لم تترك وفاة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام مقعداً شاغراً في مجلس الشيوخ الأميركي فحسب، بل فتحت ثلاثة فراغات سياسية مترابطة يصعب فصل أحدها عن الآخر. الأول في ساوث كارولاينا، حيث بدأت معركة اختيار من يشغل مقعداً احتفظ به غراهام لأكثر من عقدين، والثاني داخل الحزب الجمهوري الذي خسر أحد أبرز وجوه تياره التدخلي والمدافعين عن استمرار الحضور العسكري الأميركي في الخارج، أما الثالث فكان لدى "إسرائيل"، التي فقدت واحداً من أكثر حلفائها اندفاعاً داخل الكونغرس، وسياسياً لم يكتف بالدفاع عنها، بل أمضى سنوات في الدفع نحو تبني معاركها وخصومها بوصفهم معارك وخصوماً للولايات المتحدة.
وتبرز هذه المعركة أكثر في التوقيت الذي جاءت فيه وفاة غراهام، إذ يشهد الحزب الجمهوري صراعاً متزايداً حول اتجاه السياسة الخارجية الأميركية، بين تيار متمسك بالتدخل العسكري الأميركي في الخارج، وآخر يطالب بتقليصه تحت شعار «أميركا أولاً». وفي الوقت نفسه، تواجه "إسرائيل" تراجعاً في الإجماع السياسي الذي وفر لها طوال عقود دعماً شبه مطلق داخل الولايات المتحدة. لذلك، تفتح وفاة غراهام سؤالاً يتجاوز مصير مقعده؛ حول الاتجاه الذي ستسلكه السياسة الخارجية الأميركية، وموقع دعم "إسرائيل" داخل هذا التحول.
أما الفراغ الأول، فظهر مباشرة في ساوث كارولاينا، حيث فتحت وفاة غراهام سباقاً على مقعد ظل جمهورياً طوال عقود، وشغله غراهام منذ انتخابه للمرة الأولى عام 2002. وبحسب قانون الولاية، يتولى الحاكم الجمهوري هنري ماكماستر تعيين بديل مؤقت يشغل المقعد إلى حين إجراء انتخابات خاصة، ما وضعه أمام قرار لا يقتصر على اختيار اسم لملء الشغور، بل قد يؤثر في هوية المرشح الذي سيدخل السباق لاحقاً وفي موازين القوى داخل الحزب الجمهوري في الولاية.
وتزداد أهمية المعركة مع اقتراب انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر، إذ جاءت وفاة غراهام في وقت يخوض فيه الجمهوريون سباقات صعبة للحفاظ على أغلبيتهم في مجلس الشيوخ. ورغم أن ساوث كارولاينا تُعد ولاية جمهورية، فإن غياب سيناتور أمضى أكثر من عقدين في مقعده أعاد فتح المنافسة داخل الحزب نفسه، وبدأت معه الحسابات حول هوية البديل المؤقت والمرشحين المحتملين لخوض الانتخابات المقبلة، فيما دخل الرئيس دونالد ترامب على خط اختيار من سيحظى بدعم الحزب.
ولا يتعلق الصراع هنا باحتمال انتقال المقعد من الجمهوريين إلى الديمقراطيين بقدر ما يتعلق بطبيعة الجمهوري الذي سيشغله. فقد كان غراهام جزءاً من الجناح التقليدي في الحزب الجمهوري الداعم للتدخل العسكري الأميركي والتحالفات الخارجية، في وقت تتقدم داخل الحزب قوى مرتبطة بتيار «أميركا أولاً» وأكثر تشككاً في هذه السياسات. ولذلك، فإن معركة ساوث كارولاينا ستكون أحد الاختبارات المبكرة لمعرفة أي جناح سيتمكن من فرض مرشحه، وما إذا كان المقعد سيذهب إلى شخصية تستمر في النهج الذي مثله غراهام، أم إلى جمهوري أقرب إلى التحولات التي يشهدها الحزب.
أما الفراغ الثاني، فيظهر داخل الحزب الجمهوري نفسه، وتحديداً في الصراع على اتجاه السياسة الخارجية الأميركية. فقد كان غراهام من أبرز ممثلي التيار الجمهوري الذي يرى أن الحفاظ على النفوذ الأميركي يمر عبر التدخل العسكري في البلدان، وزيادة الإنفاق على التسلح، واستخدام العقوبات والقوة العسكرية في مواجهة أعداء الولايات المتحدة. حتى في الوقت الذي بدأ فيه جزء متزايد من القاعدة الجمهورية ينظر إلى هذه السياسات بوصفها استنزافاً للولايات المتحدة. وهذا بسبب طبيعته العدوانية وجلافته الأميركية.
