياً هائلاً. وإضافة إلى ذلك، فقد هدد، بعد وقت قصير جداً من توقيع الاتفاق، ثم واصل التهديد بصورة متكررة، باستئناف القصف إذا لم يرق له السلوك الإيراني، في انتهاك واضح لروح الاتفاق نفسه. ومع ذلك، فإن استخدام القوة العسكرية الهائلة ضد إيران لم يعد بالنسبة لترامب خياراً مغرياً يتخيله من بعيد، بل أصبح تجربة مؤلمة اضطر إلى التراجع عنها. فالحرب التي تصور أنها ستجلب له مجداً سريعاً، وُلدت غير شعبية وتموت اليوم من دون أن يتبناها أحد.

وإذا صمدت حتى هذه الهدنة الهشة والعدائية طوال ما تبقى من ولاية ترامب، فإن خلفاءه سيتعلمون هم أيضاً ثمن الحرب. فسيرون كيف استنزفت الولايات المتحدة بسرعة كميات هائلة من الذخائر المتطورة التي تحتاجها في أوروبا وآسيا، من دون أن تنجح في القضاء على الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وسيرون كيف تمكنت إيران بسرعة من فرض سيطرتها على مضيق هرمز، موقعةً أضراراً ملموسة بالمواطنين الأمريكيين العاديين، بينما افتقرت الولايات المتحدة إلى الخيارات العسكرية الكفيلة بإعادة فتح المضيق بالقوة. كما سيرون أنه بعد كل القنابل التي أُلقيت، بقي مستقبل البرنامج النووي الإيراني قضية لا يمكن معالجتها إلا عبر التفاوض مع نظام خرج من الحرب أكثر ثقة بنفسه، وأكثر اقتناعاً بصواب خياراته، وأكثر شعوراً بالانتصار.

وباختصار، سيتذكر الرؤساء القادمون أن هذه الحرب كانت ذات نتائج عكسية حتى وفق أهدافها المعلنة، وأن كلفتها جاءت على حساب كل الأولويات الأخرى، الخارجية منها والداخلية.

أما الركيزة الثانية للنظام الإقليمي الأمريكي فتتمثل في وجودها العسكري في الخليج الفارسي: شبكة من القواعد أُنشئت لإبراز القوة الأمريكية وحماية الدول العربية، لكنها كانت تُنظر إليها في طهران باعتبارها تهديداً حقيقياً وهدفاً ثميناً في الوقت نفسه. وكانت النتيجة نشوء منظومة تعزز نفسها بنفسها، حيث أسهمت الشراكات التي كان يفترض أن تردع الصراع في تأجيجه، وحيث تحولت الولايات المتحدة، التي تدّعي أنها حارسة السلام، إلى أحد الأطراف الرئيسية في الحرب.

وقد ألحقت الحرب مع إيران أضراراً مادية بهذه المنظومة. فبحسب التقارير، ألحقت طهران أضراراً بما لا يقل عن عشرين موقعاً عسكرياً أمريكياً في أنحاء المنطقة، بما في ذلك أنظمة الدفاع الصاروخي والطائرات وغيرها من البنى التحتية. ويتعين على واشنطن أن تواجه حقيقة أن شبكة قواعدها العسكرية خلقت لها ولحلفائها مواطن ضعف لا عناصر أمن.

أما دول الخليج فقد تعلمت درساً أكثر قسوة: ففي لحظة احتياجها، أعطت الولايات المتحدة الأولوية لمصالحها الخاصة ولمصالح إسرائيل، تاركةً هذه الدول مكشوفة أمام الرد الإيراني على حرب لم تكن ترغب فيها ولم يكن لها دور يُذكر في رسم مسارها.

وربما يكون الأثر الأكثر أهمية من الخسائر المادية هو الضربة التي تلقاها المبرر الأساسي للدور الأمريكي في المنطقة. فمن غير المرجح أن تقطع الملكيات الخليجية علاقاتها الأمنية مع واشنطن، لكن لدى الطرفين أسباب تدفعهما إلى التساؤل عمّا إذا كان الوجود العسكري الأمريكي الضخم في الشرق الأوسط جزءاً من المشكلة التي كان يفترض به حلها، وما إذا لم يكن من الأفضل بناء توازن إقليمي لا يعتمد إلى هذا الحد على وعود الحماية الأمريكية.

ومع ذلك، فإن التحول الأمريكي بعيداً عن الحرب لا يزال في بداياته وهشّاً. فما زال هناك ميل إلى اعتبار إيران السبب الجذري لكل ما يعانيه الشرق الأوسط، وإلى المبالغة في حجم التهديد الذي تمثله، وإلى دعم الحلول الهجومية الإسرائيلية وتمويلها، وإلى مساواة المصالح الأمريكية بوجودها العسكري في الخليج. وما دامت هذه الظروف قائمة، فقد يلجأ ترامب أو خلفاؤه مرة أخرى إلى استخدام القوة العسكرية.

إن الذين عارضوا حرب الأمس على إيران لديهم مصلحة في منع حرب الغد، وفي كسر تشابك الولايات المتحدة مع صراعات تزداد سرعة ندمها عليها وتزداد حدة ذلك الندم كلما تكررت. وهذه المهمة ليست مستحيلة على الإطلاق. فالهزيمة العسكرية – وهي ما تعرضت له الولايات المتحدة للتو – دفعت الأمريكيين مراراً إلى إعادة تقييم حجم التهديد الذي عجزوا عن القضاء عليه.

قبل 5 عقود، انسحبت الولايات المتحدة من فيتنام وتركتها للشيوعيين، لتكتشف أن "نظرية الدومينو" لم تتحقق. وقبل خمسة أعوام، غادرت أفغانستان، وتعلمت التمييز بين حركة طالبان المنتصرة من جهة، وتنظيمي القاعدة و"داعش" من جهة أخرى. إن مواجهة الكلفة الحقيقية للحرب دفعت الأمريكيين إلى التساؤل عمّا إذا كان حجم التهديد قد جرى تضخيمه منذ البداية.

وفي جميع الأحوال، لا ينبغي لإيران أن تكون واحدة من أكبر مشكلات الولايات المتحدة. وفي يوم من الأيام، وبطريقة أو بأخرى، ستتوقف عن أن تكون كذلك. والسؤال هو: متى سيحدث ذلك، وبأي ثمن باهظ؟


المصدر: نيويورك تايمز - Newyork Times

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور