الخميس 09 تموز , 2026 03:29

العودة إلى القتال: إيران في صلب الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية

الحرب بين إيران والكيان الإسرائيلي

تكشف التصريحات الصادرة عن المستويين السياسي والعسكري في الكيان الإسرائيلي خلال الفترة الأخيرة أن المؤسسة الإسرائيلية لا تنظر إلى الحرب مع إيران باعتبارها مواجهة انتهت بوقف إطلاق النار، بل باعتبارها مرحلة ضمن صراع استراتيجي طويل لم تُحسم نتائجه بعد. فرغم خطاب "الإنجازات غير المسبوقة" الذي يروّج له نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، فإن استمرار التأكيد على ضرورة الجهوزية للعودة الفورية إلى القتال، كما ورد على لسان رئيس الأركان إيال زامير الذي وصف إيران بـ"المحور المركزي" في استعدادات الجيش، يعكس قناعة بأن الضربة العسكرية لم تُنهِ مصادر التهديد الأساسية، وأن التحدي لا يرتبط فقط بحجم الأضرار التي لحقت بإيران بل بقدرتها على إعادة بناء منظوماتها النووية والصاروخية.

وتتوزع دوافع العودة إلى الحرب على ثلاثة محاور رئيسية. يتصدرها منع إعادة بناء البرنامج النووي الإيراني، إذ لا تعتبر التحليلات العبرية الأضرار التي لحقت بالبنية النووية نهائية، وسط تقارير عن أعمال ترميم في منشآت نطنز وأصفهان وفوردو، فيما يكرر نتنياهو التأكيد أن الكيان لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي طالما بقي رئيسًا للحكومة. ويأتي الدافع الثاني من قناعة بأن الحرب السابقة أضعفت إيران دون أن تحسمها استراتيجيًا، وهو ما عبّر عنه القائد السابق لسلاح الجو عميكام نوركين بقوله إن الضرر لم يكن كافيًا لدفع طهران إلى تنازلات جوهرية، بينما حذّر بوعز غانور من أن الانتصارات التكتيكية قد تتحول إلى خسارة استراتيجية إن لم تُترجم إلى تغيير مستدام. أما الدافع الثالث فيتعلق بإعادة تثبيت الردع ومنع تآكل صورة القوة، خصوصًا بعد أن رسّخ 7 أكتوبر مفهوم "المبادرة" في التفكير الأمني الإسرائيلي كما دعا إليه نفتالي بينيت.

وفي المقابل، تتحكم في القرار الإسرائيلي عدة محددات، أبرزها الموقف الأميركي ومسار المفاوضات مع طهران، إذ ترتبط قدرة الكيان على خوض مواجهة طويلة بدرجة كبيرة بالدعم الأميركي، بينما يشكّل حرص واشنطن على الدبلوماسية وخشيتها من تداعيات حرب واسعة على أسعار الطاقة عامل تقييد. ويضاف إلى ذلك التساؤل حول قدرة الجيش والجمهور الإسرائيلي على تحمّل جولة قتال جديدة طويلة، ومستوى ترميم إيران لقدراتها النووية والصاروخية والدفاعية، إلى جانب اعتبارات سياسية داخلية تتجاوز الحسابات العسكرية، حيث يحظى مبدأ مواجهة إيران بتوافق واسع بينما يتركز الخلاف حول أهداف الحرب وسبل إدارتها، وهو ما برز في انتقادات غادي آيزنكوت لخطاب نتنياهو بوصفه ذا طابع تعبوي أكثر منه تقييمًا أمنيًا متوازنًا.

وعلى صعيد طبيعة المواجهة المقبلة، تتوقع التحليلات العبرية أن تتجاوز الحرب استهداف البرنامج النووي وحده لتشمل منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية والقيادات العسكرية والعلمية، مع اعتماد أكبر على العمليات الخاصة والضربات الدقيقة، بهدف التأثير في قدرة إيران على تمويل برامجها العسكرية ودعم حلفائها الإقليميين. وتبرز في هذا الإطار ثلاثة سيناريوهات: استمرار العمليات السرية منخفضة البصمة لإبطاء البرنامج النووي دون تحمّل كلفة مواجهة شاملة؛ أو تنفيذ ضربة محدودة تستهدف منشآت استراتيجية لإجبار إيران على العودة إلى التفاوض من موقع أضعف؛ أو الانزلاق إلى حرب واسعة تشمل أهدافًا استراتيجية داخل إيران وردودًا إقليمية، وهو احتمال يترجّح في حال انهيار المفاوضات الأميركية الإيرانية أو وقوع هجوم إيراني كبير.

غير أن الكيان يواجه في أي جولة جديدة مجموعة من التحديات، أبرزها أن الضربات العسكرية مهما بلغت شدتها لا تضمن إزالة مصادر القوة الإيرانية نهائيًا طالما بقيت مؤسسات الدولة والحرس الثوري قائمة، وأن أي مواجهة قد تمتد إلى استهداف الجبهة الداخلية الإسرائيلية والمصالح الأميركية وساحات الحلفاء، فضلًا عن استنزاف الجيش والجمهور الإسرائيلي، وأخطر ما في الأمر بقاء الفجوة بين الإنجاز العسكري والحسم السياسي، أي تكرار نموذج تحقيق نجاحات عملياتية دون فرض تغيير استراتيجي دائم.

وخلاصة القول إن وقف إطلاق النار لا يمثل نهاية للحرب على إيران، بل مرحلة انتقالية لإعادة بناء القوة وتقييم البيئة العملياتية استعدادًا لجولة جديدة، يتحدد توقيتها وفق تفاعل ثلاثة عوامل: سرعة إعادة بناء القدرات الإيرانية، ومآلات المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران، وتقدير القيادة الإسرائيلية لوجود نافذة عملياتية مناسبة. وهو ما يجعل المؤسسة الإسرائيلية أكثر انشغالًا بإدارة توقيت الحرب المقبلة وشروطها، لا بالجدل حول إمكانية وقوعها، بحيث يبقى خيار استخدام القوة جزءًا بنيويًا من استراتيجيتها تجاه إيران في المرحلة المقبلة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور