الإثنين 29 حزيران , 2026 10:22

اتفاق السلطة اللبنانية والاحتلال: شبه اجماع على محدودية القدرة على تطبيقه

منذ الإعلان عن اتفاق الإطار بين السلطة اللبنانية وكيان الاحتلال، بدا واضحاً أن مستوى الحماسة تجاهه لم يكن متساوياً بين الطرفين. فبينما سارع المسؤولون الإسرائيليون وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى تقديم الاتفاق باعتباره إنجازاً أمنياً وسياسياً، كان الشعب اللبناني بغالبيته يجمع على أنه أسوأ ما مر على لبنان حتى في أحلك ظروفه، في سنوات الاحتلال الأولى التي زرعت فيها إسرائيل في المنطقة كغدة سرطانية، مؤكدين أنها الجهة الوحيدة التي حققت المكاسب الفعلية من هذه التفاهمات، ومشككين بقدرة الاتفاق على الصمود أمام الوقائع السياسية والعسكرية القائمة.

كما كان من اللافت أيضاً أن معظم القراءات الإسرائيلية المؤيدة للاتفاق لم تتعامل معه باعتباره خطوة نحو "سلام دائم" أو تسوية نهائية، وإنما باعتباره أداة لتقييد البيئة العملياتية للمقاومة وإعادة صياغة قواعد الاشتباك بما يخدم المصالح الأمنية الإسرائيلية. ظهرت هذه النقطة بوضوح في مواقف عدد من المعلقين الإسرائيليين الذين اعتبروا أن الاتفاق لا يقدم حلاً "لمسألة حزب الله" ولا ينهي التهديد الذي يمثله بالنسبة إلى كيان الاحتلال.

عبّر تمير مورغ من القناة 14 عن هذه الفكرة بصورة صريحة عندما أقر بأن الاتفاق لا يعالج مشكلة إعادة تعاظم قوة حزب الله، وأن "إسرائيل" قد تضطر مستقبلاً إلى تجاوز التفاهمات والعودة إلى العمل العسكري لمنع تطور قدرات المقاومة. تكمن أهمية هذا التصريح بأنه يكشف أن الجانب الإسرائيلي نفسه لا يتعامل مع الاتفاق باعتباره إطاراً نهائياً أو ملزماً على المدى البعيد. وإذا كانت الجهة التي تدفع نحو الاتفاق تتحدث منذ اليوم الأول عن إمكانية تجاوزه لاحقاً، فإن ذلك يطرح أسئلة جوهرية حول قيمته الفعلية بالنسبة للبنان، وكيف ستستطيع السلطة تسويقه "للجمهور اللبناني" بكل ما يحمله من بنود تأتي بمزيد من القتل والدمار تحت وطأة الاحتلال.

وينسحب الأمر نفسه على ألموغ بوكير من القناة 12 الذي أكد أن حزب الله لن يتخلى عن سلاحه وأن الدولة اللبنانية لا تملك القدرة على تفكيكه.

في الداخل اللبناني، جاءت المواقف الرافضة للاتفاق أكثر وضوحاً. رئيس مجلس النواب نبيه بري أعلن أن الاتفاق سيسقط كما سقط اتفاق 17 أيار، مستحضراً تجربة تاريخية ارتبطت بمحاولة فرض ترتيبات سياسية وأمنية لم تستطع الصمود أمام الرفض الشعبي والسياسي. ويعكس هذا الموقف قناعة بأن أي تفاهم يتجاهل حقائق الساحة اللبنانية أو يتجاوز أولوياتها الوطنية لن يتمكن من الاستمرار.

وتزداد الانتقادات حول موقع السلطة الحالية وحجم الغطاء السياسي الذي تستند إليه، اذ أن من يرى بالاتفاق ورقة عادلة هم قلة تقتصر على اليمين المسيحي فقط، بينما تجمع كافة الأطياف الأخرى على رفضه، وسط اجماع لبناني يرى بوصول الرئيس جوزيف عون إلى الرئاسة أنه جاء نتيجة ضغوط وتفاهمات خارجية. وبالتالي، فإن قدرة هذه السلطة على تمرير قرارات استراتيجية تمس ملفات شديدة الحساسية تتصل بالمقاومة والصراع مع كيان الاحتلال، تكاد تكون شبه معدومة، وخاصة وأنها ارتضت على نفسها بأن تكون مجرد "ختم" على الورقة الاسرائيلية، لا دور لها غير الموافقة دون نقاش.

في المقابل، ونتيجة  التجربة الممتدة منذ عقود والتي تشير إلى أن كل جولة مواجهة كانت تدفع المقاومة إلى إعادة تنظيم صفوفها وترميم قدراتها وتطوير أدواتها العسكرية، يدرك هؤلاء أن فرضية نزع سلاح حزب الله بعيدة عن الواقع. ومن هذا المنظور، يُنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها فترة إعادة تموضع واستعداد لجولات مقبلة قد تفرضها التطورات الإقليمية أو استمرار الاحتلال للأراضي اللبنانية.

لهذا السبب، فإن الرهان على تغيير المعادلات القائمة عبر وثيقة سياسية يفتقر إلى أي أسس واقعية، فالصراع لم ينتهِ، والأهداف المعلنة للمقاومة ما زالت قائمة، وفي مقدمتها تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة. أما كيان الاحتلال، الذي ما زال ينظر إلى الاتفاق من زاوية مصالحه الأمنية الخاصة، فيدرك بدوره أن التفاهمات الحالية لن تقدم له شيئاً من سلطة لا تملك قدرة على فرض أي الوقائع على الارض سوى التحريض على الفتنة التي ينبذها أهل الأرض.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور