يواجه دونالد ترامب تراجعاً سياسياً واضحاً نتيجة انخفاض شعبيته، وتعثر عدد من سياساته الداخلية والخارجية، ولا سيما الحرب والتسوية مع إيران. بحسب مقال نشرته "واشنطن بوست" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
ويعتبر الكاتب أن المشكلة الأساسية تكمن في اعتماده المفرط على السلطة التنفيذية وتجاهله دور الكونغرس، ما أدى إلى إبطال أو إضعاف كثير من قراراته.
كما يؤكد أن النظام الدستوري الأميركي ما زال قادراً على الحد من سلطة أي رئيس مهما بلغت قوته.
النص المترجم:
تتوالى الأخبار السيئة بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب. فقد انخفض معدل تأييد أدائه إلى 40%، فيما يبدي الناخبون عدم رضاهم عن أدائه في ملف تلو الآخر، من الاقتصاد إلى الهجرة وصولاً إلى إيران. وحتى الأغلبية التي كان يتمتع بها حزبه في مجلس الشيوخ، والتي بدت آمنة قبل انتخابات منتصف الولاية، لم تعد كذلك.
لقد أسقطت المحاكم، في معظمها، الملاحقات القضائية التي شنتها الإدارة ضد منتقدي ترامب، معتبرة إياها بلا أساس. كما اضطرت الإدارة إلى التراجع عن أساليبها الصادمة في تنفيذ قوانين الهجرة داخل المدن الليبرالية. ويواصل ترامب طرح خطة غير مدروسة تلو الأخرى لفرض التعديلات التي يريدها على قوانين الانتخابات عبر كونغرس لا يوافقه الرأي. كما أجبره المشرعون على التراجع عن خطته لمنح أموال اتحادية لأنصاره الذين شاركوا في أحداث اقتحام مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني/يناير 2021.
في الوقت نفسه، يرتفع التضخم، ولا يكاد أحد يدافع عن التسوية مع إيران باعتبارها انتصاراً للولايات المتحدة، بل إن بعضهم يصفها بالإذلال. وحتى مبادرة متواضعة مثل تنظيف بركة النصب التذكاري للينكولن تحولت إلى إخفاق.
ويشكل ذلك تراجعاً كبيراً مقارنة بالسنة الأولى من ولايته الحالية، حين بدا ترامب وكأنه يسحق معارضيه؛ إذ استخدم دائرة الكفاءة الحكومية (DOGE) لتقليص حجم الحكومة الفيدرالية، ونجح في تمرير معظم مرشحيه إلى الحكومة، وانتزع تنازلات من كليات الحقوق والجامعات، كما استخدم الرسوم الجمركية الأحادية لإعادة تشكيل التجارة العالمية.
لكن هذا التراجع لا يعود إلى وجود معارضة بارعة وفعالة، بل يرتبط جزئياً بغرور رئاسي مألوف. فقد تصرف ترامب وكأن الناخبين اختاروه عام 2024 لأنهم أحبوا كل سياساته، بينما كان السبب الأساسي هو استياءهم من التضخم. ومنذ فوزه، اتخذ خطوات عدة ساهمت في زيادة الضغوط التضخمية، مثل خوض الحرب مع إيران، وفرض الرسوم الجمركية، ومحاولة خفض أسعار الفائدة عبر الضغط على الاحتياطي الفيدرالي، من دون أن ينجح في إقناع الرأي العام بأنه يضع قضية التضخم في صدارة اهتماماته.
ويكشف تراجع شعبية ترامب أيضاً عن طبيعة العلاقة بين النظام الدستوري الأميركي ورئيس لا يهتم كثيراً بالعمل من خلال مؤسساته، ولا يجيد ذلك. فالرئيس يستطيع أن يدفع وزارة العدل إلى إصدار لوائح اتهام واهية، لكنه لا يستطيع إجبار المحاكم على احترامها. وحتى لو امتلك قادة دائرة الكفاءة الحكومية معرفة أكبر بالموازنة الفيدرالية، لما تمكنوا من خفض الإنفاق من دون موافقة الكونغرس. وكذلك فإن إلغاء وزارة التعليم أو تقليص الدور الفيدرالي في سياسات التعليم كان يتطلب تشريعاً من الكونغرس وأهدافاً أكثر وضوحاً.
ويبدو أن ترامب اعتقد أن النظام الإيراني أصبح ضعيفاً إلى درجة أن القصف العسكري سيؤدي إلى سقوطه. وعندما لم يحدث ذلك، أصبحت خياراته محدودة. وحتى لو أراد استخدام القوة اللازمة لتحقيق أهداف الصقور، فإنه لم يكن يمتلك الدعم الشعبي أو السياسي الكافي. ولو لجأ إلى الكونغرس للحصول على موافقة مسبقة على الحرب، كما يقتضي الدستور، لكان إما حصل على الدعم المطلوب، أو اكتشف مبكراً أن هذا الدعم غير موجود، ما كان سيجنب البلاد وترامب هذه الهزيمة.
ومع ذلك، فإن ولاية ترامب لم تصل بعد إلى منتصفها، وقد يكون الانطباع السائد اليوم بأنه يتخبط مبالغاً فيه، تماماً كما كان الانطباع العام في العام الماضي بأنه لا يمكن إيقافه. ولأنه اعتمد في سياساته على صلاحياته التنفيذية أكثر من اعتماده على الكونغرس، فإن خسارة الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ قد لا تشكل انتكاسة كبيرة له.
كما أن بعض سياسات الإدارة قد تستمر على المدى الطويل. فالمحاكم الفيدرالية تبدو ميالة إلى اعتبار إجراءات ترامب الرامية إلى إنهاء التمييز العنصري ضد البيض والآسيويين متوافقة مع الدستور، وهو ما يعكس تأثير التعيينات القضائية التي أجراها ترامب ورؤساء جمهوريون سابقون. وبما أن الكونغرس لم يكن في الأساس وراء تلك السياسات، فإن وقفها لا يحتاج بالضرورة إلى تشريع جديد.
في المقابل، تبدو فرص بقاء التغييرات التي سعى ترامب إلى فرضها على التعليم العالي أقل وضوحاً. فالرأي العام، ولا سيما المحافظون، بات أكثر انتقاداً للوضع القائم، لكن فرص تحقيق إصلاح دائم كانت ستكون أكبر لو اعتمدت الإدارة على تشريعات تشمل جميع المؤسسات التعليمية، بدلاً من عقد صفقات منفصلة مع كل جامعة على حدة.
إن أكثر التغييرات التي تترك أثراً دائماً هي تلك التي تضطر المعارضة في النهاية إلى التكيف معها، كما حدث مع "الصفقة الجديدة" أو "ثورة ريغان". إلا أن الديمقراطيين، بدلاً من ذلك، اتجهوا إلى مزيد من التشدد في مواجهة ترامب، وهو ما يجعل بعض إنجازاته، مثل ضبط الحدود، أقل استقراراً على المدى البعيد.
لقد أصابت نتائج رئاسة ترامب حتى الآن بعض الذين صوتوا له بخيبة أمل، وهو ما تعكسه استطلاعات الرأي. لكن هذه النتائج تحمل أيضاً جانباً إيجابياً، إذ تظهر أن الرئيس، حتى في عصر اتساع صلاحيات السلطة التنفيذية، لا يستطيع فرض إرادته باستمرار بمجرد الاعتماد على قوته الشخصية.
المصدر: واشنطن بوست
الكاتب: Jason Willick