لكن الحزب الذي يغادره غراهام اليوم لم يعد الحزب نفسه الذي صعد داخله قبل أكثر من عقدين. فقد أدى صعود شعار «أميركا أولاً» إلى تعزيز تيار يشكك في جدوى الحروب الطويلة والتحالفات المكلفة، ويطالب بتوجيه موارد الولايات المتحدة إلى الداخل. وشهد هذا الشعار انقساماً حوله خصوصاً فيما يتعلق بدعم أوكرانيا، وحلف شمال الأطلسي، وطبيعة الدور الذي ينبغي لواشنطن أن تؤديه في المنطقة.
وكان غراهام يقف في قلب هذا التناقض. فمن جهة، حافظ على قربه السياسي من ترامب ودافع عن كثير من سياساته الداخلية، ومن جهة أخرى، ظل في السياسة الخارجية أقرب إلى النهج الجمهوري التقليدي الذي قامت عليه حروب الولايات المتحدة وتدخلاتها خلال العقود الماضية. وقد حاول مراراً دفع الإدارة والقاعدة الجمهورية نحو مواقف أكثر تشدداً، عبر الدعوات المتكررة إلى توجيه ضربات عسكرية إلى إيران، وتشجيع الكيان على احتلال الجولان والتوسع والاستيطان وتأييده في حربه ضد غزة ولبنان.
أما الفراغ الثالث، فظهر لدى "إسرائيل" التي خسرت بوفاة غراهام واحداً من أكثر السياسيين الأميركيين اندفاعاً في الدفاع عنها داخل الكونغرس. حيث دفع طوال سنوات باتجاه إزالة القيود السياسية والعسكرية عن "إسرائيل"، وتوفير الغطاء الأميركي لحروبها.
وظهر ذلك بوضوح خلال الحرب على غزة، حين رفض غراهام تحميل الاحتلال مسؤولية أعداد الضحايا المدنيين، وشبّه الحرب على القطاع بالحرب العالمية الثانية، مستحضراً إلقاء القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناغازاكي للدفاع عن حق "إسرائيل" في فعل «كل ما يلزم» لتحقيق أهدافها. وعندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، كان غراهام من أبرز الداعين إلى معاقبة المحكمة والدول التي تتعاون معها، وهدد حلفاء الولايات المتحدة بعقوبات اقتصادية إذا ساعدوا في تنفيذ قراراتها.
وفي ملف إيران، كان اندفاعه أكثر وضوحاً. فقد أمضى سنوات في الدعوة إلى ضرب البرنامج النووي الإيراني، وطالب الإدارات الأميركية المتعاقبة بالتعامل مع طهران بالقوة، ودافع عن توسيع المواجهة معها باعتبارها تهديداً لـ"إسرائيل" والولايات المتحدة معاً. وقبل اندلاع الحرب كان يؤيد بشدة الضربات الإسرائيلية، وضغط من أجل انخراط أميركي مباشر فيها.
ولهذا، فإن ما تخسره "إسرائيل" بوفاة غراهام ليس مجرد صوت مؤيد لها، فمثل هذه الأصوات لا تزال كثيرة في الحزبين، وإنما سياسياً كان يمثل الشكل الأكثر اندفاعاً من التحالف معها؛ ذلك الذي لا يضع فاصلاً واضحاً بين الاحتلال والمصلحة الأميركية، ولا يتردد في الدعوة إلى استخدام القوة العسكرية الأميركية عندما تتطلب المعركة الإسرائيلية ذلك.
غير أن هذا الفراغ يأتي في لحظة لم يعد فيها الدعم الأميركي لـ"إسرائيل" محصناً من النقاش كما كان سابقاً. فالحرب على غزة عمّقت التحولات داخل الحزب الديمقراطي، فيما بدأت تظهر داخل القاعدة الجمهورية نفسها أصوات تسأل عن كلفة الدعم العسكري والحروب التي تخوضها الولايات المتحدة خدمة لحلفائها. وحتى داخل تيار «أميركا أولاً»، باتت العلاقة مع "إسرائيل" جزءاً من نقاش أوسع حول ما إذا كانت واشنطن تدافع عن مصالحها الخاصة أم تتحمل كلفة حروب لا تخدمها مباشرة.
كشفت وفاة غراهام جانباً من هشاشة الرهان الإسرائيلي على واشنطن. فقد اعتاد الاحتلال التعامل مع أصوات مثل غراهام بوصفها دليلاً على أن الدعم الأميركي ثابت لا يتغير، متجاهلاً أن الولايات المتحدة لا تعرف حلفاء دائمين بقدر ما تعرف مصالح دائمة. لذا قد يكون الوقوف في مواجهتها مكلفاً، لكن الارتهان لتحالفها لا يمنح صاحبه ضمانة أيضاً. حتى ولو كانت "إسرائيل"؛ فيما تبقى البراغماتية هي الثابت الأكثر رسوخاً في السياسة الأميركية.
الكاتب: غرفة التحرير