شكّل الملف النووي الإيراني، منذ مطلع الألفية الثالثة، أحد أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا في النظام الدولي، ليس فقط بسبب أبعاده التقنية المتعلقة بمنع انتشار الأسلحة النووية، وإنما أيضًا لارتباطه المباشر بإعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط، وطبيعة العلاقات الأمريكية–الإيرانية، ومستقبل الأمن الإقليمي والدولي. فمنذ كشف المنشآت النووية الإيرانية عام 2002، تحوّل البرنامج النووي الإيراني إلى محور رئيسي للصراع الدبلوماسي والاستراتيجي بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها الغربيين وإسرائيل من جهة أخرى، وتداخلت فيه اعتبارات الأمن القومي، والردع الاستراتيجي، والعقوبات الاقتصادية، والتنافس الجيوسياسي، والصراع على النفوذ في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، مثّل توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (5+1) في الرابع عشر من تموز/يوليو 2015، خلال إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، نقطة تحول تاريخية في العلاقات الدولية. فقد جاء الاتفاق بعد أكثر من عقد من المفاوضات المعقدة، ليؤسس لأول محاولة شاملة لمعالجة الأزمة النووية الإيرانية عبر الدبلوماسية متعددة الأطراف، مستندًا إلى معادلة تقوم على فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة على طهران. ولم يكن الاتفاق مجرد تسوية تقنية بشأن نسب التخصيب أو آليات التفتيش، بل عكس رؤية استراتيجية متكاملة تبنتها إدارة أوباما، قوامها أن احتواء إيران وإدماجها تدريجيًا في النظام الدولي أقل كلفة وأكثر استدامة من سياسة المواجهة المفتوحة أو الخيار العسكري.
غير أن هذه المقاربة لم تحظ بإجماع داخل الولايات المتحدة أو بين حلفائها في المنطقة، إذ واجه الاتفاق معارضة شديدة من "إسرائيل" وبعض الدول الإقليمية، التي رأت فيه اعترافًا دوليًا بشرعية البرنامج النووي الإيراني، ومنحًا لطهران موارد مالية وسياسية تعزز نفوذها الإقليمي. كما تعرض الاتفاق لانتقادات واسعة داخل الكونغرس الأمريكي، خاصة من الحزب الجمهوري، الذي اعتبر أن إدارة أوباما قدمت تنازلات استراتيجية لإيران دون معالجة برنامجها الصاروخي أو سياساتها الإقليمية أو دعمها لحلفائها في المنطقة.
ومع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017، شهدت السياسة الأمريكية تحولًا جذريًا؛ إذ أعلن في أيار/مايو 2018 انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية ضمن استراتيجية "الضغط الأقصى"، على أساس أن اتفاق 2015 كان اتفاقًا "ناقصًا" وعاجزًا عن منع إيران من امتلاك القدرة النووية على المدى البعيد، كما أنه تجاهل – من وجهة نظر الإدارة الجديدة – التهديدات المرتبطة بالصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني. وقد أدى هذا الانسحاب إلى انهيار معظم الالتزامات المتبادلة، واستئناف إيران تدريجيًا أنشطة التخصيب بمستويات أعلى، وصولًا إلى امتلاكها قدرات تقنية جعلتها أقرب من أي وقت مضى إلى وضع "الدولة العتبة النووية"، وهو ما أعاد المنطقة إلى دوامة التصعيد والمواجهة.
إلا أن المفارقة الاستراتيجية الكبرى تمثلت في أن الرئيس ترامب نفسه عاد، بعد سنوات من التصعيد والضغوط والعقوبات والمواجهات العسكرية غير المباشرة، إلى تبني خيار التفاهم مع إيران من جديد، عبر اتفاق جديد أُبرم عام 2026 في ظل ظروف إقليمية ودولية مختلفة جذريًا عن تلك التي أحاطت باتفاق عام 2015. فقد جاء هذا التفاهم بعد مرحلة شهدت مواجهات عسكرية مباشرة وغير مسبوقة بين إيران و"إسرائيل"، وضربات أمريكية استهدفت منشآت نووية إيرانية، وتصاعدًا كبيرًا في مستوى البرنامج النووي الإيراني، إضافة إلى تزايد المخاوف من اندلاع حرب إقليمية شاملة قد تتجاوز حدود الشرق الأوسط وتؤثر في الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي.
وعلى الرغم من أن الاتفاقين يتقاطعان في هدف معلن يتمثل في منع اندلاع مواجهة عسكرية شاملة والحد من مخاطر الانتشار النووي، فإنهما يعكسان فلسفتين سياسيتين واستراتيجيتين مختلفتين بصورة جوهرية. فاتفاق أوباما كان مشروعًا لإعادة هندسة العلاقة مع إيران عبر الانخراط الدبلوماسي وإعادة دمجها تدريجيًا في النظام الدولي، بينما يبدو اتفاق ترامب أقرب إلى تفاهم براغماتي لإدارة الأزمة واحتواء مخاطرها الآنية، دون أن يسعى إلى إعادة بناء الثقة أو معالجة جميع الملفات الخلافية بين الطرفين. كما أن الاتفاق الجديد جاء في ظل واقع استراتيجي مختلف، يتمثل في امتلاك إيران خبرات وقدرات نووية متقدمة يصعب التراجع عنها، وفي ظل تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض رؤيتها بصورة منفردة، وتزايد تأثير القوى الدولية والإقليمية المنافسة، فضلًا عن التحولات التي شهدها الداخل الأمريكي نفسه، ولا سيما الانقسام المتنامي داخل الحزب الجمهوري بين التيار التقليدي المؤيد للتحالف الوثيق مع "إسرائيل"، والتيار القومي الانعزالي الذي يدعو إلى تقليص الانخراط الأمريكي في صراعات الشرق الأوسط.
ومن هنا، فإن المقارنة بين اتفاق أوباما النووي لعام 2015 والتفاهم الأمريكي–الإيراني الذي توصلت إليه إدارة ترامب عام 2026 لا تقتصر على مقارنة بنود قانونية أو ترتيبات تقنية خاصة بالبرنامج النووي الإيراني، بل تمتد لتشمل اختلاف السياقات الدولية والإقليمية، وتباين الرؤى الاستراتيجية للإدارتين الأمريكيتين، وتحول موازين القوى في الشرق الأوسط، وتغير مكانة "إسرائيل" واللوبيات المؤثرة داخل الولايات المتحدة، فضلًا عن انعكاسات كل اتفاق على مستقبل النظام الإقليمي، والعلاقات الأمريكية–الإيرانية.
الخلاصة
إذا كان اتفاق أوباما عام 2015 محاولة لإعادة تشكيل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران ضمن نظام دولي متعدد الأطراف، فإن اتفاق ترامب عام 2026 يبدو أقرب إلى صفقة أمنية مؤقتة تعكس توازن القوى الجديد في الشرق الأوسط بعد عقد من الصراعات والعقوبات والتطور النووي الإيراني.
والفارق الأهم أن اتفاق 2015 سعى إلى منع وصول إيران إلى عتبة القدرة النووية، بينما يبدو وفق التوقعات الاسرائيلية والغربية معا، أن اتفاق 2026 يقوم على إدارة واقع أصبحت فيه إيران بالفعل دولة عتبة نووية يصعب إعادة برنامجها إلى ما كان عليه قبل عقد من الزمن.
ومن الناحية الجيوسياسية، فإن التداعي الأهم ربما لا يتعلق بإيران نفسها، بل بما يكشفه الاتفاق من تحولات داخل الولايات المتحدة، وخصوصاً تنامي الانقسام بين التيار القومي الانعزالي والتيار التقليدي المؤيد للكيان، وهو انقسام قد يؤثر مستقبلاً في شكل العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية وفي مكانة الشرق الأوسط داخل أولويات الاستراتيجية الأمريكية العالمية.
الكاتب: غرفة التحرير