الثلاثاء 07 تموز , 2026 01:10

وسائل الإعلام العالمية تؤطّر أكبر جنازة في إيران باعتبارها استفتاءً جيوسياسياً

تشييع الإمام الشهيد السيد الخامنئي في العاصمة طهران

يستعرض هذا المقال، الذي نشرته صحيفة طهران تايمز وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني، تحوّل الرواية الإعلامية العالمية حول تشييع قائد الثورة الإسلامية الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي من تغطية الحجم الهائل وغير المسبوق للحشود، إلى تحليل الرمزية السياسية والجيوسياسية العميقة لأمة تنعى قائدها الذي اغتيل. مشيراًُ الى أن ما شهدته شوارع طهران خلال الأيام الثلاثة وصفته وسائل إعلام دولية بأنه "جنازة القرن"؛ وهو مشهد جرى تنظيمه بعناية، امتزجت فيه مشاعر الحزن والغضب والتحدي، وأجبر حتى وسائل الإعلام الغربية المعادية على الإقرار بقدرة الجمهورية الإسلامية على الصمود.

النص المترجم:

ما شهدته شوارع طهران خلال هذه الأيام الثلاثة وصفته وسائل إعلام دولية بأنه "جنازة القرن"؛ وهو مشهد جرى تنظيمه بعناية، امتزجت فيه مشاعر الحزن والغضب والتحدي، وأجبر حتى وسائل الإعلام الغربية المعادية على الإقرار بقدرة الجمهورية الإسلامية على الصمود. وكأنها سيمفونية جنائزية مهيبة يتردد صداها عبر العصور، ارتفع عويل الملايين إلى السماء، محوّلاً العاصمة الإيرانية إلى مسرح واسع للعزاء، حيث تتداخل صفحات التاريخ مع النبوءة.

حجم الحزن الذي لا يمكن استيعابه

منذ البداية، كان الموضوع الأبرز في التغطية الدولية – من رويترز إلى وكالة أسوشيتد برس، والجزيرة، ودويتشه فيله – هو السيل البشري غير المسبوق الذي اجتاح العاصمة الإيرانية. فقد أظهرت لقطات الطائرات المسيّرة، التي بُثت إلى أنحاء العالم، نهراً من المشيعين الذين ارتدوا السواد وهم يملؤون الشوارع الرئيسية في طهران، في بحر بشري بدا وكأنه يبتلع المدينة بأكملها. وقالت رويترز إن المراسم شكّلت تظاهرة وطنية تؤكد استمرارية الدولة عقب واحدة من أكثر اللحظات أهمية في تاريخ الجمهورية الإسلامية. أما وكالة أسوشيتد برس، التي غطّت الحدث مباشرة، فقد وصفت أعداد المشيعين بأنها فاقت تلك التي شاركت في تشييع الجنرال قاسم سليماني عام 2020.

وكانت كثافة الحشود هائلة إلى درجة دفعت السلطات إلى رش المياه من سيارات الإطفاء لتبريد المشيعين من حرارة شهر تموز اللاهبة، في مشهد عكس حزناً عميقاً يكاد يخنق الأنفاس. وقالت مريم علي زاده، وهي تبكي، لوكالة أسوشيتد برس: "هذه هي المرة الأخيرة التي أراه فيها. لقد عاش جيلنا معه لعقود". وذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن السلطات توقعت مشاركة ما بين 12 و15 مليون زائر على امتداد مراسم التشييع التي تستمر 6 أيام، وهو ما سيجعلها واحدة من أكبر الجنازات في التاريخ الحديث. ووفقاً لوكالة فارس للأنباء، سُجل ما يقارب مليوني رحلة على مترو طهران خلال أقل من ساعتين مع انطلاق موكب التشييع صباح الاثنين.

وجاءت التغطية الإعلامية معبّرة إلى حد كبير، إذ نقلت المشاعر الخام للجمهور المفجوع. ووصفت رويترز موكب التشييع بأنه يجسد الرمزية القوية لـ"التقليد الشيعي في الشهادة والحداد". وأضافت: "لقد تجلت هذه الرمزية المؤثرة منذ وفاة قائد إيران، من خلال أعلام الحداد السوداء المعلّقة في شوارع المدينة، وهي أعلام تشير إلى استشهاد الإمام الشيعي الثالث، الحسين بن علي". أما ليس دوسيه، مراسلة بي بي سي من طهران، فلاحظت أن الحشود لم تكن في حالة حداد فحسب، بل كانت أيضاً جزءاً من "حدث منظم بعناية ومشحون بالسياسة"، وأن القيادة الإيرانية الجديدة أرادت توجيه رسالة قوة ومقاومة. وأضافت: "إنه المشهد الذي تريد إيران أن يراه العالم."

سياسة الثأر: "بيان جيوسياسي"

في حين أن مشاعر الحزن كانت حقيقية وملموسة، فقد ركزت الصحافة الدولية بشكل مكثف على الرسائل السياسية المضمّنة في هذا الحداد الجماعي. فقد تحولت المراسم إلى منصة قوية للتعبير عن المشاعر المعادية للولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما أوردته على نطاق واسع كبرى وسائل الإعلام. وذكرت صحيفة ديلي ميل أن المشيعين شوهدوا وهم يحرقون العلمين البريطاني والأمريكي ويرشقون صور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالحجارة، فيما انتشرت لافتات كُتب عليها "اقتُلوا ترامب" على طول الشوارع. كما عُلّقت دمية تمثل ترامب في ساحة الإمام الحسين، بينما حمل المشيعون ملصقات تحمل صور ترامب وبيت هيغسيث وجيه دي فانس وبنيامين نتنياهو، وقد رُسمت على وجوههم علامات التصويب.

وشاهد فريق شبكة سي إن إن الموجود على الأرض مشيعين يتعهدون بالانتقام، حيث قال أحدهم للشبكة: "اليوم، ونحن هنا في جنازة قائدنا، إنه يوم صعب جداً. نحن لسنا هنا لنودعه، نحن هنا من أجل الانتقام. وسوف ننتقم". وأفادت قناة الجزيرة بأن "آلاف الأشخاص ملأوا المصلى الكبير لتقديم التعازي لخامنئي"، مع مشاركة وفود من حماس وحزب الله في المراسم. وقالت مشيعة تُدعى سحر زراعتكر لوكالة أسوشيتد برس: "نحن هنا لنثبت أن نهجه سيستمر، وأن كل واحد من هؤلاء الناس سيواصل السير على دربه بقبضات مرفوعة، وسنثأر قريباً بالتأكيد لدمه من الولايات المتحدة وإسرائيل."

وقد صاغ بعض المحللين هذا التحول من الحزن إلى الدعوة للتحرك باعتباره نجاحاً استراتيجياً لطهران. واعترفت صحيفة وول ستريت جورنال بأن المراسم شكّلت "استعراضاً هائلاً لتحدي الجمهورية الإسلامية للغرب"، ومن المتوقع أن تكون واحدة من أكبر التجمعات في التاريخ. وقال محلل سياسي لوكالة أنباء الحوزة: "إن الحشد نفسه يتحول إلى سلاح؛ فمسيرة تضم ما بين 15 و20 مليون شخص تشكل بياناً حياً يؤكد أن الإرادة لم تنطفئ". وبالنسبة للقيادة الإيرانية، مثّلت الجنازة لحظة حاسمة لتعزيز الشرعية السياسية وإظهار الاستقرار بعد حرب مدمرة وخلال مرحلة انتقال سياسي استثنائية. وكطائر العنقاء الأسطوري الذي ينهض من رماد الحرب، تبدو الجمهورية الإسلامية وكأنها تصوغ شرعيتها المتجددة من النيران ذاتها التي سعت إلى إحراقها.

وتحدث أنتوني هاورد من دويتشه فيله مع بهنام بن طالبلو من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، الذي قال إن "الجنازة تمثل فرصة للسلطات الإيرانية لإظهار قدرتها على الصمود بعد 5 أسابيع من الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة". أما صحيفة الغارديان، فلاحظت أن "حجم المسيرة وعمقها، مهما كان مقدار تنظيمها، يمثلان تحولاً استثنائياً لبلد كان قبل 7 أشهر فقط يعيش على وقع الاحتجاجات."

منصة دولية للتضامن

على الصعيد الدبلوماسي، شكّلت مراسم التشييع حدثاً بالغ الأهمية. وأفادت وكالة شينخوا بأن مسؤولين وممثلين من أكثر من 100 دولة حضروا المراسم، بمن فيهم وفود من روسيا والصين وباكستان والسعودية. وذكرت صحيفة "داون" الباكستانية أن "حشوداً هائلة تجمعت للمشاركة في تشييع قائد إيران الذي اغتيل"، فيما قدّرت السلطات عدد المشاركين بالملايين، بأعداد قد تضاهي تلك التي شاركت في وداع سلفه قبل نحو أربعة عقود. كما أشارت صحيفة "حرييت ديلي نيوز" التركية إلى ضخامة الحشود، ووصفت كيف "غطّت بتلات الزهور النعش أثناء سيره في الشوارع".

وقد اعتُبر هذا الحضور الدولي الواسع، الذي جاء رغم الضغوط التي أفادت تقارير بأن وزارة الخارجية الأمريكية مارستها لثني الشخصيات الأجنبية عن المشاركة، انتصاراً دبلوماسياً لطهران وتذكيراً واضحاً بحدود النفوذ الأمريكي. وأفادت قناة الجزيرة بأن حضور ممثلين من أكثر من 100 دولة حوّل العاصمة إلى مركز للتضامن. أما صحيفة "الأخبار" اللبنانية، فقد وصفت الحدث بأنه "جنازة القرن" نظراً لثقله السياسي الكبير. ونقلت قناة "جيو تي في" الباكستانية عن قائد الجيش الإيراني قوله: "هذا قرار حاسم سنمضي فيه حتى نحقق النتائج"، متعهداً بعدم التخلي عن السعي لتحقيق العدالة.

وأفادت دويتشه فيله بأن "الحضور الجماهيري الضخم شجّعه النظام الإيراني لإظهار ما يقول إنه استمرار قوة البلاد ووحدتها، في وقت يجري فيه مفاوضات بشأن إنهاء دائم للحرب". وذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن "محللين إيرانيين يرون أن وفاة (آية الله) خامنئي في هجوم عسكري أجنبي أتاحت للسلطات حشد عدد أكبر من الناس حول مفهومي السيادة والمقاومة مقارنة بما كان ممكناً قبل الحرب."

الطريق إلى الأمام: من طهران إلى مشهد

ستواصل نعوش القائد الشهيد وأفراد عائلته رحلتها عبر المدن المقدسة قم والنجف وكربلاء، قبل مواراته الثرى في مسقط رأسه، مشهد، عند مرقد الإمام الرضا. ومع استمرار المراسم، يراقب العالم مشهد حزن أمة عميق، وإعلان دولة عن قوتها، وتبلور فصل جديد في تاريخ إيران. وبحسب ما نقلته صحيفة فايننشال تايمز عن أحد المشيعين: "أنا هنا لأودّع القائد الشهيد، ولأقول إن نهجه يجب أن يستمر. لقد قدّمنا آلاف الشهداء في هذه الحرب. وينبغي لإيران أن تُظهر قوتها في هذه المنطقة."

ورصدت صحيفة واشنطن بوست هذا المشهد، إذ أفادت بأن "موكب تشييع ضخم لقائد إيران الأعلى، علي خامنئي، الذي قُتل، أُقيم في طهران صباح الاثنين، حيث اكتظت الشوارع بحشود غفيرة جاءت لتوديع آية الله الذي حكم البلاد لمدة 37 عاماً قبل أن يُقتل في غارة جوية عن عمر ناهز 86 عاماً."

ومع غروب شمس اليوم الثالث من الحداد، بدأت شوارع طهران تخلو تدريجياً من المشيعين، إلا أن أصداء ملايين الأصوات التي هتفت بالثأر والوفاء ما زالت تتردد في الأجواء. لقد أصبحت جنازة آية الله علي خامنئي أكثر من مجرد مراسم وداع؛ إنها إعلان عن الصمود، وشهادة على قدرة أمة على الجمع بين الحزن العميق والتحدي الذي لا يلين. وفي الأيام المقبلة، بينما تواصل النعوش رحلتها إلى المراقد المقدسة ويتحوّل اهتمام العالم تدريجياً إلى قضايا أخرى، يبقى أمر واحد مؤكداً: أن إرث القائد الراحل، الذي تشكّل في أتون الحرب والحداد، سيواصل رسم ملامح مصير إيران وغرب آسيا لأجيال قادمة.


المصدر: طهران تايمز - Tehran times

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور