الأربعاء 01 تموز , 2026 02:08

مستقبل القوة الأميركية: بين إعادة التموضع والانكفاء المحسوب

علم أميركا وطارات حربية

تمنح "مذكرة التفاهم" الأميركية-الإيرانية الطرفين وقتاً ثمينا، فإيران تستثمره لتثبيت مكاسبها الاقتصادية والأمنية والإقليمية، في حين تستخدمه واشنطن لتقليل كلفة الحرب وإعادة التسلّح وإعادة ترتيب أولوياتها العالمية. ومنذ انخراط الولايات المتحدة وإيران في محادثات تهدف إلى إنهاء الأزمة في غرب آسيا وعلى جبهة لبنان، وإرساء إطار دبلوماسي أكثر استدامة، يبقى مصير "حرب إيران" لعام 2026 غير محسوم، سواء بوصفها مكسباً أم خسارة للأمن القومي الأميركي.

وعلى الرغم من ذلك، لم تحقق واشنطن في هذا العام سوى مكاسب محدودة في القضايا التي تتصدر الأجندة العالمية؛ فقمة أيار-مايو مع الصين لم تفرز نتائج مؤثرة، بينما لا تزال الحرب مستمرة مع أوكرانيا رغم الجهود التي بذلها فريق الرئيس ترامب طوال ستة عشر شهراً، وهو فشل دبلوماسي يلقي بظلاله على صورة أميركا كقوة قادرة على حسم مفاوضاتها. وفي المقابل، أثارت العلاقة مع الهند حالة من عدم اليقين لدى شريك استراتيجي مهم. أما على الصعيد التجاري، فقد تلقّى ترامب انتكاسة حين أصدرت المحكمة العليا حكماً يقضي بعدم قانونية الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها، في حين اضطر إلى مواجهة إغلاق حكومي جزئي فرضه الكونغرس بسبب ملف الهجرة، من دون أن يوقفه ذلك عن اتخاذ إجراءات غير مسبوقة لإعادة تشكيل نظام الهجرة الأميركي.

وفي نصف الكرة الغربي، الذي لا يزال يحتل موقعاً بارزاً على الأجندة، افتتحت واشنطن عام 2026 بغارة صادمة أدت إلى اعتقال زعيم فنزويلا ووضع خطط للاستفادة من موارد الطاقة فيها، بينما واصل فريق ترامب أساليب الإكراه تجاه محيطه المباشر، من تصريحات حول ضم غرينلاند إلى تصعيد الضغط على كوبا. أما بعد الحرب على إيران، فقد أعيد تشكيل علاقة أميركا بالشرق الأوسط بطرق غير متوقعة، حيث دعا ترامب دولاً إضافية للانضمام إلى اتفاقات إبراهام، بل صرّح بأنه "يطلب بشكل إلزامي" من السعودية وقطر وباكستان تطبيع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي، فضلاً عن تهديده بقصف عُمان إذا شاركت في أي مسعى للسيطرة على مضيق هرمز مع إيران.

ومع ذلك، يمكن لهذه التحركات المتقلبة أن تُنسى بسهولة إذا حققت واشنطن نتائج واضحة في ملفين يمثلان مصدر قلق بالغ لشركائها: إيران والقضية الفلسطينية-الإسرائيلية، فوجود مسار واضح فيهما بات بالغ الأهمية لدور أميركا طويل الأمد في المنطقة. أما في غزة، فلا يزال العمل الأميركي دون المستوى المطلوب، إذ لم يعقد "مجلس السلام" سوى اجتماع رمزي عشية الحرب على إيران، ولم يتمكن بعد من وضع إطار هيكلي أو حشد الدعم اللازم لتحقيق نتائج ملموسة. وفي ظل هذا الاستنزاف العسكري الذي أضعف قدرة واشنطن على التركيز على الصين، غدت تداعيات الحرب على إيران عالمية لا إقليمية فقط، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل القوة الأميركية وموارد قوتها وضعفها وما تحافظ عليه منها.

تقوم القوة الأميركية على حزمة موارد متداخلة: القدرة العسكرية الضاربة بعيدة المدى، وشبكة التحالفات التي توزّع العبء وتمنح عمقاً استراتيجياً، والنفوذ المالي والعقابي القائم على الدولار والعقوبات، والموقع المتميز داخل المؤسسات الدولية الذي يخفف كلفة القيادة، والاقتصاد القادر على تحويل الثروة إلى نفوذ والابتكار إلى تفوق. والأهم أن هذه الموارد ليست منفصلة بل متكاملة: التحالفات تعزز العقوبات، والتفوق البحري يحمي النظام المالي، والتفوق التكنولوجي يرفع فاعلية الجيش، بحيث إن فقدان مورد واحد يقلّص كفاءة النظام دون أن يُسقطه، بينما يدفع تآكل عدة موارد معاً القوة الأميركية من موقع القيادة المريحة إلى موقع إدارة التراجع بحذر. وإذا رُتّبت هذه الموارد بحسب تأثيرها، تأتي القدرة العسكرية أولاً، فالقوة المالية، فالتفوق البحري، فشبكة التحالفات، بينما تبقى الشرعية المؤسسية والتفوق التكنولوجي مضاعفين للقوة أكثر من كونهما بديلين عنها، ويبقى الاقتصاد القاعدة التي تموّل كل شيء.

في المقابل، تتجسد موارد التراجع في الاستنزاف العسكري الذي يحوّل الانتشار الواسع إلى عبء أمني، وفي تآكل الردع بعد أن طوّر الخصوم بدائل كالمسيّرات والصواريخ الدقيقة والحرب الإلكترونية ترفع كلفة كل تدخل أميركي، وفي تراجع المصداقية الدولية نتيجة النهج المتقلب والانسحاب من الالتزامات، وهو ما يدفع الحلفاء إلى البحث عن قنوات طمأنينة بديلة. ويضاف إلى ذلك عجز واشنطن المتزايد عن تحويل تفوقها العسكري إلى نتائج سياسية حاسمة في الحروب الطويلة، فضلاً عن تحوّل مركز الثقل الاستراتيجي نحو الصين، الأمر الذي يستنزف قوات وأصولاً كانت مخصصة للشرق الأوسط ويضعف قدرة الرد السريع فيه.

ومع ذلك، تحرص واشنطن على الحفاظ على موارد أساسية لا تريد التفريط بها حتى في خضم إعادة ترتيب أولوياتها: الهيمنة البحرية وحرية الملاحة بوصفها الأداة الأقل كلفة والأكثر مرونة، والردع النووي والاستراتيجي بصفته سقفاً يمنع الخصوم من اختبار حدود القوة الأميركية، ودور الوسيط القادر على إدارة الأزمات بدل التورط في حروب مفتوحة، وشبكات التحالف التي تمنحها قواعد ومعلومات وشرعية سياسية، والتفوق المالي القائم على مركز الدولار وشبكة المدفوعات والعقوبات، وأخيراً التفوق في الاستطلاع والفضاء والسيبراني والذكاء الاصطناعي العسكري الذي يمنحها رؤية مسبقة لساحة المعركة.

وستزيد استراتيجية الدفاع الأميركية لعام 2025 من تركيز القوة داخلياً على حساب انتشارها خارجياً، فهي تعزز دفاع الوطن والحدود وردع الصين في آسيا، وتدفع الحلفاء لتحمّل عبء أكبر، بما يعني عملياً تقليصاً نسبياً في القدرة على إدارة الأزمات في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، من دون أن تصبح أميركا أضعف إجمالاً. وتسعى إدارة ترامب في هذا السياق إلى إقرار موازنة عسكرية تاريخية بقيمة 1.5 تريليون دولار للسنة المالية 2027، ترفع الإنفاق العسكري بأكثر من 40% وتضيف نحو 7 تريليونات دولار إلى الدين القومي خلال عقد، وسط انتقادات حادة تحذّر من أن هذا الإنفاق قد يجعل أميركا أضعف لا أقوى. وتبعاً لذلك، قد يخفّض هذا التوجه الالتزام الأميركي المباشر في الشرق الأوسط، لكنه في الوقت نفسه يحفّز استثماراً طويل الأمد مع حلفاء آسيويين لمواجهة تهديد محتمل واسع النطاق كمحاولة ضم تايوان.

أما في غرب آسيا تحديداً، فتحرص واشنطن على الاحتفاظ بالقدرة البحرية القابلة للتحويل والقدرات الفضائية والاستخباراتية منخفضة الكلفة، فيما يتراجع تدريجياً الوجود البري الدائم المكلف والاحتكار الأميركي للردع بعد أن أصبحت إيران قادرة على فرض كلفة على أي تحرك أميركي أو إسرائيلي. وتتجه واشنطن، في السيناريو الإيراني، إلى الردع من الخارج بدل السعي إلى حسم داخلي، معتمدة على "المرونة القابلة للنشر" بدل "التمركز الثقيل"، بينما تحاول في السيناريو الصيني منع بكين من تحويل المنطقة إلى عمق اقتصادي، دون أن تتمكن من إغلاق الباب أمامها كلياً.

والنتيجة الأرجح أن القوة الأميركية لا تتجه إلى الانهيار، بل إلى إعادة تعريف ذاتها بوصفها أقل اندفاعاً وأكثر معاملاتية وانتقائية في استخدام القوة، فهي ستبقى قوية في غرب آسيا ما دامت حافظت على تفوقها البحري والمالي وتحالفاتها، لكنها ستضعف كلما اضطرت إلى حروب مباشرة طويلة أو تشتيت مواردها بين إيران والصين وأوروبا. وبعبارة أخرى، فإن المستقبل ليس انتصاراً أميركياً كاملاً ولا تراجعاً مطلقاً، بل انتقال إلى قوة أقل كلفة وأكثر حذراً، ذات هامش تفاوضي أوسع وقدرة أقل على الإكراه الحاسم، في وقت لم يعد فيه غرب آسيا مجرد ساحة نفوذ أميركي، بل ساحة اختبار لتوازنات دولية جديدة أكثر تعقيداً. وستُقاس التحالفات القادمة بقدرتها على التكيّف لا بجمودها، لأن القوة الأميركية منظومة تزداد فاعليتها حين تعمل موارها معاً، وتضعف حين تتعرض أكثر من ركيزة للاستنزاف في آن واحد؛ ولذلك تبقى أميركا قوية في فرض الكلفة على خصومها، لكنها أقل قدرة على إنتاج تسوية نهائية وحاسمة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور