الإثنين 29 حزيران , 2026 04:14

دبلوماسية المخالب وصكوك الانتداب

أعلام الكيان الإسرائيلي ولبنان وإيران وأميركا

تُعلمنا المدارس الاستراتيجية الكبرى في العلوم السياسية والحروب أن الاتفاقيات الدولية لا تُكتب بنوايا الدبلوماسيين، بل بصليل موازين القوى على الأرض. وحينما تعيش المنطقة مخاض صياغة توازنات جديدة، يتجلّى أمام الباحث مشهدان متناقضان بحدّة: المشهد الأول تقوده الجمهورية الإسلامية في إيران، والتي أدارت مؤخراً عبر قناة (فانس - قطر - باكستان) مناورة استراتيجية بالغة التعقيد حمت فيها سيادتها وعمقها الإقليمي؛ والمشهد الثاني يتبدّى في المذكرة الثلاثية (الأميركية - الإسرائيلية - اللبنانية) التي أُقرّت، حيث اندفعت السلطة اللبنانية بفريقها المفاوض نحو توقيع وثيقة إذعان تفرّط طوعاً بسيادة البلاد وبحقوق أهل لبنان عمومًا وأهل الجنوب خصوصًا.

فيما يلي، نضع بين أيديكم قراءة تحليلية ونقدية، محاولين من خلالها تحديد الفروق الجوهرية بين منطق الاقتدار الحامي للحلفاء، ومنطق التخاذل المفرّط بالحقوق الوطنية.

١. مذكرة المفاوضات الأميركية - الإيرانية

أدارت طهران تفاوضها الأخير مع إدارة (فانس) عبر باكستان كراعٍ قانوني لمصالحها، وقطر كوسيط سياسي لوجستي. هذا المثلث مكّن المفاوض الإيراني من صياغة مذكرة متسلسلة البنود، فرضت فيها طهران شروطها السيادية.

أ. السقوف التقنية المشروطة وحظر التفكيك البنيوي النووي

ينص هذا البند تحديد مستويات مؤقتة لتخصيب اليورانيوم وحجم المخزون المسموح به، مع الالتزام القانوني الكامل ببقاء البنية التحتية للمفاعلات وأجهزة الطرد المركزي المتقدمة دون إتلاف أو تفكيك.

وقد رفضت طهران منطق الإلغاء الغربي؛ فالنص ثبّت قدرتها التكنولوجية كأمر واقع، وحوّل المعرفة النووية إلى أداة ردع سياسي واقتصادي مستدامة، مجبرةً إدارة (فانس) على الاعتراف بحقوق إيران كموقع قوة لا ضعف.

ب. الرقابة التقنية المحصورة وحظر الانكشاف العسكري

هذا البند يسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول الحصري، وبجدولة مسبقة، للمنشآت النووية المدنية المعلنة فقط، بموجب معايير البروتوكول الإضافي.

استراتيجيًّا، وضع المفاوض الإيراني جداراً قانونياً صلباً يمنع تحويل لجان التفتيش إلى أدوات استخباراتية لأميركا و"إسرائيل". فالنص يحظر قطعيًّا دخول أي موقع عسكري تقليدي أو منشأة صاروخية، صوناً للأسرار الدفاعية القومية.

ج. الإلغاء الشامل الفوري للعقوبات وتسييل الأصول

تلتزم الولايات المتحدة برفع القيود المصرفية والتجارية المفروضة على قطاعات الطاقة الإيرانية، والتحرير الفوري لكافة الأموال والأصول المحتجزة في الخارج عبر القنوات القطرية المعتمَدة.

وقد فرضت إيران معادلة "التحقق المسبق"؛ فلا خطوة تقنية إيرانية تقابلها وعود ورقية أميركية، بل اختبار ملموس لحرية المعاملات المالية أولاً، مما يعكس ندية قانونية واقتصادية نادرة.

د. الفيتو الصارم على الملف الإقليمي (حصانة لبنان والمقاومة)

نصّ هذا البند على حصر نطاق الاتفاق في الأطر النووية التقنية، وإسقاط أي محاولة أميركية لربط التفاهمات بالنفوذ الإقليمي لطهران أو بسلاح ومنظومات حلفائها في المنطقة. هنا، يتجلى الحرص الإيراني المطلق على المصالح والسيادة اللبنانية. رغم الضغوط الهائلة التي مارستها واشنطن لإجبار طهران على مقايضة ملف حلفائها في لبنان بامتيازات اقتصادية. وقد فرضت القيادة الإيرانية "فيتو" صارماً رفض الدخول في أي بازار مساومة على سلاح المقاومة، معتبرةً أمن بيروت والجنوب خطاً أحمر لا يمكن المساس به.

ه. آلية حل النزاعات بالتكافؤ القانوني المطلق

ويقضي هذا البند تأسيس لجنة فض نزاعات مشتركة تمتلك فيها إيران حق النقض (Veto) المتساوي، وبنداً يتيح لطهران العودة الفورية للتخصيب عالي المستوى في حال أخلّت واشنطن بأي التزام.

وبالتالي، فرضت إيران صياغة نصية مانعة للاستفراد الأميركي، حيث لا توجد سلطة عليا لطرف ثالث، مما يحفظ كرامة الدولة الموقّعة ويمنحها اليد العليا قانونياً وميدانياً.

٢. المذكرة الثلاثية (اللبنانية - الإسرائيلية - الأميركية)

على المقلب الآخر، جاءت بنود المذكرة الثلاثية التي وقّعتها السلطة اللبنانية لتمثل نموذجاً صارخاً للتخاذل وتبديد عناصر القوة الوطنية، حيث حمل كل بند في طياته تنازلاً بنيوياً عن السيادة وحقوق الجنوبيين:

أ. الوقف الفوري للأعمال الحربية دون كلفة على الاحتلال

وينص على التزام الأطراف بوقف كامل وفوري لكافة العمليات العسكرية والهجومية عبر الحدود البرية والبحرية والجوية.

وقد وافق الفريق اللبناني على صياغة لفض الاشتباك تُعفي العدو الإسرائيلي من أي تبعات قانونية أو التزامات مالية لإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب الصهيونية في الجنوب، مما يمثل تخلّياً رسمياً عن حقوق المواطنين الجنوبيين في التعويض والعدالة.

ب. جدول انسحاب قوات الاحتلال (مهلة الـ 60 يوماً)

ويقضي بانسحاب تدريجي ومجدول للقوات الإسرائيلية من النقاط التي توغلت فيها في جنوب لبنان خلال مدة أقصاها ستون يوماً من تاريخ توقيع الاتفاق.

تنازل الفريق اللبناني وقبِل ببقاء جيش الاحتلال جاثماً فوق القرى والبلدات الحدودية لشهرين كاملين تحت مظلة الاتفاق، مما حرم أهالي الجنوب من حقهم في العودة الفورية والآمنة إلى أرضهم، ومنح العدو فرصة ميدانية لاستكمال عمليات التفخيخ الجغرافي.

ج. نزع السلاح الدفاعي جنوب نهر الليطاني

وهو بند ينص على حظر وجود أي قوة مسلحة، أو معدات عسكرية، أو منشآت تسليحية في المنطقة المحصورة بين نهر الليطاني والحدود الدولية، باستثناء الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل.

وفي هذا الإطار عمدت السلطة اللبنانية على تفكيك معادلة الردع الشعبية طوعاً، حيث وافقت على تجريد أبناء الجنوب من وسائل دفاعهم الذاتي المشروع ضد الأطماع الإسرائيلية التاريخية، وتحويل قراهم إلى منطقة عازلة أمنياً لخدمة مستوطنات الشمال الصهيوني دون شروط مقابلة عبر الحدود.

د. التزام الدولة بتفكيك البنية التحتية للمقاومة

تتعهد السلطات الأمنية والعسكرية اللبنانية بالمسح الشامل وتفكيك كافة المخازن، والأنفاق، والمنشآت العسكرية التابعة لأي مجموعات غير رسمية في النطاق الجغرافي المحدد.

مما يعني تحويل الأجهزة الأمنية الوطنية، بموجب هذا النص، إلى أدوات تنفيذية تخدم متطلبات الأمن الإسرائيلي، ومصادرة أوراق القوة التي منعت العدو تاريخياً من استباحة العمق اللبناني.

ه. تسليم القرار الأمني للجنة المراقبة برئاسة أميركية

يتيح هذا البند بتشكيل لجنة دولية عليا للإشراف والتحقق من تطبيق البنود السابقة، تُمنح رئاستها المباشرة للولايات المتحدة الأميركية وعضوية أطراف غربية ومحلية.

هذا البند يمثل التنازل الأبشع عن السيادة الوطنية؛ حيث قبِلت السلطة اللبنانية بوضع أمنها الداخلي وقراها الحدودية تحت وصاية سياسية وأمنية مباشرة من واشنطن — الداعم العسكري والممول الأول للكيان الغاصب — مما يجعل الحكَم والجلاد طرفاً واحداً.

و. شرعنة التدخل العسكري والخرق الوشيك

الإقرار بحق العدو في اتخاذ إجراءات عسكرية عملياتية داخل الأراضي اللبنانية للدفاع عن نفسها (بحسب زعمها)، في حال عجزت اللجنة الدولية أو القوات اللبنانية عن معالجة ما يوصف بـ "الخرق الأمني الوشيك".

وهنا يتجلّى التنازل المطلق والعلني عن أقدس حقوق الدولة؛ فقد وافق المفاوض اللبناني على منح الاحتلال الإسرائيلي "رخصة قانونية دولية" لخرق الأجواء وقصف الأراضي اللبنانية ساعة يشاء وتحت ذرائع استخباراتية واهية، مما يسقط هيبة الجيش والسيادة الوطنية بالكامل.

ز. الحصار العسكري المقنع والرقابة على المرافئ والمعابر

لقد نصت المذكرة على فرض قيود صارمة وتفتيش دقيق لكافة المعابر البرية والموانئ البحرية والمطارات اللبنانية، لمنع دخول أي أسلحة أو مواد مزدوجة الاستخدام لأي جهة خارج إطار الدولة.

وإنّ قبول السلطة لهذا البند يُرهن القرارات السيادية والاقتصادية اللبنانية لإملاءات لجان المراقبة الأميركية، مما يحرم لبنان مستقبلاً من تطوير ترسانته الدفاعية الوطنية أو استيراد منظومات دفاع جوي قد تكسر التفوق العسكري أو التقني للعدو الإسرائيلي.

ح. ترحيل النقاط الـ 13 ومزارع شبعا لأجل غير مسمى

الالتزام بعقد مفاوضات لاحقة وغير مقيدة بسقف زمني لحسم النقاط البرية الـ 13 المتنازع عليها على طول الخط الأزرق، بما فيها الغجر ومزارع شبعا.

وهنا وقع فريق السلطة اللبنانية في فخ تفاوضي كلاسيكي؛ حيث قدّم التنازلات الأمنية الفادحة والفورية (البنود 3 و4 و5 و6) مقابل مجرد "وعود لاهثة" بالتفاوض على أراضٍ محتلة، مفرّطاً بالحقوق الترابية الموثقة قانونياً.

٣. القراءة التحليلية المقارنة للفروقات الجوهرية بين النهجين

عند إزاحة القشور الدبلوماسية ووضع النصوص والنهجين وجهاً لوجه في ميزان التحليل السياسي الصارم، تتكشف الهوة السحيقة بين عقلية الاقتدار وحماية الحلفاء التي مثّلتها طهران، وعقلية التخاذل والارتهان التي سقطت فيها السلطة اللبنانية. ويمكن تفنيد هذه الفروقات الجوهرية من خلال خمسة محاور بنيوية:

أ. فلسفة لغة النص وصياغة الالتزامات القانونية

في النهج الإيراني، تأسس النص التفاوضي على قاعدة الندّية القانونية المطلقة، حيث صيغت البنود بلغة تبادلية صارمة تحكمها معادلة "خطوة ملموسة مقابل خطوة مقابلة" (Action for Action). فلم يقبل المفاوض الإيراني بأي صيغة إلزام أحادية، بل جعل التراجع الأميركي في ملف العقوبات شرطاً متزامناً ومقاساً بدقة مع أي إجراء تقني مؤقت.

أمّا في نهج السلطة اللبنانية، فقد جاءت لغة المذكرة الثلاثية غارقة في صياغات الإذعان أحادية الجانب؛ حيث يلحظ القارئ تكرار عبارات مثل "يتعهد الجانب اللبناني..." و"تلتزم السلطات اللبنانية..."، في مقابل نصوص فضفاضة وغامضة للجانب الإسرائيلي، مما حوّل الوثيقة من اتفاقية دولية بين طرفين إلى كشف حساب بالتنازلات المطلوبة من طرف واحد.

ب. مفهوم السيادة القومية والوصاية الأمنية

فرضت طهران حظراً قانونياً قاطعاً يمنع المساس بسيادتها الداخلية (حصانة مطلقة)؛ حيث نص الاتفاق على منع لجان التفتيش الدولية من تجاوز الحدود التقنية للمنشآت المدنية المعلنة، وحرمت واشنطن من أي فرصة لانتهاك حرمة القواعد العسكرية التقليدية، حاميةً بذلك أمنها القومي من أي اختراق استخباراتي.

أمّا السلطة اللبنانية فوقّعت على بند يشيرإلى تدويل أمنها الداخلي عبر القبول بلجنة مراقبة ذات أنياب برئاسة الولايات المتحدة (وصاية معلنة). هذا النص منح جهات خارجية صلاحيات التفتيش، والمراقبة، والتحكم في المعابر والمرافئ، صامًّا الآذان عن حقيقة أن تسليم مفاتيح الأمن لوسيط ينحاز دائمًا لصالح العدو هو تنازل صريح عن أقدس واهب للسيادة الوطنية.

ج. التعاطي الاستراتيجي مع أوراق القوة والردع

تمسكت طهران ببرنامجها الصاروخي البالستي وقدراتها الدفاعية باعتبارها خطوطاً حمراء غير قابلة للنقاش أو الإدراج على الطاولة (تراكم واستثمار). لقد وعى المفاوض الإيراني أن قوته العسكرية هي الضمانة الوحيدة لتنفيذ الاتفاق النووي نفسه، فرفض تقديم أي تنازل دفاعي، بل وظّف القفاز الدبلوماسي (القطري-الباكستاني) لتحصين هذه القوة.

في المقابل، اندفعت السلطة اللبنانية نحو الموافقة على تفكيك مجاني لبنية المقاومة التحتية ونزع سلاح مناطق شاسعة في الجنوب. هذا التبديد المجاني لعناصر القوة الوطنية تم دون انتزاع أي ضمانات أمنية حقيقية تحمي البلاد مستقبلاً، مما يعني هندسة نصوص تضمن راحة مستوطنات العدو وتترك القرى اللبنانية مجردة من درعها الردعي.

د. حماية ظهر الحلفاء وصون حقوق المواطنين

لقد تجلّى الوفاء السياسي لطهران في فرضها "فيتو" حاسم وصارم رفض بالكلية المطالب الأميركية بربط التفاهمات بملف حلفاء المحور. رفضت إيران مقايضة سلاح المقاومة في لبنان أو تقديم أي تنازل يتيح لإدارة (فانس) الاستفراد بالساحة اللبنانية، مشكلةً بذلك شبكة أمان كبرى لحماية كرامة وسيادة لبنان إقليمياً ودولياً.

بينما أسقطت السلطة اللبنانية حقوق مواطنيها في الجنوب (تخلٍّ وتفريط)؛ فقَبِلت ببقاء جيش الاحتلال على الأرض لمدة 60 يوماً، والأخطر من ذلك هو موافقتها على "بند الخرق الوشيك" الذي يعطي الكيان الغاصب رخصة قصف مستقبلي وشرعية دولية لاستباحة دماء الجنوبيين وأرضهم بناءً على تقارير استخباراتية واهية، وهو ما يمثل ذروة التخاذل والتخلي عن حماية الشعب.

ه. توازن موازين القوى في آليات فض النزاعات والخروقات

ثبّت النص الإيراني آلية لفض النزاعات تضمن لطهران حق النقض (Veto) المتساوي مع القوى العظمى، مع الاحتفاظ بالحق القانوني الفوري في العودة للتخصيب عالي المستوى في حال إخلال أميركا بالتزاماتها، مما جعل طهران متحكمة بمسار الاتفاق وعواصبه (تكافؤ قانوني).

في حين، جرّدت المذكرة الثلاثية لبنان من أي قدرة على المناورة أو الاعتراض؛ حيث منحت العدو الإسرائيلي حق التدخل العسكري الأحادي دون العودة لأحد، ونصّبت الولايات المتحدة حكماً وجلاداً في آن واحد لتحديد من هو الطرف الخارق للاتفاق (استسلام قضائي وعسكري)، مفرّطةً بأي تكافؤ قانوني أو سياسي يضمن للبنان كرامته الوطنية.

و. الملاحة والمرافئ

في كواليس المفاوضات الأخيرة عبر القناة القطرية-الباكستانية، بذلت إدارة (فانس) جهوداً مستميتة لإقحام بند يتعلق بـ "ضمان حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز" وضبط تحركات القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني. إلا أن المفاوض الإيراني أشهر مجدداً "فيتو السيادة المطلقة"، ورفض رفضاً قاطعاً مجرد ذكر المضيق في المذكرة؛ واعتبرت طهران أن أمن الخليج والممر المائي الأهم في العالم هو شأن سيادي وإقليمي خالص، وأنه ورقة ردع استراتيجية عليا لا يمكن تقييدها بنصوص دولية أو إملاءات أميركية تحت أي ظرف، وبقي مضيق هرمز عصيّاً، محصناً، ومغلقاً أمام أي محاولة دولية لكسر الهيبة والسيادة الإيرانية.

وفي المقابل، تظهر المفارقة الفاضحة وحجم التخاذل عند مقارنة هذا الموقف بما قبلته السلطة اللبنانية في المذكرة الثلاثية حين وافقت طوعاً في البندين (5 و7) على إخضاع مرافئها، وشواطئها، ومياهها الإقليمية بالكامل لرقابة صارمة وآليات تفتيش تشرف عليها لجنة دولية برئاسة أميركية مباشرة. وبذلك، تحولت المياه والموانئ اللبنانية بموجب "التوقيع الرسمي" إلى ساحة مكشوفة ومخترقة تحت أعين الرصد الصهيوني-الأميركي.

خاتمة

إن هذا التشريح الشامل والمسلسل لبنود المذكرتين يضع الأطراف المتفاوضة أمام مرآة التاريخ العارية التي لا ترحم. لقد أثبتت التجربة الدبلوماسية الحديثة أن السيادة لا تُستجدى من الأروقة الغربية؛ فكل بند صاغه المفاوض اللبناني بتخاذل وهوان، تحوّل إلى قيد يكبّل أيادي الجيش والشعب، ويستبيح حقوق الجنوبيين الذين دفعوا دماءهم ثمناً للأرض، ليُقدم أمن العدو كأولوية فوق السيادة الوطنية.

وفي المقابل، قدمت الجمهورية الإسلامية في إيران، عبر إدارتها الحكيمة والصلبة لقناة (فانس - قطر - باكستان)، درساً بليغاً في كيفية تحويل الدبلوماسية إلى درع حامٍ للوطن وللحلفاء. رفضت طهران بيع أشقائها في الساحة اللبنانية، وثبتت على مواقفها السيادية، مبرهنةً أن من يمتلك مكامن القوة والإرادة يفرض شروطه على أعتى الإمبراطوريات، بينما لا يجني المتخاذلون سوى صكوك الانتداب المقنّع ومذكرات العار المذلة.


الكاتب: د. ميرنا عطية




روزنامة المحور