يقترب نتنياهو من الانتخابات وهو لا يزال عاجزاً عن التخلص من السؤال الذي يلاحقه منذ 7 أكتوبر: من يتحمل مسؤولية الإخفاق؟ ورفضاً لمواجهة الحقيقة، تنتقل حكومته من جبهة إلى أخرى منذ ثلاث سنوات، وتبحث عن تهديد جديد يمكن وضعه أمام الإسرائيليين. فبعد الحرب على إيران واستمرار الاعتداءات في غزة ولبنان، بدأت تركيا تدخل تدريجياً إلى خطاب التهديد الإسرائيلي، فيما يحاول نتنياهو استعادة صورته بوصفه «السيد أمن» وتقديم نفسه قائداً يخوض الحروب كي لا يضطر للإجابة عن أسباب الفشل. فهل تحولت استراتيجية الحرب الدائمة التي يتبناها نتنياهو إلى وسيلة للهروب من مسؤولية الحروب السابقة، بحيث تصبح كل جبهة جديدة فرصة لتأجيل التحقيق في الإخفاقات وإبقاء الإسرائيليين منشغلين بالخطر المقبل؟
وتتضح ملامح الأمر من الطريقة التي يدير بها نتنياهو المرحلة التي سبقت الانتخابات. فبحسب تحليل نشره عاموس هرئيل في صحيفة «هآرتس»، بات رئيس حكومة الاحتلال يبحث عن ساحات جديدة للمواجهة كلما ضاقت أمامه الخيارات السياسية. إيران لا تزال جبهة مغرية بالنسبة إليه، لكن قرار التصعيد فيها مرتبط إلى حد كبير بالولايات المتحدة، فيما يحول الإصرار الأميركي على تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان دون فتح مواجهة واسعة هناك. أما غزة، فتبدو الجبهة الأكثر قابلية لإعادة إشعال الحرب، وسط حديث متزايد في الإعلام الإسرائيلي عن احتمال استئناف العمليات العسكرية.
لكن الجديد في خطاب نتنياهو هو إدخال تركيا إلى قائمة التهديدات التي يضعها أمام الإسرائيليين. فخلال زيارته الأخيرة إلى قاعدة سلاح البحرية في حيفا، جرى تقديم الزيارة باعتبارها رسالة تحذير لأنقرة، على خلفية حديث مقربين منه عن احتمال أن تفرض تركيا مستقبلاً حصاراً بحرياً على الاحتلال يهدد إمدادات الطاقة، على غرار ما فعلته إيران في مضيق هرمز. كما رفع نتنياهو مستوى المواجهة مع أنقرة بسبب مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة صفقة مقاتلات «F-35» إلى تركيا.
ولا ينفي ذلك وجود خلافات حقيقية بين الاحتلال وتركيا، من توسع النفوذ التركي في سوريا إلى طموحات أنقرة في شرق المتوسط وتطوير قدراتها العسكرية. لكن «هآرتس» ترى أن نتنياهو يتعمد تضخيم هذه التهديدات إلى مستوى لا يتناسب مع طبيعة الخطر الراهن، بالطريقة نفسها التي جرى فيها قبل عامين الترويج لاحتمال اندلاع حرب مع مصر. وهنا تصبح صناعة التهديد جزءاً من المعركة الانتخابية؛ يحتاج نتنياهو إلى خصم جديد يستطيع الوقوف أمامه بصفته قائداً أمنياً، وإلى جبهة محتملة تنقل النقاش العام من مسؤوليته عن الإخفاقات السابقة إلى قدرته على مواجهة الأخطار المقبلة.
وتظهر هذه الحاجة بوضوح في استغلال نتنياهو للمؤسسة العسكرية في حملته لاستعادة صورة «السيد أمن». فزياراته إلى القواعد العسكرية وظهوره إلى جانب كبار الضباط والجنود لا تنفصل عن محاولته تعويض الضعف الذي يعاني منه لدى المجتمع الإسرائيلي بسبب رفضه تحمل مسؤولية 7 أكتوبر. وهو يسعى إلى دخول الانتخابات الحالية في ظل حالة طوارئ جديدة، يكون فيها السؤال المطروح على الإسرائيليين من يستطيع حمايتهم من الحرب المقبلة.
لكن البحث عن جبهات جديدة يجري في وقت تحذر فيه المؤسسة العسكرية نفسها من حدود قدرتها على مواصلة هذا المسار. فقد أعلن رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير أن حجم الجيش بات قريباً من الحد الأدنى قياساً إلى حجم التهديدات التي يواجهها، مطالباً بتوسيع صفوفه بصورة كبيرة حتى يتمكن من تنفيذ المهمات المطلوبة منه. وتأتي هذه التحذيرات فيما تعمل حكومة نتنياهو على إعفاء الحريديم من التجنيد، ويواصل جنود الاحتياط تحمل أعباء متزايدة بعد سنوات من القتال على جبهات متعددة.
وليست هذه المرة الأولى التي يحاول فيها الاحتلال تجاوز إخفاقاته عبر الانتقال سريعاً إلى بناء رواية جديدة عن القوة والردع. ويستعيد كيان الاحتلال اليوم في خطابه حرب لبنان عام 2006، التي انتهت بعد 34 يوماً من القتال من دون حسم واضح، وشهدت في أيامها الأخيرة عملية برية قُتل فيها 33 جندياً من دون تحقيق الأهداف التي أُرسلت قوات الاحتلال من أجلها. وجرى الفشل في السنوات التي أعقبت الحرب حين قدمها المستوى السياسي داخل الكيان باعتبارها مواجهة نجحت في ردع حزب الله ليزيح العبء عن المستوطنين، مستندة بصورة أساسية إلى الهدوء الذي استمر على الحدود.
غير أن الهدوء لم يكن دليلاً على زوال قدرة المقاومة. فخلال السنوات التي اعتبر فيها الاحتلال أن الردع تحقق، كان حزب الله يبني قوة عسكرية كبيرة. وتكرر الخطأ نفسه مع حماس، حين تعاملت أجهزة الاحتلال مع عدم مشاركتها في جولتين من القتال خاضتهما حركة الجهاد الإسلامي باعتباره دليلاً على نجاح الردع، بينما كانت الحركة تعمل على تطوير قدراتها وتنتظر الفرصة المناسبة.
ومع ذلك، يعود نتنياهو اليوم إلى تقديم المزيد من الحروب باعتبارها الحل الذي سيمنع تكرار الإخفاق ويحقق الردع، ليكون هو المستفيد الأكبر من شن الحروب لا مستوطنيه الذين يضعهم في دائرة الخطر بغية تحقيق مآربه.
الكاتب: زهراء نعيم