الإثنين 29 حزيران , 2026 12:44

ما بعد التوقيع في واشنطن: مستقبل لبنان بين الضغوط الأمريكية والرهانات الإقليمية

المفاوضات اللبنانية الإسرائيلي

لم يعد المشهد اللبناني يُقرأ ضمن حدوده الوطنية الضيقة، بل أصبح جزءاً من إعادة تشكيل إقليمية واسعة تقودها الولايات المتحدة في أعقاب التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة في المنطقة، فالتفاهم الأمريكي–الإيراني لم يكن مجرد اتفاق يتعلق بالبرنامج النووي أو رفع العقوبات أو ضبط النشاط العسكري في الخليج، بل فتح الباب أمام مرحلة جديدة تحاول فيها واشنطن إعادة ترتيب ملفات الشرق الأوسط كافة من العراق وسوريا إلى لبنان وغزة، ضمن رؤية تهدف إلى تقليص احتمالات الحرب المفتوحة والحفاظ على المصالح الأمريكية وتخفيف الأكلاف العسكرية والاقتصادية مع الإبقاء على شبكة التحالفات الإقليمية.

وفي هذا السياق برز ما يُعرف بـ"اتفاق الإطار اللبناني–الإسرائيلي" الذي أُعلن توقيعه في واشنطن، وقُدِّم رسمياً بوصفه إطاراً لمعالجة ملفات أمنية وحدودية وتنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار، بينما يُنظر إليه فعلياً باعتباره خطوة قد تؤسس لمسار سياسي أوسع يفتح الباب أمام أشكال مختلفة من التطبيع أو إعادة تعريف العلاقة بين لبنان والكيان الصهيوني، ولو بصورة غير مباشرة. وتتجاوز أهمية هذا الاتفاق طبيعته الثنائية لتتقاطع مع ثلاثة مسارات كبرى هي مستقبل المقاومة وسلاحها في ظل الضغوط الدولية المتزايدة، ومستقبل العلاقة الأمريكية–الإيرانية وانعكاساتها الإقليمية، والصراع الداخلي الأمريكي بين إدارة ترامب والتيار الجمهوري الانعزالي والمحافظين التقليديين واللوبيات المؤيدة لـ"إسرائيل" في ظل اقتراب الانتخابات.

ومن هنا فإن أي قراءة للاتفاق بمعزل عن هذه البيئة الاستراتيجية تكون ناقصة، لأنه يعكس إعادة توزيع للأدوار والنفوذ بين القوى الدولية والإقليمية، ويختبر قدرة الأطراف على فرض رؤيتها لمستقبل لبنان والمنطقة، وينبغي عدم النظر إليه من زاوية بنوده الإجرائية فقط، بل باعتباره وثيقة تؤسس لتحول تدريجي في طبيعة العلاقة بين الدولة اللبنانية والكيان الصهيوني.

أما على صعيد رسم مستقبل هذه العلاقة، فإن أبرز ما يستخلص من الاتفاق هو انتقال العلاقة من مفهوم "العدو" إلى مفهوم "الطرف الذي تُدار معه ترتيبات أمنية وسياسية"، فقبول الحكومة اللبنانية الدخول في تفاوض مباشر برعاية أمريكية يرسخ عملياً نمطاً من التعامل المؤسسي مع الكيان، حتى وإن لم يشكل اعترافاً دبلوماسياً صريحاً بعد. كما يكرّس الاتفاق الدور الأمريكي باعتباره المرجعية العليا، متجاوزاً اعتماد لبنان على الأمم المتحدة وحدها كما كان الحال إثر القرار 1701، بما يمنح واشنطن قدرة أكبر على التأثير في السياسات الأمنية اللبنانية. ومن النقاط الأكثر إثارة للجدل أن الاتفاق لا يجعل الانسحاب الإسرائيلي الكامل شرطاً مسبقاً لتنفيذه، بل يسمح باستمرار الترتيبات الأمنية مع بقاء قوات إسرائيلية في بعض المناطق، وهو ما يحوّل "الخط الأصفر" إلى حدود أمنية كأمر واقع دون حسم نهائي لقضايا السيادة. وبدلاً من أن يكون الانسحاب الكامل ووقف الانتهاكات المدخل الأول، يصبح التركيز على حصر السلاح بيد الدولة، بما يعيد رسم وظيفة الجيش اللبناني الذي قد يُطلب منه أن يكون الجهة الوحيدة المسؤولة عن الالتزامات الأمنية، وهو أمر قد يضعه أمام تحديات داخلية إذا تعارض مع مواقف القوى الرافضة لنزع سلاح المقاومة. وبهذا تنتقل المقاومة من كونها عنصر ردع في مواجهة الاحتلال إلى قضية أمن داخلي تتعلق بحصرية السلاح، فيما يبدو الاتفاق منسجماً مع توجه أوسع لإدماج لبنان تدريجياً في منظومة أمنية إقليمية تُدار عبر ترتيبات أمنية واقتصادية مع تقليص دور الفاعلين غير الحكوميين.

