الأربعاء 01 تموز , 2026 01:24

الخداع في خطاب نتنياهو: تفكيك سردية الحسم العسكري في جنوب لبنان

بنيامين نتنياهو

يتناول هذا المقال دراسة تحليلية تشخيصية لخطاب بنيامين نتنياهو الذي ألقاه في 27-6-2026، وذلك وفق "استمارة كشف التضليل" المستندة إلى الإطار المنهجي الذي وضعه مايكل بينيت وإدوارد وولتز، والذي يُستخدم لتقييم مدى احتمال تعرض الخطاب للخداع الاستراتيجي عبر رصد مؤشرات تشخيصية لا تُعد أدلة قاطعة بذاتها، بل أدوات لبلورة الفرضيات وتوجيه التحليل. وتكشف المؤشرات المستخرجة من الخطاب أنه موجه بالدرجة الأولى للجبهة الداخلية، ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحسابات الانتخابية والبقاء السياسي، إذ سعى رئيس وزراء العدو من خلاله إلى إعادة صياغة المشهد العسكري والأمني في جبهة جنوب لبنان بما يسد الفجوة بين الطموحات السياسية والتعقيدات العملياتية على الأرض.

ولفهم أبعاد هذا الخطاب، لا بد من تحديد جمهوره المستهدف أولاً، والذي يتحرك في ثلاثة اتجاهات متوازية: فالجمهور الداخلي، أي المجتمع الصهيوني ومستوطنو الشمال، هو الهدف الأساسي، حيث يسعى نتنياهو إلى تسويق "الراحة التأكيدية" وتبديد مخاوف الشارع عبر أرقام جازمة تمنح شعوراً وهمياً بالأمان المطلق، متجاوزاً الخسائر البشرية لجيشه لضمان الاستقرار السياسي الداخلي. أما الخصوم السياسيون، ممثلين بالمؤسسة العسكرية والمعارضة على غرار غادي آيزنكوت، فيحاصرهم الخطاب عبر تأطير ثنائي حدي يجبرهم على القبول بالإنجازات الحالية أو مواجهة تهمة القصور الاستراتيجي. وأخيراً، يتوجه الخطاب إلى المجتمع الدولي والإقليمي، وبخاصة الولايات المتحدة والدولة اللبنانية، بهدف تمرير الاتفاق كإنجاز دبلوماسي استثنائي، وتصوير "إسرائيل" بمظهر الطرف القوي الذي يملي شروطه، مع تمهيد الطريق لخرق الاتفاق مستقبلاً تحت ذريعة رصد الخروقات التكتيكية.

وينبثق المحتوى المعلوماتي للخطاب من محاولة صناعة "كمال سردي" يتجاوز الطبيعة المعقدة لحروب العصابات والبيئات ذات اليقين المنخفض، وهو ما يتجلى أولاً في اليقين غير العادي وتضخيم الأرقام؛ فإعلان تدمير نحو 90% من ترسانة حزب الله التي كانت تضم 150 ألف صاروخ وقذيفة يُعد مؤشراً كلاسيكياً على التماسك المفرط، لا سيما أن هذه الترسانة موزعة جغرافياً ومحمية بشبكات أنفاق معقدة ممتدة لعدة كيلومترات، وهي بنية لا يمكن للمعلومات الاستخبارية ملاحقتها بدقة مطلقة. ويتكامل هذا اليقين مع عرض منسق يربط بين شل القدرات وعمليات نوعية كصدمة أجهزة النداء واغتيال حسن نصر الله والقضاء على قادة قوة الرضوان، بما يصور المعركة كعملية جراحية دقيقة حققت أهدافها مطلقاً، متجاهلاً قدرة حروب العصابات المرنة على إعادة بناء هياكلها.

