انتهت الحرب بنتيجة منحت إيران مكاسب استراتيجية وسياسية، وفتحت مذكرة التفاهم الباب أمام تعافي قدراتها مستقبلاً. بحسب مقال نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
ويعتبر أن واشنطن تراجعت عن خيار المواجهة الطويلة بسبب كلفة الحرب ومخاطرها على الطاقة العالمية، ما منح طهران نفوذاً أكبر في الخليج وملف لبنان.
ويخلص المقال إلى أن إدارة ترامب انتهت إلى سياسة شبيهة بسياسات الإدارات الأميركية السابقة، القائمة على محاولة "استمالة إيران بالحوافز".
النص المترجم:
تُقاس الحروب بكيفية انتهائها، لا بالنجاحات التي تتحقق على طول الطريق. لقد فعل الرئيس ترامب ما هو أكثر من أسلافه لشلّ البنية النووية الإيرانية، لكن ذلك قد لا يكون ذا أهمية. فمذكرة التفاهم تمهّد الطريق لإحياء البرنامج النووي في نهاية المطاف، لأن ما جرى تدميره يمكن إعادة بنائه ما دام النفط يتدفق، وما دامت شبكة الاستيراد الإيرانية "غير المشروعة" للمواد ذات الاستخدام المزدوج لا تزال تعمل، وما دام الفشل الأميركي والإسرائيلي في اختراق اليقظة الإيرانية مستمرًا.
إن خاتمة هذه الحرب ــ الخوف من إلحاق الضرر بالبنية التحتية للطاقة في دول الخليج العربية، وتراجع احتياطيات النفط العالمية، والأهم من ذلك رفض واشنطن السيطرة على مضيق هرمز والاحتفاظ به ــ ستقف عائقًا أمام عودة نزعة ترامب الحربية في وقت لاحق. فأي انتصار أميركي الآن سيتطلب من ترامب التزامًا عسكريًا، مع ما يرافقه من خسائر أميركية وعربية، وفرض حصار على إيران للمدة اللازمة. غير أن السياسة الأميركية، إن لم يكن مزاج الرئيس نفسه، تقف ضد هذه الجرأة.
ستعمل طهران عمدًا على "تعطيل" وقف إطلاق النار لإظهار تردد واشنطن. وقد تغلق المضيق ثم تعيد فتحه للضغط على خصومها، كما فعلت مؤخرًا في لبنان. ومن المرجح أن يكون الاتفاق مفيدًا إلى درجة يستحيل معها إفشاله بالكامل، لكن يمكن توسيع حدوده. فالأميركيون، الذين يعتقدون عادة أن العالم يدور حول الاقتصاد، يسيئون باستمرار فهم الكيفية التي يتعامل بها الثوريون مع الاضطرابات خصوصا مع اعتقاد قادة طهران بأنهم انتصروا.
ستكون الكيفية التي يُرجَّح أن تكسب بها إيران الحرب شهادةً على دهاء النظام الإيراني وقسوته وإصراره. فقد صيغت العقيدة الاستراتيجية المتطورة للجمهورية الإسلامية أولًا في الداخل. وتركت حرب الاثني عشر يومًا في العام الماضي النظام ببرنامج نووي مدفون تحت الأنقاض. ومن الواضح أن هذا النظام النظام، من قمته إلى قاعدته، سيقاوم بشراسة أي محاولة لإكراهه.
بعد نقل هذه العقيدة إلى الخارج، أُطلق على النهج الإيراني الجديد اسم «الردع الهجومي». وردًا على حملة القصف الأميركية - الإسرائيلية الواسعة، وسّع النظام رقعة الصراع، مستهدفًا دول الخليج ومغلقًا المضيق. وأظهرت إيران قدرًا ضئيلًا من الاهتمام بمصالح الصين في مجال الطاقة، وهي الحليف من القوى الكبرى الذي كان يُعتقد في السابق أنه قادر على فرض قيود على الجمهورية الإسلامية.
لقد بدأت الجزية تتدفق بالفعل. وحتى قبل أن تبدأ المفاوضات النووية، رفعت واشنطن القيود المفروضة على مبيعات النفط الإيرانية لمدة ستين يومًا. ولهذه السياسة النقدية المباشرة بُعد إقليمي. وتنص مذكرة التفاهم على ما يلي: «ستجري الجمهورية الإسلامية الإيرانية حوارًا مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، وذلك بالتشاور مع سائر الدول المطلة على الخليج الفارسي، بما يتوافق مع أحكام القانون الدولي والحقوق السيادية للدول الساحلية المطلة على مضيق هرمز.»
أما الممالك الخليجية السنية، التي اعتمدت دائمًا على الغرب لدرء تهديدات جيرانها، فقد أصبح مطلوبًا منها التكيف مع الإيرانيين.
وقد أوضحت صحيفة «جوان»، الناطقة باسم الحرس الثوري الإسلامي، معالم النظام الجديد، فكتبت في 15 يونيو: «في الساحة الإقليمية، أصبح واضحًا للدول المجاورة أنه لم يعد أمامها خيار سوى الانخراط بإيجابية وبنّاءة مع إيران. ومن الآن فصاعدًا، سيتأثر الخليج الفارسي بترتيبات سياسية وأمنية تتمحور حول إيران.»
وهذا يعني أن دول الخليج ستدفع ثمن الحماية، كما ستدير سياستها الخارجية بطريقة تتوافق مع تفضيلات طهران.
وطوال هذه العملية، أثبت النظام الإيراني وفاءه لحليفه حزب الله، عبر إدراج لبنان في اتفاقه مع واشنطن. وإذا مُنح السلام فرصة للاستمرار، فمن المرجح أن يعيد حزب الله بناء ترسانته ويعيد نشر قواته في الجنوب. ومن علامات هذا العصر أن نائبًا للرئيس الأميركي يهدد حليفًا مخلصًا لواشنطن بسبب استهدافه منظمة إرهابية مصممة على تدميره.
ومن البنود التي تبعث على الإحباط في الاتفاق ما جاء فيه: «تتعهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة باحترام سيادة كل منهما وسلامة أراضيه، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر.»
جميع "الحكومات الاستبدادية" تسعى إلى نيل مثل هذا الاعتراف من الديمقراطيات الغربية. ولا بد أن اعتراف ترامب هذا كان مُرضيًا بصورة خاصة لطهران، بعدما دعا بثقة إلى تغيير النظام قبل خمسة أشهر.
ولعل الأكثر إضرارًا بترامب أنه فقد أهم عناصر قوته، وهو عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته. فقد تجاوز الخطوط التي لم يجرؤ الرؤساء السابقون على تجاوزها، ليجد نفسه في النهاية حيث كانوا جميعًا منذ البداية: مجرد سياسي أميركي آخر يأمل في دفع النظام الإيراني نحو البراغماتية عبر إغرائه بالمكاسب المالية. وتتحدث إدارته الآن عن المتشددين والبراغماتيين داخل النظام الإيراني كما لو أنها قادرة على اكتشاف الانقسامات فيه واستغلالها لمصلحتها. لقد كان ذلك الوهم، منذ رئاسة جيمي كارتر، يراود رجال الدولة الأميركيين.
لقد حققت الجمهورية الإسلامية ما لم يكن الشاه محمد رضا بهلوي يحلم إلا به، وهو السيطرة الفعلية على الخليج. فقد كان الشاه يريد أن يتولى حماية الممر المائي لإثبات حسن نيته تجاه الغرب. أما الجمهورية الإسلامية، فتنوي إثبات العكس، وهو أن الغرب قد انكسر أخيرًا.
المصدر: وول ستريت جورنال
الكاتب: رويل مارك غيرشت وراي تقيّه