أظهرت التغطية الإعلامية العالمية لمراسم تشييع الشهيد القائد السيد علي الخامنئي تباينًا لافتًا في زوايا المعالجة، يعكس الاصطفافات السياسية والجيوسياسية المختلفة لوسائل الإعلام حول العالم. فبينما ركّز الإعلام الغربي على البعد السياسي للجنازة بوصفها مؤشرًا على قدرة النظام الإيراني على إعادة إنتاج شرعيته الداخلية بعد الحرب، قدّم الإعلام الصيني الحدث كرسالة استراتيجية متعددة المستويات موجهة للحلفاء والخصوم على حد سواء، في حين تناوله الإعلام الروسي باعتباره دليلًا على فشل الرهانات الأمريكية والإسرائيلية في إضعاف إيران. وبشكل عام، أجمعت هذه التغطيات على أن مراسم التشييع لم تكن مجرد وداع لشخصية دينية وسياسية بارزة، بل حدثًا مفصليًا أعاد رسم موقع إيران في معادلات المنطقة بعد الحرب.
في التحليل الغربي، رأى الباحث روبرت باب أن الحشود المليونية التي خرجت لتشييع المرشد الأعلى تتجاوز في دلالتها البعد السياسي الظاهري، إذ إنها ستُسهم في تعزيز ثقة طهران التفاوضية وتشجيعها على التمسك بمواقف أكثر تشددًا، في وقت يتزامن فيه ذلك مع تراجع مخزونات النفط العالمية، ما قد يفضي إلى صدمة اقتصادية دولية في آب/أغسطس المقبل. أما صحيفة كريستيان ساينس مونيتور فقد وثّقت أجواء الغضب والدعوات إلى الانتقام من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال الموكب، ونقلت عن باحثين، من بينهم ولي نصر، أن الحرب التي استهدفت النظام الإيراني ربما ساهمت – بشكل متناقض – في إنقاذه من تصدعات شرعيته الداخلية بعد احتجاجات كانون الثاني، بدلًا من إسقاطه. كذلك أشار محللون إسرائيليون، كما نقلت المجلة، إلى أن اغتيال الخامنئي عطّل مسار تحول داخلي كان يتشكل تدريجيًا في المجتمع الإيراني.
من جهتها، وثّقت صحيفة الغارديان مشاهد من اليوم الرابع للجنازة، حيث امتزج الحداد بمشاعر الفخر الوطني والتحدي، وسط حرارة قاسية ورشّ مستمر للمياه على الحشود، ودعوات صريحة للانتقام من قبل عدد من المشيّعين الذين اعتبروا صمودهم خلال الحرب دليلًا على تماسك الهوية الإيرانية. أما صحيفة نيويورك تايمز فربطت بين اتساع رقعة صور الخامنئي في شوارع طهران وبين حضور نجله وخليفته مجتبى، معتبرة أن ذلك يرمز إلى نهاية حقبة وبداية أخرى، وسط تناقضات مجتمعية واضحة بين نساء بلا حجاب ومحافظين متشددين يسيرون جنبًا إلى جنب. وتناولت بي بي سي والاندبندنت وذا هيل وفرانس برس مشاهد مماثلة من الحشود الغفيرة واللافتات المطالبة بالانتقام.
أما التغطية الصينية، فقد ركزت على البعد الرمزي والديني للرسائل التي وجّهتها القيادة الإيرانية للوفود الأجنبية عبر تلاوة آيات قرآنية مختلفة بحسب هوية كل وفد، بما يعكس – بحسب الباحثة سانام وكيل من تشاتام هاوس – استراتيجية متعمدة لتشجيع حلفاء "محور المقاومة" وتوجيه تحذيرات مبطنة لدول إقليمية أخرى كالسعودية وتركيا. كذلك تطرقت تقارير صينية إلى ضغوط أمريكية مورست على عدد من الدول لثنيها عن إرسال ممثلين للمشاركة في الجنازة، في مسعى لعزل النظام الإيراني دبلوماسيًا.
في المقابل، قدّم الإعلام الروسي، من خلال مراسل صحيفة "كومسومولسكايا برافدا"، سردية ميدانية مطولة عن أجواء الموكب، من الحرارة الشديدة والازدحام إلى مشاهد التنظيم المفاجئ للحشود، مستخلصًا أن الفهم الغربي لإيران باعتبارها دولة "فوضوية" هو ما أدى إلى إخفاق واشنطن وتل أبيب في إخضاعها، إذ إن قوة إيران الحقيقية، بحسب هذا الطرح، تكمن في تماسكها الروحي والمجتمعي لا في تنظيمها الشكلي. كما نقل المراسل انطباعات من مشيّعين وصحفيين أجانب حول تصاعد نفوذ إيران عالميًا في مقابل تراجع الهيمنة الغربية.
في الخلاصة أجمعت التغطية العالمية، رغم اختلاف زوايا النظر بين الغرب والصين وروسيا، على أن جنازة الشهيد الخامنئي مثّلت حدثًا استراتيجيًا يتجاوز الطابع الديني والشعبي، وأعادت تموضع إيران كقوة إقليمية متماسكة في مرحلة ما بعد الحرب.
الكاتب: غرفة التحرير