على مدى أكثر من ثلاثة عقود، حاول الغرب و"إسرائيل" إسقاط مشروع السيد علي الخامنئي، كما أمضيا الوقت نفسه في دراسة شخصيته أكثر من أي قائد آخر في المنطقة. حيث كُتبت حوله آلاف الدراسات التي تحلل عقله ورؤيته ومنظوره. وكان بحق بشهادة خصومه قبل محبيه وأتباعه الرجل الذي أرّق الولايات المتحدة والكيان وناهض مشروعهما استكمالاً لمسيرة الإمام الخميني الراحل.
في تاريخ القادة، كثيرًا ما يكتب الأنصار سيرهم، ويخلد المحبون مآثرهم. لكن ثمة شخصيات تتخطى المألوف وتصبح محور فكرر الجميع، والسيد علي الخامنئي كان من هؤلاء.
منذ توليه قيادة الجمهورية الإسلامية عام 1989، لم يغب اسمه عن تقارير أجهزة الاستخبارات، ولا عن دراسات أبرز مراكز الأبحاث الأميركية والإسرائيلية، ولا عن اجتماعات صناع القرار. لم يكن ذلك لأن الرجل قاد دولةً ذات ثقل إقليمي فحسب، بل لأن خصومه أنفسهم انتهوا، رغم اختلافهم معه، إلى التعامل معه بوصفه العقل الذي يصوغ الخيارات الكبرى للجمهورية الإسلامية، والشخصية التي لا يمكن فهم سياسات إيران من دون فهم رؤيتها وطريقة إدارتها للصراع.
اليوم، وبعد استشهاده، لا تقتصر صور الوداع على ملايين المشيعين في إيران، ولا على المدن الخمس التي تمر بها مراسم التشييع، ولا على امتدادها إلى العراق بما يحمله ذلك من دلالات رمزية وسياسية، بل تتجسد أيضًا في حجم الحضور الدولي والوفود القادمة من عشرات الدول للمشاركة في هذه المناسبة. وهذا المشهد، يعكس أن الرجل الذي عاش أكثر من ثلاثة عقود في قلب العاصفة أصبح اسمًا حاضرًا في الوعي السياسي الإقليمي والدولي.
وكل الدول التي سعت جاهدة لتفكيك نظامه ومشروعه المحق، والمسؤولون الذين واجهوه في ملفات النووي والعقوبات والحروب الإقليمية، التقوا جميعًا عند حقيقة واحدة؛ أن السيد الخامنئي عصي على المخططات وبصير بكل ما يُحاك بالخفاء.
لقد حاولت عشرات الدراسات الغربية تفسير أسباب صمود الجمهورية الإسلامية أمام الحروب والعقوبات والضغوط المتواصلة. وكانت النتيجة التي تكررت في كثير منها أن فهم إيران يبدأ من فهم الرجل الذي يقف على رأسها. لذلك أفردت مؤسسات مثل مؤسسة RAND، ومعهد واشنطن، ومؤسسة كارنيغي، وغيرها، دراسات مطولة عن شخصيته، وآلية اتخاذه القرار، ورؤيته للصراع مع الولايات المتحدة و"إسرائيل". اختلفت هذه الدراسات في تقييم مشروعه، لكنها نادرًا ما اختلفت في تقدير تأثيره.
الرجل الذي أعاد تشكيل الجمهورية الإسلامية
على الرغم من أن مهدي خلجي يُعد من أبرز منتقدي الجمهورية الإسلامية، فإن كتابه The Regent of Allah ينتهي عمليًا إلى الاعتراف بأن السيد علي الخامنئي لم يكن مجرد خليفة للإمام الخميني، بل الرجل الذي أعاد هندسة النظام الإيراني. يصوره بوصفه الشخصية التي نقلت القيادة من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة، ورسخ شبكة من المؤسسات السياسية والعسكرية والدينية جعلت النظام أكثر تماسكًا. يختلف خلجي مع هذا المسار، لكنه يقر ضمنًا بأن أي دراسة لإيران الحديثة لا يمكن أن تتجاوز دور الخامنئي في إعادة صياغة بنية السلطة.
مفتاح فهم إيران
أما الباحث الإيراني الأميركي كريم سجادبور، الذي يعد من أكثر الباحثين استشهادًا بهم في الدوائر الغربية، فيكرر في دراساته أن فهم الجمهورية الإسلامية يبدأ بفهم علي الخامنئي. فهو يرى أن القائد هو صاحب القرار النهائي في القضايا المصيرية، وأن شخصيته وخبرته التاريخية تشكلان العدسة التي تُقرأ من خلالها سياسات إيران النووية والإقليمية وعلاقاتها الدولية. ورغم نقده لكثير من سياساته، فإنه يقدم السيد الخامنئي باعتباره الشخصية الأكثر تأثيرًا في النظام.
الدولة التي تدور حول قائدها
في عدد من الدراسات الصادرة عن مؤسسة RAND، يظهر السيد الخامنئي بوصفه مركز الثقل في عملية صنع القرار. وتؤكد هذه الدراسات أن المؤسسات الإيرانية، على تنوعها، تتحرك ضمن الإطار الاستراتيجي الذي يرسمه القائد. فإن من يريد فهم اتجاهات إيران بحسبهم لا يكفيه أن يقرأ الحكومة أو البرلمان أو حرس الثورة، بل عليه أن يفهم رؤية الرجل الذي يحدد الخطوط الكبرى للدولة.
كيان الاحتلال
ربما لا يوجد طرف تابع خطابات السيد علي الخامنئي كما فعلت "إسرائيل". فقد كانت خطاباته تترجم فور صدورها، وتناقش داخل المؤسسات الأمنية والإعلامية، وتخصص لها دراسات في مراكز الأبحاث. بدافع الفضول، ولأن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية كانت ترى فيه صاحب القرار النهائي في الملفات الاستراتيجية، والرجل الذي يحدد إيقاع المواجهة معها. ولهذا لم يكن اسمه يغيب عن تقديرات الموقف، ولا عن نقاشات رؤساء الحكومات ووزراء الحرب.
كذلك لم تكتف واشنطن بمراقبة إيران، بل سعت إلى فهم طريقة تفكير قائدها. لذلك أُنتجت عشرات الدراسات التي تناولت شخصيته، وآلية اتخاذه القرار، وما هي الحدود بنظره، وكيفية تعامله مع الضغوط والعقوبات. والمفارقة أن كثيرًا من هذه الدراسات انتهى إلى نتيجة واحدة: أن الرجل يمتلك صبرًا استراتيجيًا طويل النفس، وأنه يتجنب القرارات الانفعالية، ويفضل إدارة الصراع على المدى البعيد.
ومما توصل إليه كثيرون من هؤلاء أن الإمام الخامنئي مؤمن بمشروع الثورة الإسلامية، وأن مواقفه تجاه الولايات المتحدة وكيان الاحتلال نابعة من رؤية فكرية ترى أن الهيمنة التي تمارسها هذه الجهات تمثل التهديد الأكبر لاستقلال إيران والمنطقة.
وبعد المسيرة الطويلة للإمام الشهيد والعمل دون تعب أو كلل؛ وتقديمه النموذج الأسمى للأمة وتضحيته من أجلها. حقق الإمام حلمه ومضى على النهج الذي جسده طيلة حياته، وصوته ما زال يصدح "مثلي لا يبايع مثله".
الكاتب: زهراء نعيم