الخميس 09 تموز , 2026 02:30

الإنجازات الاستراتيجية لقيادة الإمام السيد علي الخامنئي

السيد علي الخامنئي

شكّلت سنوات القيادة التي تولاها السيد علي الخامنئي محطة استثنائية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، إذ ارتكزت على الحفاظ على الأمن الداخلي واستقرار مؤسسات الدولة باعتبارهما شرطًا لازمًا لاستمرار التنمية وحماية المجتمع، مع التمييز الدائم بين المطالب الشعبية المشروعة التي تستدعي الحوار وبين التحركات التي تُصنَّف تهديدًا للنظام فتُدار ضمن الأطر القانونية والأمنية. وترافق ذلك مع دعم متواصل لمؤسسات الحكم وتمكينها من أداء مهامها، وتوجيه الحكومات المتعاقبة نحو إعطاء الأولوية للملفات الاقتصادية والمعيشية، وتشجيع مبادرات الإصلاح الإداري باعتبار نجاح الدولة عنصرًا أساسيًا في تحقيق الاستقرار الوطني.

كما حرصت القيادة على صون الانسجام بين السلطات الثلاث ومنع أي ازدواجية في القرار أو تضارب في الصلاحيات، وعلى تعزيز الثقة بين المسؤولين والمواطنين عبر تقليص الفجوة بينهما والاستجابة للمطالب الخدمية، فضلًا عن إدارة ما وُصف بـ"حرب الروايات" الإعلامية من خلال ترسيخ الأمل الاجتماعي وإبراز الإنجازات ورفع مستوى الوعي بأدوات الضغط الخارجية، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو نفسية. وشكّلت الوحدة الوطنية خلاصة هذه المرتكزات جميعها، إذ اعتُبر تماسك المجتمع وتعاون مؤسساته عاملًا حاسمًا في مواجهة الأزمات الأمنية والعسكرية وتقليل آثارها.

واستندت فلسفة الحكم إلى مزج بين الالتزام الصارم بمبادئ الإمام الخميني المؤسسة للجمهورية وبين مرونة مؤسساتية لمواجهة التحولات الإقليمية والدولية، وهو ما انعكس في الخطاب الأول أمام الجماهير الذي أكد الوفاء لنهج الخميني ومبادئ الاستقلال ومناهضة الهيمنة ونصرة القضية الفلسطينية. واتسمت شخصية القيادة بجملة صفات كالاتكال الديني، والاستناد إلى المرجعية الإسلامية، والميل إلى العدالة ونبذ التمييز، والارتباط الشعبي، والالتزام بالأطر الدستورية، وتفضيل الاستشارة التقنية قبل اتخاذ القرار، إلى جانب قبول النقد الذاتي ومناهضة الاستكبار الدولي والتمسك بالبساطة في نمط العيش. وتُرجمت هذه الصفات عمليًا عبر ثمانية إجراءات لتعزيز المنعة الداخلية، منها ضبط الأمن مع إبقاء الحوار مفتوحًا، ومعالجة المطالب المعيشية، والحفاظ على تماسك السلطات، وتعميق وعي الشعب بطبيعة السياسات الأمريكية، والتمسك بالوحدة الوطنية كخط دفاع أول.

وشهدت مرحلة انتقال القيادة في تموز 1989 ظروفًا بالغة الدقة، بين مراجعة دستورية لم تكتمل بعد، ووقف إطلاق نار هش مع العراق، ومخاوف من استفزازات عسكرية أمريكية أو من تنظيم "مجاهدي خلق". ونجحت القيادة الجديدة في احتواء هذه الهواجس واستعادة روح التماسك الاجتماعي عبر الالتزام الحرفي بالدستور والوفاء لخط الخميني، محبطة رهانات الخارج على حدوث انهيار داخلي، ومحوّلة تلك المرحلة الهشة إلى قاعدة انطلاق نحو بناء نفوذ إقليمي لاحق.

وعلى الصعيد الاقتصادي، جرى الاعتراف صراحة بوجود تحديات بنيوية كالتضخم والبطالة والركود، وعبّر خطاب عام 2017 عن حرج شديد من معاناة الشباب العاطلين عن العمل. ولمواجهة ذلك، اعتُمدت آلية "تسمية الأعوام" بشعارات اقتصادية متعاقبة، بدءًا من "الجهاد الاقتصادي" عام 2011، مرورًا بمراحل دعم الإنتاج الوطني وخلق فرص العمل، حتى "ازدهار الإنتاج" عام 2019، وصولًا إلى إقرار وثيقة "اقتصاد المقاومة" في شباط 2014 كإطار لمواجهة العقوبات، ثم إنشاء "المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي" عام 2018 لمنح القرارات الاقتصادية نفاذًا فوريًا خلال مرحلة الضغط الأقصى، إلى جانب تحذيرات متكررة من التهريب المنظم ودعوات لتشديد الرقابة الحدودية.

وفي المجال العلمي والتكنولوجي، اعتُبر تطوير القدرات الذاتية أداة سيادية لتحقيق القوة الوطنية، وتجلّى ذلك في بناء منشآت تخصيب اليورانيوم في أصفهان ونطنز وأراك وفوردو، وإطلاق أول قمر صناعي إيراني "سينا 1"، وتقدّم معهد رويان في الأبحاث الطبية والبيولوجية، وتصنيع الحواسيب فائقة القدرة، إضافة إلى تطوير مقاتلة "صاعقة" وأنظمة رادار ومنظومات دفاعية محلية، وهي منجزات وُصفت بأنها تحويل شعار "نستطيع" إلى واقع ملموس رغم الحصار.

وأدّت خطب صلاة الجمعة في طهران دورًا محوريًا كمنصة لإدارة الأزمات الكبرى وصياغة مواقف إقليمية مفصلية، من التضامن مع الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، مرورًا بالدفاع عن الحق النووي الإيراني، وتوصيف نصر حزب الله في حرب 2006، وإعلان فشل مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، وصولًا إلى خطاب احتواء الاحتجاجات عقب انتخابات 2009، ثم مواقف لاحقة تناولت الصحوة العربية عام 2011، واستشهاد قاسم سليماني عام 2020، وخطب 2024 التي تناولت اغتيال حسن نصر الله وإسماعيل هنية والرد الصاروخي على "إسرائيل"، وأحداث سوريا في نهاية العام ذاته.

وفي البعد الإقليمي، قامت العقيدة الدفاعية على اعتبار أمن إيران وجيرانها منظومة مترابطة، وأن الدعم المقدَّم لحزب الله وقوى المقاومة الأخرى واجب مشروع لمواجهة الاحتلال والهيمنة الغربية، استنادًا إلى تفسيرين رئيسيين لدور إيران العسكري الاستشاري في العراق وسوريا: أولهما رد الجميل التاريخي لدمشق التي ساندت طهران خلال الحرب مع العراق في الثمانينيات، وثانيهما استباق خطر تنظيم داعش قبل وصوله إلى الداخل الإيراني. وخلصت هذه التجربة إلى ثلاثة دروس تحذر من التهاون مع الخصوم، ومن الغرور عند تحقيق الإنجازات، ومن الاستسلام النفسي أمام الصعوبات.

وتعكس هذه المسيرة التي تجاوزت ربع قرن نمط حوكمة جمع بين الثبات على المبادئ التأسيسية والمرونة في مواجهة التحديات، وهو ما مكّن إيران، وفق هذا السرد، من الانتقال من مرحلة تأسيس هشة إلى موقع إقليمي وعلمي أكثر رسوخًا.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور