السبت 27 حزيران , 2026 11:52

تحت أنظار الجميع: السر العسكري الذي أخفته إسرائيل ولبنان لأشهر في واشنطن

المفاوضات المباشرة ما بين لبنان والكيان المؤقت

يلخّص المختص بالشؤون العربية في إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي جاكي هوجي في هذا المقال، الذي نشرته صحيفة معاريف وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، ما يحصل من تطورات في المنطقة، خاصةً فيما يتعلق بالمفاوضات المباشرة ما بين السلطة اللبنانية والكيان المؤقت. مشيراً الى أن الولايات المتحدة الأمريكية تتوسط، وإيران تحرّك الأمور من بعيد، وحزب الله يُعِدّ مفاجآت.

ومن الأمور اللافتة التي أوردها هوجي في مقاله، هو الفرق الكبير والواضح ما بين اشتراط إيران لإتمام المفاوضات مع أمريكا بالانسحاب الكامل من لبنان وجنوبه خلال شهرين كحد أقصى، وما بين موافقة السلطة اللبنانية على تفاهمها الأخير مع إسرائيل، بحيث "ستشرّع" الاحتلال الإسرائيلي لمناطق في جنوبي لبنان وعدم خروجه الا بعد تنفيذ شروطه والتنسيق العسكري المباشر ما بين الجيش اللبناني وجيش الاحتلال.

النص المترجم:

لا ينبغي الاستغراب إذا سمعنا قريباً عن إنشاء خط هاتف مباشر بين معسكر هيئة الأركان في "الكرياه"، أو قيادة المنطقة الشمالية، وبين مقار قيادة الجيش اللبناني في الجنوب. فمنذ عدة أشهر، يتحدث ضباط إسرائيليون ولبنانيون مع بعضهم بعضاً في واشنطن، في إطار المفاوضات الرسمية الجارية بين بيروت والقدس. وقد أفضت هذه المحادثات إلى إنشاء آلية تنسيق بين الجانبين، والتنسيق بين جيشين يعني وجود "خط ساخن".

إذا نجحت التفاهمات بين الطرفين، فسيبدأ الجيش الإسرائيلي قريباً بإخلاء مناطق في جنوب لبنان وتسليمها إلى الجيش اللبناني. وفي الوقت نفسه، سيخلي حزب الله مناطق انتشاره، الواحدة تلو الأخرى، جنوب نهر الليطاني، وفق الخرائط التي سلمتها إسرائيل. وسيتولى الجيش اللبناني أيضاً السيطرة على هذه المناطق. وهكذا، جيباً بعد جيب. ويعتزم اللبنانيون إعادة السكان الذين فرّوا مع بداية القتال في شهر آذار/مارس إلى تلك القرى، ومعظمها معاقل لحزب الله.

هذه التجربة هشة للغاية، وفرص نجاحها تعتمد على الثقة بين الأطراف الثلاثة. ففي إسرائيل، يسود الاعتقاد بأن من بين النازحين الذين سيعودون إلى منازلهم سيختبئ أيضاً عناصر من حزب الله. أما الإيرانيون، ومن بعيد في سويسرا، فيحرّكون مجريات الأمور. فقد طالبوا الوسطاء بإنشاء آلية رقابة على تنفيذ التفاهمات.

وقت الإيرانيين محدود، ولذلك يمارسون ضغطاً كبيراً في الملف اللبناني. فقد طالبوا الأمريكيين بالضغط على الجيش الإسرائيلي للانسحاب الكامل من جنوب لبنان خلال شهرين. وفي ذلك الوقت، من المفترض أن تكون الولايات المتحدة وإيران قد أنهتا محادثاتهما وتوصلتا إلى اتفاق دائم. وإذا لم ينسحب الجيش الإسرائيلي، وانتهت المحادثات في سويسرا، سواء بالنجاح أو بالفشل، فسيصبح لبنان تحت رحمة إسرائيل. أما الآن، فلبنان يملك على الأقل ورقة ضغط. إنها أيام نادرة بالنسبة إلى المعسكر الإيراني؛ إذ تتاح له فرصة ممارسة ضغط مؤقت على إسرائيل عبر البيت الأبيض. وهم يعتزمون عصر هذه الليمونة حتى آخر قطرة قبل أن تفلت من أيديهم.

دوّامة من الأطفال الصغار

يقال عن دونالد ترامب، وبحق، إنه يضرّ بقوة الردع الإسرائيلية. فهو أوقف القتال المكثف في غزة، وأوقف الهجمات على إيران، والآن تصرف بالطريقة نفسها في لبنان. صحيح أن تدخل الآخرين في قرارات الحكومة الإسرائيلية يمثل مشكلة. لكن إسرائيل، في الأصل، لم تكن تملك خطة سياسية أو رؤية لتشكيل علاقاتها مع هؤلاء. والسياسة التي لا سياسة فيها لا يمكن أن تشكل مشروعاً وطنياً.

أي واقع سيسود هذه الجبهات خلال السنوات المقبلة؟ إن القادة وصناع القرار أنفسهم لا يعرفون الجواب. فجميع التطورات شديدة الديناميكية وتحمل في طياتها مفاجآت. وحتى اللاعبين الإقليميين أنفسهم لا يعرفون سوى جزء من الإجابات. وفيما يتعلق بإسرائيل، فإن بعض الأسئلة المرتبطة بها يحددها آخرون، كما رأينا هذا الأسبوع في الحالة اللبنانية.

ولذلك، سنكتفي في الوقت الحالي بملاحظتين متواضعتين.

الأولى تتعلق بترامب. فعلى الرغم من أنه خيب آمال كثيرين في إسرائيل، وفي الدول العربية، وفي بلاده، فإن خلف مبادرته لوقف الحرب مع إيران يختبئ صراع العمالقة مع الصين. فإضعاف الصين يمثل بالنسبة إليه الهدف الأول.

يعتمد الاقتصاد الإيراني على تصدير النفط إلى الصين. إذ تشتري بكين 90% منه رغم العقوبات الدولية. وقد اتبع ترامب مع الإيرانيين سياسة العصا والجزرة. ففي البداية حاول إغلاق مضيق هرمز وخط ناقلات النفط الممتد من إيران إلى الشرق، وبذلك ألحق ضرراً كبيراً بالاقتصاد الإيراني.

ثم ارتدى ثوب "المحقق الطيب"، وفتح قنوات اتصال بهدف تقريب إيران منه، أملاً في إبعادها عن الحضن الصيني. فإذا وافق الإيرانيون، فسيحسن معاملتهم. وإذا لم يوافقوا، فمن المحتمل أن يوجه إليهم ضربة جديدة. صحيح أن هذه التجربة جاءت على حساب إسرائيل، لكن ترامب ليس رئيس دولة إسرائيل، رغم أن كثيرين توجوه كذلك. فتحركاته تمليها المصلحة الأمريكية.

أما الملاحظة الثانية فتتعلق بإمارات الخليج.

لقد تلقت هذه الدول أقسى ضربة في تاريخها. فقد اعتمدت على الوعد الأمريكي بحمايتها، ثم اكتشفت أن الوجود الأمريكي على أراضيها لم يساعدها فحسب، بل تحول أيضاً إلى ذريعة استخدمها الإيرانيون لمهاجمتها. لقد انهارت العقيدة التي استندت إليها.

كل من يدرك معنى هذا الهجوم نظر إلى ما جرى بدهشة. فالإمارات الغنية والواثقة من نفسها بقيت جامدة كأن شيطاناً قد شلّها، وخشيت الرد على العدو الذي هاجمها بغضب شديد، خشية أن يصعّد حربه ضدها. ووفق قواعد اللعبة التي وضعها الإيرانيون وتصريحاتهم، فإنهم استهدفوا أهدافاً أمريكية فقط. ولو ردت دول الخليج بإطلاق النار، لكان ذلك ذريعة لإيران لتوسيع هجومها، بحجة أن هذه الدول بدأت الحرب ضدها، بعد أن كانت هي قد عملت على أراضيها ضد أهداف أجنبية فقط.

ستعيش هذه الدول دائماً في ظل الخوف من الإيرانيين، إلا إذا تعلمت من انهيار هذه العقيدة. فعليها أن تنتقل من سياسة دفاعية تجاه إيران إلى سياسة هجومية. وهذا يتطلب تسلحاً عسكرياً مناسباً، وتحالفات دفاعية مع الحلفاء، وجرأة في القيادة.

هاتان الملاحظتان توضحان مدى مركزية منطقة الخليج بالنسبة إلى الاستقرار الدولي. فالطريق إلى صياغة العلاقات بين القوتين المهيمنتين في العالم يمر عبرها. ولا يتعلق الأمر بالنفط الإيراني فقط، بل أيضاً بالبرنامج النووي. فسعي إيران إلى امتلاك قنبلة نووية سيحدد كذلك سلوك جيرانها في هذا المجال. وإذا نجحت في ذلك، فمن المتوقع اندلاع سباق تسلح إقليمي. وإضافة إلى ذلك، يحيط بالخليج اثنان من أهم الممرات البحرية في العالم: الأول هو طريق ناقلات النفط منه إلى الصين واليابان والهند وجيرانها، والثاني هو البحر الأحمر، الذي يربط أوروبا بشرق آسيا.

تخيلوا دوّامة يجلس داخلها عدد من الأطفال الصغار، وكل واحد منهم يظن نفسه الأذكى. وفوقهم يقف اثنان أو ثلاثة من الكبار يديرون تلك الدوامة. هكذا يبدو عالمنا هذه الأيام. ونحن الإسرائيليين نجلس في مقاعد الأطفال.

إسرائيل دولة مهمة وتمتلك أدوات كثيرة على الساحة الدولية. لكن علاقاتها مع جيرانها هشة، وهي قادرة على التأثير سلباً إلى ما هو أبعد من حدودها، بل وحتى تعريض الآخرين للخطر. والعالم يتذكر كيف بدأت الدوامة الدموية التي نعيشها اليوم. فقد ضغط أحدهم على زر في الفناء الخلفي لإسرائيل، وبدأت كرة الثلج بالتدحرج. واتضح أن القضية الفلسطينية، كما حذر الفلسطينيون أنفسهم لسنوات، وكذلك المصريون والأردنيون، قادرة على زعزعة الاستقرار في العالم بأسره.

وفي واقع شديد التوتر كهذا، حيث تتمنى حكومات كثيرة الهدوء، وحيث تعمل الولايات المتحدة وفق مصالحها وحدها، وحيث لم يعد موقعنا راسخاً كما كان في السابق، قد تجد إسرائيل نفسها أكثر فأكثر وظهرها إلى الحائط. وستصل إلينا أسئلة مصيرية، وربما أيضاً مطالب بالمساءلة.


المصدر: معاريف

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور