الأربعاء 08 تموز , 2026 03:24

الدولة اختبرت الدبلوماسية.. فماذا حقق لبنان؟

الدبلوماسية ليست الطريق لإنهاء الحرب

منذ أن وضعت الدولة اللبنانية ثقلها في المسار الدبلوماسي والتفاوض مع كيان الاحتلال، وقدمت هذا الخيار باعتباره الطريق القادر على وقف الاعتداءات واستعادة الأرض وإعادة النازحين إلى قراهم. حصلت السلطة، في الوقت نفسه، على فرصة نادرة لاختبار رهانها بعيداً عن ضغط الجبهة، إذ التزم حزب الله وقف إطلاق النار وامتنع عن التصعيد، لا استجابة لمسار التفاوض اللبناني مع الاحتلال، بل في ظل التفاهمات الإيرانية–الأميركية وإدراج طهران جبهة لبنان في أول بنودها. ومع ذلك، لم تستطع الدولة تحويل هذا الهدوء إلى أي مكسب للبنان. إذ لم ينسحب الاحتلال، ولم تتوقف اعتداءاته، ولم تصبح آليات تنفيذ الاتفاق فاعلة، فيما واصل تنفيذ عملياته العسكرية والاستمرار باحتلال الأرض وتعطيل أي تقدم سياسي. وهكذا، وجدت الدولة نفسها أمام حصيلة تكشف مأزق خيارها بعد أن تفاوضت مع العدو، وراهنت على الوساطة الأميركية، وحصلت على الوقت والهدوء اللازمين لإنجاح مسارها، لكنها لم تنتزع انسحاباً ولا وقفاً للاعتداءات. 
فماذا حققت الدولة اللبنانية من الرهان على الدبلوماسية، إذا كان الاحتلال قد احتفظ بحرية الحركة في لبنان الذي يريد تحويله لساحة تشبه غزة. وبقيت تنتظر من واشنطن أن تضغط عليه لتنفيذ ما لم تستطع المفاوضات إلزامه به؟
لم يعد الحديث عن نجاح الخيار الدبلوماسي أو فشله مسألة افتراضية. فالأشهر التي أعقبت التفاهمات وفّرت للدولة اللبنانية فرصة فعلية لاختبار المسار الذي اختارته. حافظ حزب الله على وقف إطلاق النار ولم يفتح جبهة جديدة، فيما دخلت السلطة في مفاوضات مع الاحتلال برعاية الولايات المتحدة، وشُكّلت لجنة عسكرية مشتركة يفترض أن تتولى متابعة تنفيذ الاتفاق، بالتوازي مع استعداد الجيش اللبناني للانتشار في المناطق التي يُفترض أن ينسحب منها الاحتلال. أي أن الدولة حصلت عملياً على الهدوء والوقت والغطاء الأميركي الذي راهنت عليه لدفع مسارها إلى الأمام.
لكن تقريراً نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية يكشف أن الحصيلة جاءت في الاتجاه المعاكس. فالصحيفة تقر بأن الحكومة اللبنانية لم تستطع إظهار أي إنجاز ملموس، وأن اللجنة العسكرية المشتركة لم تصبح فاعلة بالكامل، فيما لم يستكمل الاحتلال انسحابه، وتعطلت الجهود السياسية في ظل غياب أي تقدم في المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة. والأهم أن العمليات العسكرية الإسرائيلية استمرت في جنوب لبنان، إلى درجة أن مسؤولين لبنانيين باتوا يرون أن الاتفاق منح الاحتلال عملياً حرية واسعة في العمل العسكري من دون أن يتغير الكثير على الأرض.
وهذا يدل على أن لبنان دخل في مفاوضات غير متكافئة، احتفظ فيها الاحتلال بأهم أوراق قوته من دون أن تُفرض عليه آلية تلزمه بالتخلي عنها مقابل ما يُطلب من الجانب اللبناني. واحتفظ بقدرته على تعطيل تنفيذ الاتفاق، فيما تحولت الالتزامات المطلوبة من لبنان إلى خطوات محددة يجري قياسها ومراقبتها والضغط من أجل تنفيذها. وبذلك، أصبحت الدولة مطالبة بإثبات تقدمها في انتشار الجيش وتنفيذ الترتيبات الأمنية وملف سلاح حزب الله، بينما بقي الانسحاب ووقف الاعتداءات معلقاً.
وهذا يعني أن الخطوات المطلوبة من لبنان لم تقابل بخطوة متزامنة من الاحتلال، ولم تجعل الدولة الانسحاب ووقف الاعتداءات شرطاً للتقدم في بقية بنود الاتفاق. لذلك أصبح لبنان مطالباً بالمضي في مسار طويل من الالتزامات، فيما يستطيع الاحتلال المماطلة. وبذلك، لم يعد الوقت يعمل لمصلحة الدولة اللبنانية، بل لمصلحة الاحتلال الذي حصل على ما يحتاج إليه.
والأخطر أن الدولة وضعت مصير هذا المسار في يد الوسيط الأميركي. فبدلاً من امتلاك الاتفاق آلية واضحة تلزم الاحتلال بالتنفيذ، بات لبنان ينتظر من واشنطن أن تستخدم نفوذها للضغط عليه. وهو ما يظهر بوضوح في مطالبة الرئيس جوزاف عون الولايات المتحدة بالتدخل لاستكمال الانسحاب. لكن استمرار الحاجة إلى مطالبة واشنطن بالضغط يكشف بحد ذاته ضعف الرهان؛ فلو كانت المفاوضات قد أنتجت ضمانات حقيقية وآلية إلزام، لما بقي تنفيذ حقوق لبنان مرتبطاً بقرار أميركي حول متى تضغط على الاحتلال، وإلى أي مدى تريد الضغط عليه.
ولا تتوقف نتائج هذا المسار عند عجز الدولة عن تحقيق تقدم، بل تمتد إلى محاولة الاحتلال استغلال المرحلة الراهنة لتكريس واقع جديد في جنوب لبنان يشبه ما يفعله في قطاع غزة. وهو ما تشير  إليه صحيفة "هآرتس"، التي تقول أن "الوضع المؤقت قد يتحول إلى حالة دائمة"، يبقى فيها الجنوب معلقاً بين حرب لا تُستأنف بصورة شاملة وتسوية لا تأتي، فيما تستمر الضربات والاغتيالات والعمليات العسكرية المحدودة تحت سقف وقف إطلاق النار. غير أن قدرة الاحتلال على تثبيت هذه المعادلة صعبة، إذ إن التزام حزب الله بالتهدئة حالياً لا يعني قبوله بتحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة أمام الاعتداءات الإسرائيلية. فالحزب، الذي منح التفاهمات الإيرانية–الأميركية مساحة ومنع انزلاق الجبهة إلى مواجهة جديدة، لا يزال يحتفظ بخيار تغيير قواعد الاشتباك إذا تحولت هذه المرحلة إلى احتلال دائم واستنزاف مفتوح لأهالي الجنوب. وبذلك، فإن المأزق الذي توصلت إليه الدولة قابل للانهيار في أي لحظة. وعودة المقاومة إلى فرض معادلة ميدانية بعدما عجزت المفاوضات.
كشفت الأشهر الماضية حدود الرهان الذي تبنته الدولة اللبنانية، بعدما تبين أن الانتقال من الميدان إلى التفاوض لم يكن كافياً لانتزاع الحقوق ما دام الطرف الآخر غير ملزم. فقد تعامل الاحتلال مع المرحلة باعتبارها فرصة لإدارة المعركة بشروط أقل كلفة عليه، مستفيداً من غياب أي آلية تجبره على إنهاء وجوده العسكري واحترام سيادة لبنان. واليوم، لم يعد المطلوب منح الدبلوماسية مزيداً من الوقت، كذلك الاعتقاد بأن واشنطن يمكن أن تكون ضمانة كافية لحماية المصالح اللبنانية. 
فبعد أن حصلت السلطة على فرصة كاملة "لتجربة" خيارها كما كان يريد الرئيس عون، بات عليها أن تجيب عن سؤال: ماذا تفعل الدولة عندما يرفض الاحتلال الانسحاب، وتعجز المفاوضات عن إلزامه، ولا يعود الهدوء سياسة قادرة على حماية لبنان؟


الكاتب: زهراء نعيم




روزنامة المحور