الإثنين 29 حزيران , 2026 04:11

"اتفاق الإطار" في واشنطن: بين أوهام السيادة وحقائق الإملاء السياسي

اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي

ليس من الصعب على أي متابع للشأن اللبناني أن يلحظ حجم احتفال "السلطة اللبنانية" بما سُمّي "اتفاق الإطار" الذي خرج من واشنطن برعاية أميركية مباشرة. لكنّ المشكلة لا تكمن في الاحتفال بحد ذاته، بل في محاولة تحويل وثيقة سياسية وأمنية شديدة الانحياز إلى ما يشبه "إعلان استعادة السيادة"، فيما تكشف بنودها ومسار ولادتها أنّ لبنان انتقل من موقع السلطة التي تفاوض على إنهاء الاحتلال إلى موقع السلطة التي تفاوض على شروط بقائه؛ لذلك صنف بأنه اتفاق "ميت قبل أن يولد".

في الشكل، قيل إن الاتفاق يهدف إلى وقف النار وإعادة انتشار القوات "الإسرائيلية" وتمكين الجيش اللبناني من بسط سلطته. وفي الجوهر، تبدو الصورة معكوسة تماماً: إعادة الانتشار مشروطة، ووقف الأعمال العسكرية مؤجل، والإعمار معلّق على "التحقق"، فيما تُمنح "إسرائيل" حق تقييم أداء السلطة اللبنانية والجيش اللبناني، وتُربط كل خطوة سياسية أو اقتصادية أو أمنية بموافقة أميركية – "إسرائيلية" ضمنية أو صريحة.

المفارقة أنّ السلطة اللبنانية سوّقت الاتفاق باعتباره انتصاراً لفكرة "السيادة اللبنانية" في مواجهة أي تدخل خارجي، لكنها وقّعت عملياً على آلية تجعل القرار الأمني والاقتصادي اللبناني خاضعاً لرقابة خارجية مستدامة. فحين تصبح المساعدات، والإعمار، وانتشار الجيش، ووقف الاعتداءات، والانسحاب "الإسرائيلي"، جميعها مرتبطة بمراحل أداء قابلة للتحقق وفق معايير يضعها الأميركي ويقيّمها "الإسرائيلي"، فأي سيادة بقيت سوى السيادة على الخطاب الإعلامي؟

لهذا السبب، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينطلق من عدد البنود أو من الصياغات القانونية التي احتواها الاتفاق، بل من السؤال المركزي: من الذي يحتاج هذا الاتفاق أكثر؟ لبنان أم "إسرائيل"؟

من وقف الحرب إلى إدارة شروطها

الإجابة لا تبدو معقدة. فقبل أسابيع قليلة، بدا أنّ مساراً مختلفاً قد فُتح عبر التفاهم الإيراني – الأميركي الذي أُنجز بوساطات إقليمية ودولية، والذي وضع وقف الحرب على لبنان في مقدمة أولوياته وربط الانسحاب "الإسرائيلي" بمهلة زمنية محددة. يومها، لم يكن النقاش يدور حول نزع السلاح أولاً ثم الانسحاب، بل حول وقف النار والانسحاب بوصفهما مدخلاً لأي نقاش لاحق.

هنا تحديداً يمكن فهم الاستعجال الأميركي لإنتاج "اتفاق الإطار". فالمطلوب لم يكن فقط فتح قناة تفاوض لبنانية – "إسرائيلية"، بل إعادة تعريف المشكلة نفسها: لم تعد المشكلة احتلالاً يجب إنهاؤه، بل "سلاحاً يجب نزعه" قبل أي انسحاب. ومن هذه النقطة يبدأ التحول الخطير في موقع لبنان التفاوضي.

"إسرائيل" لم تُخفِ ذلك. تصريحات مسؤوليها، من يحيئيل لايتر إلى بنيامين نتنياهو، جاءت أكثر وضوحاً من النصوص الدبلوماسية نفسها: البقاء في المنطقة الأمنية، ربط أي انسحاب بنزع سلاح حزب الله، ومنح الجيش اللبناني صلاحيات تدريجية تحت عين الرقابة "الإسرائيلية". أي أنّ الاتفاق، بالنسبة إلى تل أبيب، ليس طريقاً إلى الانسحاب، بل إطاراً لإدارة احتلال منخفض الكلفة ومفتوح الزمن.

"التحقق": الكلمة التي تبتلع الاتفاق كله

يمكن اختصار جوهر الوثيقة بكلمة واحدة: "التحقق". فـ"إسرائيل" لا تلتزم بموعد انسحاب، ولا بوقف فوري للاعتداءات، ولا بإنهاء وجودها العسكري. كل ذلك مؤجل إلى حين التحقق من تنفيذ لبنان التزاماته الأمنية.

والسؤال البديهي: من يتحقق؟ النصوص والتصريحات اللاحقة تجيب بوضوح: الولايات المتحدة و"إسرائيل". أي أنّ السلطة اللبنانية مطالبة بتنفيذ سلسلة طويلة من الإجراءات الأمنية والسياسية، فيما يحتفظ الطرف الآخر بحق الحكم على نجاحها أو فشلها.

هذا ليس تفصيلاً تقنياً. إنه قلب المعادلة. فالاحتلال يتحول من عبء على "إسرائيل" إلى أداة ضغط دائمة على لبنان. وكلما تعثّر تنفيذ بند أمني، يُؤجَّل الانسحاب. وكلما تأخر "التحقق"، تأخر الإعمار وعودة السكان. وهكذا يصبح الجنوب اللبناني رهينة مسار تفاوضي لا نهاية واضحة له.

الاعتراف المجاني والتطبيع المؤجل

الأخطر في الوثيقة ليس فقط بعدها الأمني، بل ما تفتحه سياسياً. فالنصوص المتعلقة بـ"إنهاء النزاع" و"العيش بسلام" و"المسارات المباشرة والمستمرة" تتجاوز بكثير فكرة تثبيت وقف النار. إنها تؤسس لمسار تفاوض سياسي مفتوح ينتهي، عملياً، إلى تطبيع كامل للعلاقات.

ولأنّ الأمر يُدرك حساسيته في الداخل اللبناني، جرى تغليفه بعنوان "السلام والأمن" لا بعنوان "السلام والتطبيع". لكن إنشاء مجموعات عمل لاتفاق شامل، وفتح قنوات تواصل مباشرة، وتقييد لبنان في المحافل الدولية، كلها مؤشرات إلى أن الوثيقة ليست اتفاقاً أمنياً مرحلياً بل بوابة سياسية طويلة الأمد.

هنا يفقد لبنان أيضاً ورقة قانونية أساسية. فالتعهد بوقف الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل الدولية يعني عملياً تجميد ملاحقة "إسرائيل" على جرائم الحرب والدمار والتعويضات، وتحويل ملف العدالة إلى بند مؤجل باسم "إنجاح الاتفاق".

أوهام "احتكار القوة"

ثمة محاولة واضحة لتقديم الاتفاق باعتباره خطوة نحو بناء الدولة واحتكارها للسلاح. لكن السؤال الذي يتجنب الجميع الإجابة عنه: هل تملك السلطة اللبنانية القدرة الفعلية على تنفيذ الالتزامات التي وقّعت عليها؟

الواقع اللبناني يقول العكس؛ فالمقاومة ليست تنظيماً هامشياً يمكن تفكيكه بقرار إداري أو بضغط مالي، بل مكوّن سياسي في الدولة اللبنانية وشعبي وعسكري يمتلك حضوراً عميقاً في بيئته وفي معادلة الردع التي تشكلت منذ عقود. لذلك يدرك "الإسرائيلي" مسبقاً أنّ الشروط الموضوعة صعبة التحقيق، وربما غير قابلة للتحقيق، ما يمنحه ذريعة دائمة للإبقاء على احتلاله واعتداءاته.

ومن هنا تبدو المفارقة الأكثر قسوة: السلطة وقّعت التزامات قد لا تستطيع تنفيذها، فيما الطرف الآخر بنى استراتيجيته على هذا العجز نفسه.

واشنطن و"الهجوم المرتد" على التفاهمات

الخطأ في قراءة ما جرى أنه يُختزل في تفاوض لبناني – "إسرائيلي"؛ فالاتفاق جزء من صراع أوسع داخل واشنطن وحولها بشأن التفاهم مع إيران. فالفريق المعارض للمسار التفاوضي رأى في مذكرة التفاهم الإيرانية – الأميركية تنازلاً عن أهداف الحرب، فسعى إلى انتزاع الورقة اللبنانية من يد طهران عبر "فصل المسارين".

لهذا جاء اتفاق واشنطن كأنه "هجوم مرتد" على تفاهمات إسلام آباد وبورغنشتوك: إعادة إدخال ملف السلاح، وإعادة تعريف السيادة، وتحويل لبنان إلى ساحة اختبار لحدود النفوذ الإيراني بعد الحرب.

لكن المشكلة أنّ السلطة اللبنانية دخلت هذا الاشتباك من دون امتلاك استراتيجية تفاوضية مستقلة. فبدلاً من استخدام التفاهمات الدولية للضغط من أجل انسحاب غير مشروط، ذهب إلى تفاوض مباشر على شروط الانسحاب نفسه.

في النهاية؛ قد ينجح الاتفاق في إنتاج فترة هدوء نسبي، وقد يؤجل جولة جديدة من الحرب، لكنه لا يقدم جواباً عن الأسئلة الأساسية: متى ينسحب الاحتلال؟ من يضمن عدم عودة الاعتداءات؟ ما مصير القرى المدمرة؟ وما حدود السيادة اللبنانية إذا بقي القرار الأمني خاضعاً لرقابة الخارج؟

الجواب غير موجود في النصوص، لأن الاتفاق لم يُصغ أساساً لحل هذه المعضلات، بل لإدارة التوازنات التي أعقبت الحرب ومنح "إسرائيل" وقتاً ومساحة لإعادة ترتيب موقعها.

لهذا، تبدو عبارة "أوهام السيادة" أكثر دقة من كل العناوين الاحتفالية. فالسيادة لا تُختزل بعدد المرات التي تُذكر فيها الكلمة في البيانات الرسمية، بل بقدرة الدولة على فرض انسحاب المحتل من دون إذن منه، وعلى حماية قرارها الوطني من الإملاء الخارجي، وعلى امتلاك أدوات القوة التي تجعل التفاوض وسيلة لتحصيل الحقوق لا وسيلة لإعادة تعريفها.

لذلك، لا يبدو أن "اتفاق الإطار" منح لبنان سيادة إضافية، بقدر ما منح واشنطن وتل أبيب إطاراً جديداً لإدارة السيادة اللبنانية نفسها.


الكاتب:

د.محمد الأيوبي

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]




روزنامة المحور