فرضت إدارة فرضت عملياً وقفاً لإطلاق النار في لبنان وقيّدت حرية العمل العسكري الإسرائيلي، رغم محاولات نتنياهو إظهار العكس للرأي العام الإسرائيلي. كما جاء في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية، ترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
كما يعتبر أن الآلية الجديدة المنبثقة عن التفاهم الأميركي الإيراني تستبعد "إسرائيل" وتحدّ من قدرتها على التأثير في الملف اللبناني.
ويخلص إلى أن ترامب يقدّم أولوياته السياسية والاقتصادية الداخلية على المطالب الإسرائيلية، حتى لو أدى ذلك إلى منح إيران وحلفائها فرصة لإعادة ترتيب أوضاعهم.
النص المترجم:
يبدو حتى الآن أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نجحت في فرض وقف إطلاق النار في لبنان. فقد توقف الجيش الإسرائيلي وحزب الله عن مهاجمة بعضهما البعض، وخفّض الجيش الإسرائيلي جزئياً وجوده في جنوب لبنان، كما رفعت قيادة الجبهة الداخلية بعض التعليمات الدفاعية على طول الحدود الشمالية.
وأصدر وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس يوم الأحد بياناً قال فيه: "إسرائيل لا تنوي الانسحاب من قلعة الشقيف، التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من المنطقة الأمنية وضرورية للدفاع عن بلدات الجليل وقوات الجيش". وأضاف أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وهو أكدا أن "إسرائيل" لن تنسحب من المنطقة الأمنية. كما ادعى نتنياهو أمس أن جنود الجيش الإسرائيلي يتمتعون بحرية عمل كاملة "لإحباط أي تهديد مباشر أو ناشئ ضدهم أو ضد سكان الشمال، ولا توجد أي قيود على الجيش في هذا الشأن".
لكن نتنياهو وكاتس، كعادتهما، لا يقدمان للإسرائيليين الصورة الكاملة، بل يتعمدان تضليلهم. ففي الواقع فرضت الولايات المتحدة قيوداً على العمليات الهجومية منذ نهاية الأسبوع الماضي، بعد الحوادث الثلاثة التي وقعت في منطقة علي الطاهر وأدت إلى مقتل ستة جنود إسرائيليين. ورغم أن الأميركيين لم يطلبوا من "إسرائيل" الانسحاب إلى ما وراء الحدود، فإن القوات الموجودة على الأرض تلقت تعليمات بعدم فتح النار إلا في حال وجود تهديد مباشر من حزب الله.
وخلال الأيام الأخيرة اكتشف الجيش الإسرائيلي مصنعاً كبيراً للطائرات المسيّرة تابعاً لحزب الله تحت الأرض في بلدة مجدل زون الجنوبية. لكن القيادة السياسية أوقفت يوم الأحد خطة الجيش لتفجيره. وقبل أن يطلق الأميركيون صافرة النهاية – مؤقتاً على الأقل – كانت العمليات الإسرائيلية تركز على سلسلة مواقع مشابهة، ولا سيما مقر قيادة "قوة بدر" التابعة لحزب الله. وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن "عشرات المقاتلين ما زالوا محاصرين هناك".
وتعيد هذه الروايات، التي يجري تضخيمها في وسائل الإعلام من دون تدقيق كافٍ، إلى الأذهان خطوات سابقة اتخذتها الحكومة. ففي ربيع عام 2024، وخلال الجدل حول السيطرة على مدينة رفح، جرى تصوير محور فيلادلفيا على الحدود المصرية باعتباره "صخرة وجود إسرائيل" التي لا يمكن الانسحاب منها تحت أي ظرف في إطار صفقة للإفراج عن الأسرى.
لكن الأسرى أُفرج عنهم لاحقاً على دفعتين في يناير/كانون الثاني وأكتوبر/تشرين الأول 2025، بعدما توفي أكثر من أربعين منهم في أسر حماس. ومع ذلك لم يمنع هذا نتنياهو من التفاخر الأسبوع الماضي بالقول: "لقد أعدت جميع الأسرى". وبعد ذلك، جرى تضخيم أزمة تتعلق بموقعين تابعين لحماس شرق الخط الأصفر داخل المنطقة التي تسيطر عليها "إسرائيل" عقب إعلان وقف إطلاق النار في غزة.
والآن تحاول الحكومة استخدام الأسلوب نفسه في لبنان. فهي تخفي عن الإسرائيليين القيود التي فرضها الأميركيون، على أمل أن تؤدي الوقائع الميدانية إلى تأخير تنفيذ الاتفاقات. لكن هذا يبدو غير مرجح في الوقت الحالي، لأن ترامب مستثمر بقوة في تحقيق الهدوء في لبنان من أجل إنجاز هدفه الأكبر: التوصل إلى ترتيب مستقر في الخليج يسمح له بسحب القوات الأميركية من المنطقة بسرعة ووضع الملف خلفه.
ومع مرور الوقت، يؤدي استمرار السيطرة على أراضٍ في جنوب لبنان إلى نشوء أنماط ثابتة من تحركات القوافل العسكرية والأنشطة اللوجستية وبناء المزيد من المواقع العسكرية. والسؤال هو ما إذا كانت "إسرائيل" مستعدة لذلك، وإلى أي مدى سيعرض ذلك الجنود لمخاطر مستقبلية. وقد باتت الصعوبات المرتبطة بمواجهة الطائرات المسيّرة العاملة بالألياف البصرية معروفة منذ فترة طويلة.
وفي الأثناء، وصلت أنباء أكثر إحباطاً للإسرائيليين. فقد أصدرت قطر وباكستان، الوسيطتان في مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، بياناً مشتركاً عقب أول جلسة تفاوض في سويسرا يوم الاثنين. ووفق البيان سيتم إنشاء "خلية لفض الاشتباك" لضمان الالتزام بوقف العمليات العسكرية في لبنان كما تنص عليه المذكرة.
وتشير صياغة البيان إلى أن "إسرائيل"، التي لم يُذكر اسمها فيه، لن تكون جزءاً من الآلية الجديدة. وبعبارة أخرى، فإن ترامب يسحب إلى حد كبير قدرة "إسرائيل" على التعامل مع الأزمات الناشئة في لبنان، بعدما فرض مسبقاً قيوداً كبيرة على أنشطة الجيش الإسرائيلي.
وبالمقارنة مع إيران، يبقى لبنان ساحة ثانوية في نظر ترامب. والخبر الجيد الوحيد في الساحتين هو الأمل في انتهاء القتال. فاستمرار الحرب في الظروف الحالية لا يفيد "إسرائيل"، ومن المشكوك فيه أن يؤدي إلى إضعاف كبير لإيران أو حزب الله. لكن الترتيبات الناشئة قد تتيح لطهران وحلفائها إعادة بناء قدراتهم العسكرية، بينما يواصل ترامب، لأسبابه الخاصة، التظاهر بأن كل شيء يسير على ما يرام.
ولا شك في أن القوة العسكرية الإيرانية تراجعت وأن الاقتصاد الإيراني تعرض لأضرار كبيرة نتيجة الضربات الأميركية والإسرائيلية. لكن ثقة النظام بنفسه تتزايد، خصوصاً في ضوء شروط الاتفاق، كما أن عملية التعافي ستبدأ قريباً.
وكتب توماس فريدمان، الكاتب المخضرم في صحيفة نيويورك تايمز، هذا الأسبوع أن "ترامب باع حلفاء أميركا في الحرب، "إسرائيل" ودول الخليج العربية، من أجل ولايات بنسلفانيا وجورجيا وميشيغان المتأرجحة. فقد أدرك أن التضخم الغذائي وارتفاع أسعار الوقود الناتجين عن هذه الحرب قد يقودان الجمهوريين إلى هزيمة في الانتخابات النصفية، ولذلك كان عليه وقف الحرب الآن لخفض الأسعار قبل نوفمبر. وإذا خسر الجمهوريون مجلسي النواب والشيوخ، فسيواجه ترامب تحقيقات لا تنتهي بشأن كيفية استخدامه الرئاسة لإثراء نفسه وعائلته، وربما حتى إجراءات لعزله".
وأضاف فريدمان بشأن قرار ترامب توقيع مذكرة التفاهم: "لقد فعل ترامب ما يفعله دائماً؛ تخلى عن كل المبادئ وعن جميع الحلفاء، ووضع مصالحه الشخصية فوق كل اعتبار".
المصدر: هآرتس
الكاتب: عاموس هارئيل