أفرزت المواجهة الأخيرة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، تحولات استراتيجية عميقة تجاوزت حدود الميدان العسكري لتطال بنية النظام الإقليمي بأكمله. فخلافًا للحروب التقليدية التي عادة ما تفضي إلى إعادة توزيع نسبي لموازين القوى دون المساس بجوهر النظام القائم، اتسمت هذه الحرب بخصوصية جعلت منها نقطة انعطاف حقيقية، إذ تداخلت فيها أبعاد عسكرية واقتصادية وتكنولوجية بشكل غير مسبوق، وجاءت في سياق تراجع القدرة على فرض هيمنة أحادية على المنطقة، وتصاعد دور الفاعلين من غير الدول، وتعاظم تأثير أمن الاقتصاد وسلاسل الإمداد العالمية في القرارات الاستراتيجية. وقد اندلعت هذه المواجهة في بيئة إقليمية كانت أصلًا تعيش حالة من عدم الاستقرار، نتيجة تراكم أزمات غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، إلى جانب التنافس الدولي المتصاعد بين واشنطن وبكين وموسكو. وقد كشفت المواجهة المباشرة حدود العديد من الفرضيات التي حكمت النظام الإقليمي طوال عقود، وفي مقدمتها قدرة "إسرائيل" على الحفاظ على تفوق عسكري رادع بشكل دائم، وقدرة واشنطن على إدارة التوازنات الأمنية وعزل الأزمات عن بعضها.
تنطلق هذه المقالة من فرضية أن الحرب لم تُنتج نظامًا إقليميًا جديدًا مكتملًا، لكنها ولّدت مجموعة من المتغيرات البنيوية التي يُرجَّح أن تعيد تشكيل ملامح الإقليم خلال السنوات المقبلة، ليس بفعل نتائجها العسكرية المباشرة فحسب، بل من خلال تأثيرها في إعادة تعريف مفاهيم الردع، وشرعية استخدام القوة، والعلاقة بين الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي، وطبيعة التحالفات وأدوار القوى الإقليمية والدولية.
ووفقًا لنظرية المجمعات الأمنية الإقليمية التي طوّرها باري بوزان وأولي ويفر، فإن الاعتماد الأمني المتبادل بين الدول المتجاورة يجعل معظم التهديدات ذات طابع إقليمي بامتياز، بحيث يؤدي أي تغيّر جوهري في إدراك التهديد أو توزيع القوة أو أنماط التحالف إلى إعادة تشكيل تدريجي للنظام الإقليمي، حتى دون تغيّر في الحدود السياسية للدول. ويتميز الشرق الأوسط بخصوصية ناتجة عن تشابك بعديه الإقليمي والدولي، ما يجعله أكثر قابلية للتحول بفعل الحروب الكبرى.
على صعيد معادلات القوة والردع، أعادت الحرب التي امتدت أكثر من خمسة أسابيع بين الضربات الصهيونية-الأمريكية ووقف إطلاق النار بوساطة باكستانية، صياغة التصورات التي يستند إليها النظام الإقليمي. فقد اتسع نطاق الصراع ليشمل استهداف قواعد أمريكية في الخليج، وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما خلّف تداعيات واسعة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. ولم تنحصر آثار الحرب في ميزان القوى بين أطرافها المباشرين، بل امتدت إلى مصداقية الضمان الأمني الأمريكي لدول الخليج، بعدما كشفت هذه الدول حدود قدرة الدفاعات الجوية الأمريكية على التصدي للهجمات الإيرانية، وترسخ لديها انطباع بأن الأولويات العملياتية الأمريكية تنحاز لحماية "إسرائيل" على حساب أمن شركائها. وقد لخّص المجلس الأطلسي هذا المزاج الخليجي بعبارة دالة على تراجع الثقة بالضمان الأمريكي، وهو ما ينسجم مع أطروحة توماس شيلينغ بأن فاعلية الردع الممتد تقوم على مصداقية الالتزام أكثر من قيامها على القدرات المادية وحدها.
أما على مستوى موقع إيران، فقد أظهرت الحرب أن محاولات احتوائها عسكريًا لم تُفضِ إلى إضعاف تأثيرها، بل أعادت إنتاج موقعها كفاعل إقليمي مركزي لا يمكن تجاوزه. فالتفاهم الأمريكي-الإيراني اللاحق للحرب، والذي شمل وقف العمليات على مختلف الجبهات ومنها الجبهة اللبنانية، عكس إدراكًا أمريكيًا بأن إدارة الاستقرار الإقليمي تستوجب التعامل مع طهران كطرف مؤثر لا يمكن تجاوزه أو عزله. وقد برزت الساحة اللبنانية كأوضح مثال على هذا التحول، إذ باتت جزءًا من معادلة أمنية أوسع بدل أن تُعامل كساحة منفصلة، وهو ما عزز الموقع التفاوضي لإيران وأعاد طرح دورها في صياغة الترتيبات الإقليمية المقبلة، عبر ما يمكن تسميته انتقالًا من القوة الكامنة إلى القوة الفاعلة.
وفيما يخص ربط الأمن الإقليمي بالاقتصاد العالمي، فقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن الممرات البحرية الحيوية لم تعد مجرد أدوات في حسابات الصراع العسكري، بل مكونات أساسية في بنية الاقتصاد الدولي، بحيث بات تهديد حرية الملاحة قادرًا على إحداث صدمات تطال التضخم العالمي وأسعار الفائدة وسلاسل التوريد. ودفعت هذه التطورات دول الخليج لإعادة تقييم مفهوم أمن الطاقة، بحيث لم يعد مقتصرًا على استمرارية الإنتاج، بل امتد ليشمل تنويع مسارات التصدير ووضع خطط استجابة للأزمات المحتملة، فيما أصبحت أدوات الضغط الاقتصادي كالعقوبات جزءًا لا يتجزأ من الصراع الاستراتيجي بين القوى.
وعلى صعيد إعادة تنظيم شبكة العلاقات الإقليمية، فقد أدى فشل مقاربة عزل إيران إلى تعزيز الحاجة لترتيبات أمنية داخلية تقوم على ترابط ساحات المنطقة، وفي مقدمتها تنشيط العلاقة الإيرانية-التركية، التي لا تقوم على إزالة التنافس التاريخي بل على إدراك مشترك بضرورة إعادة ترتيب الأولويات. كما استعادت سوريا موقعها كحلقة استراتيجية تربط إيران بالعراق ولبنان والمتوسط، بينما تعزز موقع لبنان كجزء من شبكة أمنية مترابطة لا يمكن فصلها عن الإقليم الأوسع. وقد فتح ذلك المجال أمام إشراك قوى إقليمية إضافية كتركيا ومصر والسعودية وباكستان في صياغة ترتيبات أمنية جديدة تقوم على المسؤولية الإقليمية بدل الهيمنة الخارجية.
وفي بُعد تبريد الصراع المذهبي، تراجعت مركزية الخطاب الطائفي لصالح اعتبارات السيادة والمصلحة الوطنية وإدارة المخاطر، مع أن هذا التحول يبقى ظرفيًا ومرهونًا باستمرار البيئة الاستراتيجية الراهنة أكثر من كونه تحولًا بنيويًا مستقرًا.
أما بخصوص صمود محور المقاومة، فقد أظهرت التطورات الميدانية أن الرهان على تفكيكه عبر الضربات العسكرية المركزة لم يحقق أهدافه، إذ حافظ حزب الله - رغم خسائره الكبيرة - على قدرته على إعادة بناء منظومته العملياتية والاستخباراتية، وهو ما أكدته بيانات إعلامية إسرائيلية توثق مئات العمليات العسكرية بين أبريل ويونيو 2026. وقد أقرّ محللون إسرائيليون بأن الحزب لم يتحول إلى قوة مهزومة، بينما رأى آخرون أن تفكيكه الكامل يتطلب احتلالًا واسعًا وطويل الأمد للأراضي اللبنانية، وهي كلفة لا يبدو الكيان مستعدًا لتحملها.
وقد ولّد ذلك عودة الهاجس الوجودي إلى صلب التفكير الأمني الإسرائيلي، حيث انتقل النقاش من شعار "النصر الكامل" إلى إدارة مخاطر طويلة الأمد، وسط تحذيرات من خبراء إسرائيليين بارزين مثل ميخائيل ميلشتاين ورون بن يشاي وبن كاسبيت من استحالة القضاء العسكري الكامل على حركات المقاومة، فيما ربط مسؤولون كوزير الحرب يسرائيل كاتس ورئيس الوزراء نتنياهو استمرار الأمن القومي ببقاء قوات الاحتلال في جنوب لبنان.
وعلى المستوى الأعمق، أعادت الحرب تعريف صورة الحرب ذاتها، إذ لم تعد الجبهات قابلة للعزل عن بعضها، بل باتت الساحات المختلفة - من لبنان إلى غزة - جزءًا من منظومة واحدة، فيما اتسع مفهوم ساحة المعركة ليشمل الممرات البحرية والأسواق المالية، وتراجعت فرضية الحسم العسكري السريع لصالح منطق الاستنزاف، وبرز مفهوم جديد للردع متعدد المجالات يتجاوز البعد العسكري المباشر إلى الأبعاد الاقتصادية والسيبرانية والإدراكية.
وتكشف هذه المتغيرات مجتمعة أن الحرب لم تُنتج نظامًا إقليميًا جديدًا مكتملًا، بل أطلقت عملية انتقال بنيوي أضعفت عددًا من المسلمات التي حكمت المنطقة لعقود، أبرزها احتكار واشنطن لإدارة الأمن الإقليمي، وإمكانية عزل ساحات الصراع، وقابلية حسم المواجهة عسكريًا مع قوى المقاومة. ومع ذلك، تبقى هذه التحولات مرهونة بعوامل تحدّ من استقرارها، أهمها استمرار التنافس بين القوى الإقليمية، وبقاء الحضور العسكري للقوى الكبرى، وغياب إطار مؤسسي جامع لإدارة الأمن في غرب آسيا. وبذلك، يقف الإقليم أمام مرحلة انتقالية تتداخل فيها ملامح النظام القديم مع بوادر نظام جديد لم تكتمل قواعده بعد.
الكاتب: غرفة التحرير