يعتبر هذا المقال، الذي نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، بأنه من المتوقع أن تتحوّل مراسم تشييع قائد الثورة الإسلامية الإمام السيد علي الخامنئي التي بدأتها الجمهورية الإسلامية في إيران بالأمس الجمعة (03/07/2026)، إلى استعراض جماهيري واسع للتحدي في مواجهة الغرب، وهو ما يتقاطع مع تصريحات رئيس مجلس الشورى الإسلامي محمد باقر قاليباف الذي وصف مراسم التشييع بأنها "تجديد لعهد الأمة مع الطريق المجيد للشهداء"، وتذكير بـ"قيم الثورة الإسلامية". وأشار المقال الى وجود تقديرات بمشاركة 20 مليون شخص في 6 أيام من مراسم العزاء، وهو ما سيكون من بين أكبر المشاركات في التاريخ.
النص المترجم:
وُضع جثمان القائد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، في مسجد مصلى الإمام الخميني الكبير في طهران يوم الجمعة، إيذاناً بانطلاق مراسم تشييع تستمر عدة أيام، ومن المتوقع أن تتحول إلى استعراض جماهيري واسع للتحدي في مواجهة الغرب.
ومن المتوقع أن تكون المشاركة من بين الأكبر في التاريخ. إذ تتوقع السلطات الإيرانية أن يشارك، على مدى 6 أيام من المراسم التي تبدأ السبت، ما يصل إلى 20 مليون شخص لتكريم خامنئي، الذي قُتل مع عدد من أفراد عائلته في الموجة الأولى من الغارات الجوية الإسرائيلية والأميركية على طهران قبل أكثر من 4 أشهر.
وقبيل بدء المراسم، حضر عدد من كبار المسؤولين الأجانب لتقديم واجب العزاء، من بينهم دميتري مدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، وهي وي، نائب رئيس أعلى هيئة تشريعية في الصين. كما أوفدت باكستان والعراق والهند وتركيا ودول أخرى ممثلين عنها.
وعرضت وسائل الإعلام الرسمية 5 نعوش بسيطة لُفّت بالأعلام الإيرانية داخل المسجد، من بينها نعش صغير يضم جثمان حفيدة خامنئي البالغة من العمر عاماً واحداً، والتي قالت إيران إنها قُتلت معه في الغارة الجوية.
وستسعى الجمهورية الإسلامية إلى توظيف هذه الحشود الجماهيرية لحشد مؤيديها، في ظل وقف إطلاق نار هش مع الولايات المتحدة، عقب أشهر من الحرب المدمرة.
وقال حسين أنصاري، وهو مترجم يعتزم المشاركة في مراسم الدفن النهائية في الـ 9 من تموز/يوليو بمدينة مشهد المقدسة، إن الحشود الكبيرة ستُظهر "لمن هم داخل البلاد وخارجها أنه، خلافاً لما يُصوَّر في الغرب، فإن غالبية الشعب كانت تكن له الاحترام، حتى وإن لم تكن متدينة إلى ذلك الحد".
وقبل أيام من التشييع، أغلقت المتاجر في طهران أبوابها، وامتلأت مواقف مراكز التسوق، مع تدفق الحشود إلى العاصمة. وكانت جنازة سلف خامنئي، آية الله السيد روح الله الخميني، عام 1989، قد استقطبت نحو 10 ملايين مشيّع، وشهدت فوضى كادت تؤدي إلى فقدان المسؤولين السيطرة على نعشه.
وستستمر مراسم التشييع في طهران 3 أيام، مع إغلاق جزئي للمجال الجوي فوق العاصمة، قبل نقل الجثمان إلى مدينة قم المقدسة يوم الثلاثاء. وفي يوم الأربعاء، سينقل نعش خامنئي إلى النجف وكربلاء في العراق، حيث تدعم إيران العديد من الجماعات المسلحة، وحيث ينظر كثير من أبناء الأغلبية الشيعية إلى خامنئي بوصفه مرجعاً دينياً. أما مراسم الدفن فستجري يوم الخميس في مسقط رأسه، مدينة مشهد شرقي إيران.
ولم تعلن السلطات الإيرانية ما إذا كان مجتبى خامنئي، نجل القائد الأعلى وخليفته، سيظهر خلال المراسم. وكان قد أُصيب في الغارة التي أودت بحياة والده وزوجته وعدد من أقاربه، ولم يظهر علناً منذ ذلك الحين، مكتفياً بإصدار رسائل مكتوبة متفرقة.
وشكّل إظهار الصمود في مواجهة الأعداء الخارجيين، حتى وإن أدى إلى الموت، أحد الركائز الأساسية لعقيدة الجمهورية الإسلامية وخطابها الدعائي طوال ما يقرب من خمسين عاماً. فقد تأسست الجمهورية الإسلامية عقب انتفاضة مناهضة للغرب عام 1979، ورسخت حكمها خلال الحرب التي استمرت 8 سنوات مع العراق.
ووصف محمد باقر قاليباف، أحد أبرز أركان السلطة والمفاوض الرئيسي الحالي، مراسم التشييع هذا الأسبوع بأنها "تجديد لعهد الأمة مع الطريق المجيد للشهداء"، وتذكير بـ"قيم الثورة الإسلامية".
وقالت امرأة من طهران إن خامنئي سيُذكر بأسلوب حياته الزاهد، وبجهوده لتعزيز سيادة إيران وقدراتها العسكرية المحلية.
وأضافت: "إرثه السياسي يتمثل في التمحور حول إيران ومقاومة القوى الكبرى في العالم، بمعنى أن علينا نحن أن نقرر مستقبلنا بأنفسنا".
ويترك خامنئي وراءه إيران التي شهدت، على مدى عقود، انقسامات حادة. فقد نشأ جيل كامل في ظل القمع والانهيار الاقتصادي، ووصل إلى مرحلة البلوغ وهو يحمل مشاعر عداء تجاهه، بحسب نرجس باجوغلي، الأستاذة المشاركة في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز.
إلا أنها قالت إن الحرب الأخيرة غيّرت نظرة كثيرين. فبالنسبة لعدد كبير من الإيرانيين، فإن قدرة النظام على الصمود وإلحاق الأذى بخصومه، بما في ذلك عبر استهداف قواعد أميركية وإغلاق مضيق هرمز، اعتُبرت دليلاً على صواب الاستراتيجية المتشددة التي انتهجها خامنئي.
وأضافت باجوغلي: "هذا لا يمحو سجل النظام الداخلي، لكنه يغيّر ما يمثله خامنئي بعد وفاته: من شخصية قمعية كان كثيرون يريدون رحيلها، إلى مهندس استراتيجية حافظت، في النهاية، على تماسك البلاد في مواجهة أخطر تهديد حديث تعرضت له".
وقال طالب جامعي يبلغ من العمر 23 عاماً في طهران إن التاريخ سيكون أكثر إنصافاً لخامنئي مما هو عليه الحاضر.
وأضاف: "لن يُسجل التاريخ معاناة الناس، بل سيُسجل جرأة إيران وطموحها في توسيع دائرة نفوذها خلال فترة حكمه. والإيرانيون عادة ما يُعجبون بمثل هؤلاء الحكام في التاريخ".
ورغم تراجع شعبية حكم خامنئي في السنوات الأخيرة، فإن ملايين الإيرانيين، وغالبيتهم من المحافظين، لا يزالون يؤيدون القيادة الدينية والمؤسسة العسكرية التي تُسقط النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.
وخلال الأيام الأخيرة، ألقى المحافظون الذين يهيمنون على المؤسسة الدينية والعسكرية خطابات مناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة لتبرير النهج التصادمي مع واشنطن. كما اعتبر بعض القادة أن ترسانة إيران الصاروخية وإتقانها استخدام الطائرات المسيّرة من أبرز إنجازات خامنئي.
وفي المقابل، كان الرئيس مسعود بزشكيان يتعرض لضغوط من القوى الأكثر ميلاً إلى التسوية من أجل الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في إطار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، قبيل مراسم التشييع، بهدف إظهار مكاسب الحوار، بحسب وسطاء مشاركين في المفاوضات.
لكن المحادثات غير المباشرة التي جرت هذا الأسبوع في الدوحة انتهت من دون نجاح فريق الرئيس في الإفراج عن أي أموال جديدة أو الحصول على تخفيف للعقوبات، بعدما رفضت إيران التخلي عن سيطرتها على مضيق هرمز. ويتولى حرس الثورة الإسلامية السيطرة على المضيق، وغالباً ما يكون على خلاف مع القيادات المدنية في البلاد.
ويرى بعض الخبراء أن سياسات خامنئي المتشددة كانت السبب الذي أدى، في نهاية المطاف، إلى مقتله.
وقال سانام وكيل، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز "تشاتام هاوس" البحثي في لندن: "لقد قُتل بسبب القيود التي فرضتها سياساته على نفسه، إذ انتهج سياسات إقليمية زعزعت الاستقرار، وهو ما دفع إسرائيل إلى توجيه الضربة".
وأضاف: "على النظام أن يُظهر الاحترام لسياساته وهو يواريه الثرى. لكن السؤال هو: هل سيدفن أفكاره أيضاً، ويتيح للنظام أن يقطع مع أساليب الماضي؟".
الكاتب: غرفة التحرير