الخميس 02 تموز , 2026 02:29

الرئيس يزداد ثراءً بينما الناخبون ليسوا كذلك

دونالد ترامب

تتصاعد ثروة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال وجوده في البيت الأبيض يوماً بعد يوم. في وقت يواجه فيه كثير من الأميركيين أزمة غلاء المعيشة وتراجع الثقة بسياساته الاقتصادية. كما جاء في مقال نشره موقع "CNN"، وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني.
حيث يناقش المخاوف المتزايدة بشأن تضارب المصالح، معتبرًا أن استمرار ترامب في تحقيق أرباح طائلة أثناء رئاسته يثير تساؤلات أخلاقية وسياسية.
ويخلص إلى أن استعراض ترامب لثرائه وطائرته الجديدة قد يتحول إلى عبء انتخابي في انتخابات التجديد النصفي، إذا شعر الناخبون بأن الرئيس يزداد ثراءً بينما لا تتحسن أوضاعهم الاقتصادية.

النص المترجم:

قد لا يشعر كثير من الأميركيين بأنهم يعيشون "العصر الذهبي" الاقتصادي الذي يتحدث عنه دونالد ترامب، لكن حسابه المصرفي يشعر بذلك بالتأكيد.
فقد حقق الرئيس الأميركي مليارات الدولارات خلال العام الماضي من حيازاته في العملات المشفرة، ومدفوعات حقوق الامتياز، واستثماراته العقارية، إلى جانب أرباح كبيرة من بيع نسخ الإنجيل التي تحمل علامته التجارية، والساعات، والأحذية الرياضية، وذلك وفق أحدث إقرار مالي سنوي له، الذي نُشر يوم الثلاثاء.
ويُعد ذلك تذكيرًا جديدًا بأن هذه الرئاسة تختلف عن أي رئاسة أميركية سابقة. فبدلًا من أن يعمد، كما فعل جميع أسلافه المعاصرين، إلى الفصل بشكل واضح بين منصبه وشؤونه المالية الخاصة أثناء توليه الرئاسة، أنشأ ترامب مصادر دخل جديدة، من بينها إصدار عملات مشفرة تحمل اسمه.
ورغم أن قوانين الأخلاقيات الأميركية لا تشمل الرئيس ونائب الرئيس في معظم بنودها، فإن الرؤساء اعتادوا التصرف كما لو أنهم خاضعون لها، تجنبًا للتداعيات السياسية التي قد تنجم عن تجاهلها.
لكن منذ أن كسر ترامب الأعراف برفضه نشر إقراراته الضريبية خلال حملته الرئاسية عام 2016، واصل تجاهل التقاليد المتعلقة بثروته وأعماله التجارية.
إلا أن المساءلة قد تكون سياسية.
فالسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت الأنباء الجديدة عن تضخم ثروة ترامب، إلى جانب المخاوف المتزايدة لدى منتقديه بشأن احتمال تضارب المصالح، ستلقى صدى لدى الرأي العام، في وقت لا يعيش فيه معظم الأميركيين المستوى نفسه من الازدهار الذي يعيشه رئيسهم.
ويبدو أن ترامب إما كان بعيدًا عن واقع الناس، أو أنه تصرف بثقة سياسية كبيرة، عندما تطرق إلى هذه الفجوة يوم الأربعاء، قبيل صعوده إلى متن طائرته الرئاسية الفاخرة الجديدة، التي قدمتها قطر هدية وتُقدّر قيمتها بنحو 400 مليون دولار.
وقال: "نحن جميعًا نحقق أرباحًا. أنا أحقق أرباحًا لأن لدي الكثير من المال والكثير من السيولة."
الرؤساء الأميركيون لطالما خشوا الإشارات الأخلاقية. لطالما اعتُبرت الرئاسة في الولايات المتحدة "أمانة عامة" هدفها خدمة جميع المواطنين. ولذلك، فمن الطبيعي أن يشعر الناخبون بالقلق إزاء حجم المكاسب المالية التي حققها ترامب.
ولهذا السبب تحديدًا، اتخذ معظم الرؤساء السابقين خطوات لعزل أنفسهم عن ثرواتهم أو مصالحهم المالية أثناء وجودهم في السلطة. فعلى سبيل المثال، وضع الرئيس الأسبق جيمي كارتر مزرعة الفول السوداني العائدة لعائلته في صندوق ائتماني مستقل تديره شركة محاماة في أتلانتا قبل توليه الرئاسة في كانون الثاني/يناير 1977.
وعلى المستوى الأساسي، يتعلق الأمر بمسألة اللياقة والأعراف. لكن الترتيبات المالية التي يعتمدها ترامب قد تثير أيضًا جدلًا يضر بسمعة النظام السياسي الأميركي وبالاقتصاد.
فمن جهة، يواصل ترامب ما اعتاد عليه طوال حياته من تحقيق الأرباح عبر استثمار علامته التجارية، إذ أظهرت الإفصاحات المالية الإلزامية أنه حصل خلال عام 2025 على أكثر من 200 ألف دولار من حقوق امتياز "أناجيل ترامب"، و4.7 ملايين دولار من ساعات تحمل اسمه، إضافة إلى 67,634 دولارًا من العطور والأحذية الرياضية التي تحمل علامته التجارية.
وقد يرى بعض الأميركيين في ذلك استغلالًا غير مستحب للمنصة التي أوصلته إليها أصوات الناخبين، الذين كانوا يأملون أن يساعدهم في حل مشكلاتهم. لكن أكثر ما يلفت الانتباه في واشنطن هو المشاريع الضخمة التي تدر عليه أرباحًا من العملات المشفرة.
فقد وضعت الإدارة الأميركية قطاع العملات المشفرة الناشئ في صلب سياستها الاقتصادية، بينما تتولى السلطة التنفيذية مسؤولية تنظيم هذا القطاع، في حين يشير كثير من الخبراء إلى أن الإدارة خففت من رقابة هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية عليه.
وقالت دانييل كابوتو، المستشارة القانونية الأولى لشؤون الأخلاقيات في مركز الحملة القانونية: "يصبح من المستحيل معرفة ما إذا كان الرئيس يضع هذه القواعد التنظيمية الخاصة بالعملات المشفرة لتحقيق منفعة شخصية مرتبطة باستثماراته، أم لأنه يعتقد فعلًا أن ذلك يصب في مصلحة الشعب الأميركي."
وأكد ترامب يوم الأربعاء أن هناك جهات تدير أمواله نيابة عنه، وأنه لا يتحدث مطلقًا مع المسؤولين عن إدارتها. كما لا توجد مؤشرات على أنه يدير العمليات اليومية لإمبراطوريته العقارية.
ومع ذلك، فقد حقق أكثر من 526 مليون دولار من بيع رموز العملات المشفرة المرتبطة بشركة World Liberty Financial LLC، التي يتولى إدارتها جزئيًا نجلاه إريك ترامب ودونالد ترامب الابن.
كما وقع الرئيس اتفاقية ترخيص لتسويق عملته الرقمية الساخرة (Meme Coin) حققت له 635 مليون دولار، بحسب الإفصاحات المالية.
وكان ترامب قد قال خلال الأسابيع الأخيرة إنه أعاد الازدهار إلى الولايات المتحدة في الوقت المناسب للاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس البلاد.
وأشار ترامب أيضًا إلى أن كثيرًا من الأميركيين يحققون مكاسب مالية مع ارتفاع مؤشرات سوق الأسهم، لكنه قلل من أهمية الجدل المتعلق بتضارب المصالح.
غير أن القضية تتجاوز بكثير مجرد الثروة الشخصية للرئيس.
فأحد الأسباب التي جعلت الاقتصاد الأميركي الأقوى في العالم هو سمعته باعتباره ملاذًا آمنًا للاستثمار، وخاليًا إلى حد كبير من الفساد والمقايضات القائمة على النفوذ والتدخلات الحكومية. وأي شك في أن الإدارة لا تحافظ على هذه المعايير قد يتسبب في أضرار طويلة الأمد.
وتطرح قضية العملات المشفرة إشكالية مشابهة لقضية طائرة بوينغ 747 التي قدمتها قطر. فهناك قواعد صارمة تنظم الهدايا التي تقدمها الدول الأجنبية للرؤساء الأميركيين لتجنب أي انطباع بأن الرئيس قد يتأثر بنفوذ دولة أخرى.
وقد نفى ترامب وجود أي سبب يدعو الأميركيين إلى القلق، وقال إن أمير قطر أراد ببساطة أن "يقدم مساهمة للبلاد" عبر هذه الطائرة، التي ستستخدم إلى حين دخول الطائرتين الرئاسيتين الجديدتين الخدمة خلال نحو عامين.
كما قلّل رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، في مقابلة مع CNN العام الماضي، من أهمية الجدل حول هذا الموضوع، واعتبر أن الأمر لا يعدو كونه "تعاملًا بين حكومتين".
لكن، في الوقت نفسه، تشكل قطر ركيزة أساسية في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهي منطقة تمتلك فيها عائلة ترامب مصالح واستثمارات واسعة. وحتى إذا لم يكن هناك أي مقابل سياسي للطائرة، فإن قبولها قد يخلق انطباعًا بأن الرئيس قد يصبح أكثر ميلًا للاستماع إلى قائد أجنبي في ملفات دبلوماسية حساسة.
هل سيدفع ترامب ثمنًا سياسيًا؟
قد يتحول الحماس الواضح الذي يبديه ترامب تجاه طائرته الجديدة إلى عبء سياسي عليه.
فقد واجه الديمقراطيون، في كثير من الأحيان، صعوبة في صياغة رسائل انتخابية فعالة ضد الرئيس. لكن الإعلانات الانتخابية التي تجمع بين العملات المشفرة والطائرات الفاخرة تبدو، بحسب الكاتب، وكأنها تكتب نفسها بنفسها مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وكتب النائب الديمقراطي جيسون كرو على منصة "إكس": "حقق ترامب أكثر من مليار دولار من مشاريعه في العملات المشفرة أثناء وجوده في المنصب. واليوم يقوم بأول رحلة على متن طائرة قيمتها 400 مليون دولار تلقاها هدية من حكومة أجنبية. هذا الاستغلال والفساد مذهلان." وهناك خلاف قانوني حول ما إذا كانت قوانين الهدايا الأجنبية تنطبق على الرئيس أو على هذه الطائرة. وأضاف كرو: "المساءلة قادمة."
وليس سرًا أن ترامب رجل ثري، بل إن ثروته وصورته كرجل أعمال ناجح شكلتا، في كثير من الأحيان، نقطة قوة سياسية بالنسبة إليه. لكن الرئيس يستعرض طائرته الجديدة في وقت يعاني فيه ملايين الأميركيين من أزمة القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، وهي أزمة قد تصبح القضية الحاسمة في انتخابات التجديد النصفي.
كما بدا ترامب في أكثر من مناسبة وكأنه ينكر الواقع الاقتصادي الذي يعيشه الأميركيون. فعلى الرغم من استمرار النمو الاقتصادي واستحداث الوظائف، لا تزال الأسعار مرتفعة، والأسعار التي وعد بخفضها ما زالت تثقل كاهل كثير من المستهلكين.
وعندما قال: "نحن جميعًا نحقق أرباحًا"، كان يشير إلى ارتفاع أسواق الأسهم، إلا أن زيادة قيمة حسابات التقاعد لا تجعل شراء حاجيات البقالة الأسبوعية أسهل بالنسبة للأسر الأميركية.
فإذا شعر الناخبون بأن الرئيس يزداد ثراءً بينما هم لا تتحسن أوضاعهم المعيشية، فقد يواجه ترامب مشكلة سياسية حقيقية.
وتُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن غالبية الأميركيين فقدوا الثقة في سياسات ترامب الاقتصادية، ويشعرون بالغضب بسبب فشله في خفض الأسعار، ويعتقدون أن نهجه يجعل حياتهم أكثر صعوبة. كما تشير أحدث نتائج استطلاع "CNN Poll of Polls" إلى أن نسبة التأييد لترامب استقرت عند 37%، وهو مستوى يعد خطيرًا بالنسبة للحزب الحاكم قبل انتخابات التجديد النصفي.
ومن المتوقع أن يسعى الديمقراطيون إلى استثمار هذا التراجع في الشعبية، وربط تجاهل الرئيس لمشكلة غلاء المعيشة بالمكاسب المالية الضخمة التي حققها خلال وجوده في السلطة.
وقال النائب الديمقراطي جيمي بانيتا: "هذه إدارة تقول للناس: انظروا إلى طائرتي من طراز 747، وانظروا إلى ذهبي... أما أنتم، فيمكنكم أن تكتفوا بأكل الكعك."
ويختم الكاتب بالإشارة إلى أن ترامب يعيش فترة ازدهار مالي شخصي خلال رئاسته، لكن الأشهر الأربعة المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا الازدهار سيحمل معه أيضًا ثمنًا سياسيًا يدفعه في صناديق الاقتراع.


المصدر: CNN

الكاتب: ستيفن كولينسون




روزنامة المحور