ويتجلى المؤشر الثاني في الاكتمال الانتقائي وغياب السلبيات، حيث يسرد الخطاب بدقة تصفية أكثر من تسعة آلاف مقاتل والسيطرة على قلعة الشقيف والبلدات المحيطة، في مقابل تعمية كاملة عن خسائر جيش الاحتلال البشرية والمادية، وتجنب الإجابة عن معضلة استمرار الطائرات المسيّرة، مكتفياً بوصفها "تحدياً عالمياً" ستحله "إسرائيل" تكنولوجياً، وهو التفافٌ يعيد تدوير ثنائية التفوق التقني لتغطية الثغرات العملياتية الراهنة. وأما المؤشر الثالث فهو التناقض العملياتي واللوجستي، الذي يتضح من خلال المفارقة بين الادعاء بسحق الخصم وبين الإجراءات الوقائية على الأرض، حيث يخصص الخطاب ميزانية تفوق 20 مليار شيكل لإعادة تأهيل الشمال، ويصرّ على البقاء العسكري المستنزف في "المنطقة الصفراء"، وكلاهما يثبت أن التهديد ما زال قائماً وأن مفهوم "النصر الحاسم" يفتقر إلى مضمونه التشغيلي.

وعلى صعيد الإنكار والتضليل، يعتمد الخطاب "الخفاء التشغيلي" عبر تعريف مرن للانسحاب، فيصف المناطق التي يقرر الجيش الانسحاب منها بأنها فقدت أهميتها العملياتية، بينما يروّج للبقاء في "المنطقة الصفراء" كإنجاز أمني، في تمييز جغرافي يحجب المعايير الحقيقية للنجاح والفشل. كما يوظف الخطاب "تضخيم الأهمية" الرمزية لموقع كقلعة الشقيف لإثارة استجابة عاطفية تصرف الانتباه عن التساؤل عن مدى إزالة خطر القذائف قصيرة المدى، ويستخدم "الإطار الثنائي" في الرد على آيزنكوت بحصر الخيارات بين استراتيجيته الحالية أو "صفر إنجازات"، حاذفاً أي طرح بديل يجمع بين الضغط العملياتي والحل السياسي المبكر.

وتبرز أيضاً مؤشرات سلوكية أخرى، منها عدم تناسق التكلفة، حيث يتناقض الإعلان عن تقويض 90% من قدرات الخصم مع استمرار البقاء العسكري المكلف وتخصيص الميزانيات الدفاعية الضخمة، ومنها تغليب الرمزية على الجوهر في الإشادة بالحكومة اللبنانية وشجاعتها، بينما يعترف الخطاب ضمناً بوجود عناصر متطرفة داخل الجيش اللبناني المعوّل عليه لتنفيذ الاتفاق. ويظهر التكيف مع التغذية الراجعة في تفصيل نتنياهو المفرط لحادثة تكتيكية صغيرة رداً على تساؤلات الصحافة، في محاولة لصرف النظر عن السؤال الاستراتيجي الأكبر حول قدرة "إسرائيل" على ضرب عمق لبنان دون تفجير مواجهة شاملة. وأخيراً، يكشف تناقض الخطاب بشأن أنفاق الجنوب، بين ما كان يُقال سابقاً عن انتهاء تهديدها وما يُقال الآن عن اجتثاث كيلومترات منها، عن "وضوح متأخر" يقلل من موثوقية التقييمات السياسية أثناء العمليات العسكرية.

وخلاصة التحليل أن الخطاب نجح تكتيكياً في استغلال الراحة التأكيدية لدى الجمهور الصهيوني، لكنه استُخدم استراتيجياً لتغطية العجز عن فرض شروط أمنية حاسمة تُزيل التهديد الصاروخي والمسيّر كلياً، فيما تبقى سرديته متأرجحة بين تصوير حزب الله كقوة محطمة وبين الإصرار على ترتيبات عسكرية واقتصادية استثنائية بتكلفة تفوق 20 مليار شيكل لمواجهة ذات الخصم المعلن شل حركته.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور