بعد عشرين عاماً على حرب تموز/يوليو 2006، أخرج جيش الاحتلال من أرشيفه أول أمر عملياتي صدر في الساعات الأولى للحرب. الوثيقة، التي يفترض أن تقدم دليلاً على أن "المؤسسة العسكرية للاحتلال قرأت الميدان مبكراً واستعدت لما سيأتي"، تقول بوضوح إن الاحتلال كان يتوقع نيراناً صاروخية كثيفة على مستوطنات الشمال، ويستعد في الوقت نفسه للقتال على جبهتي لبنان وقطاع غزة. ما يمنح الوثيقة أهميتها اليوم هو إظهارها ما لم يعرفه الاحتلال قبل عشرين عاماً حتى اليوم عن قدرة حزب الله، وتعرضه المستمر للمفاجآت.
فالحرب التي بدأت وجيش الاحتلال يعرف أن حزب الله سيقصف الشمال، انتهت بعد 34 يوماً من دون أن يتمكن من وقف الصواريخ بالقوة، أو القضاء على الحزب، أو إنتاج واقع أمني دائم يسمح له بالقول إن المشكلة التي دخل الحرب لمعالجتها قد انتهت. وبعد عشرين عاماً، عاد إلى لبنان بالأهداف نفسها تقريباً: حماية مستوطني الشمال، إبعاد حزب الله عن الحدود، ضرب قدراته العسكرية ومنعه من إعادة بنائها.
فكيف يمكن لاحتلال امتلك تفوقاً عسكرياً واستخبارياً واسعاً، وعرف منذ اليوم الأول طبيعة "التهديد" الذي يواجهه، أن ينتهي بعد عقدين إلى القتال من أجل الأهداف نفسها؟
لا يكمن تفسير هذا في أن الاحتلال لم يستخدم ما يكفي من القوة. فقد بدأت الحرب بضربات جوية واسعة، ثم توسعت العمليات البرية في الأيام الأخيرة، وانتهت بقرار التقدم نحو الليطاني. المشكلة كانت في الافتراض الذي حكم استخدام هذه القوة وفي القناعة الإسرائيلية التي تقتضي أنها كانت على دراية واسعة بقدرات حزب الله، وأن تدمير الجزء الأكبر منها، سيقود إلى انهيار قدرته على مواصلة الحرب.
وبماءً على هذا نفذ الاحتلال عملية «الوزن النوعي» أكثر من مجرد ضربة جوية حيث استهدف سلاح الجو الإسرائيلي أول الحرب مواقع ظنت الاستخبارات الإسرائيلية أنها تضم جزءاً أساسياً من الصواريخ بعيدة المدى، واعتبر جيش الاحتلال أنه نجح خلال وقت قصير في توجيه ضربة شديدة إلى إحدى أهم قدرات حزب الله.
لكن لو كانت الحرب تسير وفق الصورة التي رسمتها الاستخبارات الإسرائيلية، كان يفترض أن تؤدي الضربة إلى تقليص قدرة الحزب على مواصلة القتال وأن تمنح الاحتلال حرية أكبر في إدارة المواجهة.
لكن ما حدث بعد ذلك كشف أن المقاومة قامت بخداع العدو بذكاء بالغ وسبقته بخطوة. واكتشف العدو حينها أن حزب الله لم يكن يقف في المكان الذي توقع الاحتلال أن يجده فيه، ولا يحتفظ بقوته في المواقع التي راقبها الاحتلال واستعد لتدميرها. حيث كان قد نقل جزء من قدراته وأخفاها، واستمرت منظومة إطلاق الصواريخ في العمل. وفشل الاحتلال بنزع أول ورقة من حزب الله.
بعد يومين، ظهرت تهديد جديد من اتجاه آخر. بعدما كانت بحرية الاحتلال الإسرائيلي تفرض حصارها على الساحل اللبناني فقام حزب الله باستهداف البارجة «ساعر 5» بصاروخ مضاد للسفن. مع أن السفينة كانت تمتلك أنظمة دفاع متطورة، إلا أنها كانت مطفأة لأن التقدير في الكيان كان ينص على أن حزب الله لا يملك صواريخ يمكنها استهداف البارجة! ومرة جديدة وقع الاحتلال في فخ حزب الله وأساء تقدير قوته وما يملك.
فحزب الله بنى جزءاً من استعداده للحرب على فهم الطريقة التي سيستخدم بها الاحتلال تفوقه. عرف أن سلاح الجو سيحاول تدمير قدراته الصاروخية في الساعات الأولى، فعمل على تقليل أثر الضربة. وعرف أن التفوق البحري الإسرائيلي سيمنح القطع العسكرية حرية العمل قبالة الساحل، فاحتفظ بقدرة يمكن استخدامها في اللحظة التي يكون فيها أثرها العسكري والنفسي أكبر. مثلما فعل عندما بدأ باستخدام الطائرات المسيّرة "FPV" في حرب 2026.
وهنا بدأت المعضلة الإسرائيلية التي سترافق الحرب حتى نهايتها.
حيث كان الاحتلال كلما يكتشف أن القوة المستخدمة لم تحقق النتيجة المطلوبة، استخدم قوة أكبر.
وفي الأيام الأخيرة، صدر القرار بالتقدم نحو الليطاني بهدف خفض إطلاق الصواريخ وتعميق الضربة ضد حزب الله. لكن توسيع الحرب لم يحل المشكلة التي أدت إلى توسيعها.
حيث استمرت الصواريخ حتى الأيام الأخيرة، ولم يُقضَ على حزب الله، وانتهت الحرب بوقف لإطلاق النار وقرار دولي. وليس بحسم إسرائيلي.
وهذه هي النقطة التي تجعل وثائق 2006 وثائق تفيد في الحاضر أيضاً.
بعد عشرين عاماً، عادت حكومة الاحتلال إلى وضع إعادة مستوطني الشمال ضمن أهداف الحرب، وربطت تحقيق ذلك بإبعاد حزب الله عن الحدود وتدمير قدراته ومنعه من إعادة بناء قوته. أي أن الكيان الذي خاض حرباً واسعة عام 2006، وطور خلال عقدين استخباراته وسلاحه الجوي ومنظومات دفاعه، عاد ليبحث عن إجابة لمعضلته بعدما اكتشف أن القوة لا يمكنها إنتاج أمن في الشمال.
فالحسم يتطلب أن تصبح نتائج الحرب أكثر استدامة من قدرة الخصم على التعافي منها. وأن يكون تدمير القوة أسرع من إعادة بنائها، وأن تؤدي الاغتيالات إلى انهيار البنية لا إلى إنتاج قيادة بديلة، وأن تسمح نهاية الحرب لسكان الشمال بالعودة من دون أن يبقى أمنهم مرتبطاً بموعد المواجهة التالية.
وهذا تحديداً ما لم يستطع الاحتلال ضمانه ولا تحقيقه.
لذلك، فإن المشكلة التي تظهرها الوثائق فشل الخطة العملياتية منذ حرب 2006 حتى اليوم. كذلك تكشف نمطاً يتكرر في الحروب الإسرائيلية حيث تبدأ المواجهة بثقة في التفوق العسكري والاستخباري، ويرفع الاحتلال مستوى القوة المستخدمة، كلما أظهر الطرف المقابل قدرة على امتصاص الضربات والتكيف معها، ثم تنتهي من دون إزالة السبب الذي بدأت من أجله.
الكاتب: زهراء نعيم