ولا يمكن تقييم الاتفاق بمعزل عن تداعياته على مستقبل الصراع، فإذا نُفذ وفق ما تدفع إليه واشنطن، فقد تحقق الحكومة الإسرائيلية هدفاً استراتيجياً يتمثل في تقليص الوجود العسكري للمقاومة جنوب الليطاني دون كلفة حرب شاملة، لكنها في المقابل ستبقى عرضة لانتقادات داخلية إذا استمر الوجود الإسرائيلي في مناطق متنازع عليها، إذ يبقى الاستقرار هشاً ما لم تُحسم قضايا الانسحاب والسيادة، فضلاً عن أن الاتفاق قد يعمّق الانقسام داخل الكيان بين من يراه تثبيتاً للأمن عبر الترتيبات الدولية ومن يعتبره تنازلاً غير مقبول. وفيما يخص مستقبل الحرب في الجنوب، تُطرح ثلاثة سيناريوهات محتملة: تهدئة طويلة الأمد إذا التُزم بالترتيبات الأمنية وعولجت القضايا العالقة، أو هدنة قابلة للانهيار إذا استمرت الخروقات الإسرائيلية، أو انتقال الصراع إلى أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية غير مباشرة. كما يطرح الاتفاق تحدياً أمام المقاومة في ما يخص تحرير الأراضي المحتلة كمزارع شبعا وتلال كفرشوبا، إذ إن بقاءها خارج السيادة الكاملة يعني أن قضية التحرير لم تنتهِ، فيما قد يجد دور المقاومة العسكري نفسه محل جدل داخلي متزايد إذا تعامل معه كإطار نهائي لإدارة الحدود. ويبقى مصير هذه الترتيبات مرتبطاً أيضاً بمسار التفاهم الأمريكي–الإيراني، فنجاح واشنطن وطهران في الحفاظ على التهدئة الإقليمية يعزز فرص استمرار الترتيبات الأمنية، بينما يهدد تعثر هذه العلاقة بإعادة لبنان إلى ساحة التنافس الإقليمي. وبشكل عام، يكشف الاتفاق عن تحول يتجاوز تنظيم الوضع الأمني إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية، بحيث يتقدم التركيز على حصرية السلاح وتوزيع الأدوار الداخلية على معالجة جذور النزاع مع الاحتلال.

ولم يقتصر الجدل المثار حول الاتفاق على بعديه السياسي والأمني، بل امتد إلى المستوى الدستوري والقانوني، حيث برزت تساؤلات حول مدى توافقه مع الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف)، وحدود صلاحية السلطة التنفيذية في إبرامه، ومدى وجوب عرضه على مجلس النواب. ويرى بعض رجال القانون أن أي اتفاق ينشئ التزامات دائمة مع الكيان يثير إشكالية دستورية استناداً إلى مقدمة الدستور التي تؤكد عربية لبنان وهويته ومبدأ الفصل بين السلطات والحريات العامة، وترفض شرعية أي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. وتمثل المادة 52 من الدستور محور الجدل القانوني، حيث تشترط موافقة مجلس الوزراء على المعاهدات الدولية وتطلع مجلس النواب عليها، وتستوجب موافقة المجلس على المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة؛ فإذا اعتُبر الاتفاق تفاهماً سياسياً مؤقتاً، فقد لا توجب الحكومة عرضه على البرلمان، أما إذا رتّب التزامات دائمة وأنشأ آليات تنفيذ مستمرة فإنه يكتسب طبيعة معاهدة دولية تستوجب مصادقة مجلس النواب. كما يرى منتقدو الاتفاق أن وثيقة الطائف رسخت مبدأ اتخاذ القرارات السيادية الكبرى جماعياً عبر المؤسسات الدستورية، بما يحول دون إبرام ترتيبات بهذا الحجم ضمن السلطة التنفيذية وحدها، فيما يثير الاتفاق أيضاً نقاشاً حول تأثيره في السيادة الكاملة إذا تضمن آليات رقابة دولية على إدارة الحدود.

وفي المحصلة، لا تكمن أهمية اتفاق الإطار في بنوده المباشرة بقدر ما تكمن في الاتجاه الذي يرسمه للمستقبل، فهو يعيد ترتيب أولويات الدولة اللبنانية، ويمنح الولايات المتحدة دوراً محورياً في الملف الأمني، ويجعل قضية سلاح المقاومة محور العملية السياسية، مع بقاء الانسحاب الإسرائيلي الكامل مسألة غير محسومة عملياً. ويبقى الجدل الدستوري بقدر الجدل السياسي أحد أهم ميادين النزاع الداخلي حول الاتفاق في المرحلة المقبلة، بحيث يشكّل هذا الاتفاق بداية انتقال تدريجي من معادلة "الأرض مقابل المقاومة" إلى معادلة "الأمن مقابل إعادة تنظيم الداخل اللبناني"، رغم أن السلطة اللبنانية ومؤيديها يرون فيه إطاراً لخفض التصعيد وتعزيز دور مؤسسات الدولة، ليبقى تقييمه النهائي مرهوناً بكيفية تنفيذه وبما إذا كان سيقترن بانسحاب إسرائيلي كامل واحترام للسيادة اللبنانية أم سيقتصر على ترتيبات أمنية مع بقاء نقاط الخلاف الجوهرية دون حل.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور