هذه القراءة لا تقدّم تشخيصًا سريريًّا لبنيامين نتنياهو، ولا تزعم وجود اضطراب نفسي محدّد لديه، لأنّ التشخيص يتطلّب مقابلة مباشرة، أدوات قياس نفسيّة، تاريخًا سريريًّا، ومعطيات طبيّة موثوقة. ما تحاول الدراسة تقديمه هو بروفيل نفسي سلوكي عن بعد، قائم على مصادر عبريّة إسرائيليّة، بعضها بحثي أو شبه بحثي، وبعضها صحافي أو تحليلي أو مبني على تصريحات علنيّة. لذلك تُستخدم مصطلحات مثل: سمات، أنماط، مؤشرات، فرضيات تفسيرية، لا بوصفها أحكامًا طبيّة نهائيّة، بل بوصفها أدوات لفهم شخصيّة قائد سياسي في لحظة حرب وضغط وجودي ومؤسّسي.
الصورة التي ترسمها المصادر عن نتنياهو هي صورة قائد شديد التمركز حول البقاء السياسي، السيطرة على السرد، وتحصين صورته الشخصيّة. يتكرّر في المصادر توصيفه كقائد يرى نفسه أكثر كفاءة وبصيرة من محيطه، يميل إلى تفسير النقد بوصفه استهدافًا شخصيًّا أو مؤامرة ممنهجة، ويواجه الضغوط عبر مزيج من المناورة، الإخفاء، الخطاب الدفاعي، والتعبئة الجماهيريّة. في مرحلة ما بعد طوفان الأقصى، لا تظهر هذه السمات كأنّها تراجعت، بل كأنّها دخلت تحت ضغط مضاعف: حرب طويلة، أزمة أسرى، محاكمة جنائيّة، تراجع ثقة داخليّة، أسئلة صحّيّة ومعرفيّة، وتصدّع في العلاقة مع مؤسّسات الدولة.
الاستنتاج العملي الأهم هو أنّ نتنياهو، وفق هذه القراءة، لا يُفهم فقط كفاعل عقلاني يحسب كلفة الحرب والسلام، بل كقائد تتداخل لديه الحسابات الاستراتيجيّة مع اعتبارات البقاء الشخصي، الإرث التاريخي، الخوف من الهزيمة الرمزيّة، والحاجة إلى تثبيت صورة القائد الذي لا بديل عنه. هذا يجعل قراراته قابلة للتأثّر بشدّة بضغط صورته الداخليّة، موقف جمهوره، تهديد المحاسبة، والخوف من أن يُذكر تاريخيًّا كقائد 7 تشرين الأول لا كقائد النصر.
المصادر الجديدة تضيف بعدًا مهمًّا: ليس فقط أن نتنياهو متهم بإخفاء وضعه الصحّي أو إدارة صورته، بل إنّ مظهره العلني في مقابلة 60 دقيقة أعاد فتح سؤال الإرهاق، القدرة، الثقة، والمصداقيّة. الطبيب زئيف روتشتين رأى رئيس حكومة متعبًا وذا دوائر سوداء وانتفاخ في الجفون، لكنّه أكد في الوقت نفسه أن مشكلة البروستات لا يفترض أن تضعف أداءه، وأن أزمة نتنياهو الأساسية هي أزمة مصداقية لا أزمة صحة. أمّا إيهود باراك، بوصفه رئيس حكومة أسبق وخصمّا سياسيًّا، فيقدّم تقديرّا أشدّ خطورة: نتنياهو، في رأيه، أعمى استراتيجيا لكنّه موهوب سياسيًّا، وقد يصبح عند اقتراب الانتخابات مستعدًّا لاستخدام أزمات أمنيّة أو حالة طوارئ للحفاظ على السلطة وهو ما يلتقي مع تصريح لرئيس حزب إسرائيل بيتنا أفيغدور ليبرمان. أمّا مقالات هآرتس فتصف مشهد نتنياهو مؤخّرًا بـ: قائد مرهق، متقدّم في السن، متحصن في فضاء خاص وطبقي، يتحدّث إلى الجمهور الأميركي أكثر مما يحاسب جمهوره الداخلي، ويظهر خطابيا وجسديًّا بعيدًا عن صورة الخطيب الحاد التي بناها طوال عقود.
لتحميل الدراسة من هنا
الكاتب: حسين تيسير حميّة