الإثنين 13 تموز , 2026 03:24

من إنهاء النزاع إلى إدارة النزاع: دراسة مقارنة في الاتفاقات اللبنانية الإسرائيلية (1983-2026)

مطرقة وعلمي الكيان ولبنان

تمثل المقارنة بين اتفاق 17 أيار 1983، واتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024، واتفاق الإطار الموقّع في 26 حزيران/يونيو 2026 واحدة من أهم المداخل لفهم تطور العلاقة اللبنانية الإسرائيلية على مدى أكثر من أربعة عقود، ذلك أن هذه الاتفاقيات لم تكن مجرد ترتيبات أمنية متعاقبة، بل عكست في جوهرها ثلاثة نماذج مختلفة لإدارة الصراع. فمنذ عام 1948 شكّل الصراع اللبناني الإسرائيلي أحد أكثر مسارات الصراع العربي الإسرائيلي تعقيداً، لا بسبب تداخل البعدين العسكري والسياسي فحسب، وإنما أيضاً بفعل تشابك العوامل الداخلية اللبنانية مع التوازنات الإقليمية والدولية، بحيث تحوّل لبنان تدريجياً من طرف يخوض مواجهة تقليدية إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة و"إسرائيل" وسوريا وإيران والقوى الدولية، وهو ما جعل أي اتفاق يتعلق بجنوب لبنان يتجاوز كونه اتفاقاً ثنائياً ليغدو جزءاً من إعادة تشكيل النظام الأمني في الشرق الأوسط.

وقد شهدت العقود الأربعة الماضية ثلاث محطات تفاوضية رئيسية، تختلف في ظروفها التاريخية وأهدافها وآلياتها، لكنها تشترك في أنها جاءت جميعاً عقب حروب واسعة أحدثت اختلالاً كبيراً في ميزان القوى. ففي عام 1983، جاء اتفاق 17 أيار بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 واحتلال بيروت، في ظل وجود قوات متعددة الجنسيات وهيمنة عسكرية إسرائيلية على مساحات واسعة، ورغبة أميركية واضحة في إدماج لبنان ضمن منظومة أمنية إقليمية جديدة؛ إذ سعى الاتفاق إلى إنهاء حالة الحرب وإنشاء ترتيبات أمنية دائمة وربط الانسحاب الإسرائيلي بالتزامات أمنية وسياسية، غير أن المعارضة الداخلية والرفض السوري أسقطاه بعد أقل من عام. أما اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024 فقد جاء في سياق مختلف تماماً، عقب الحرب الواسعة بين "إسرائيل" وحزب الله إثر حرب غزة، ولم يكن هدفه إقامة سلام أو تطبيع، بل وقف العمليات العسكرية وإعادة تفعيل ترتيبات القرار 1701 مؤقتاً، مع بقاء النزاع السياسي والقانوني قائماً، فكان أقرب إلى هدنة عسكرية منه إلى تسوية سياسية. ثم أفضت التطورات اللاحقة، واستمرار الخروقات، وانتقال المفاوضات إلى واشنطن خلال 2026، إلى توقيع اتفاق الإطار في 26 حزيران، الذي نقل العلاقة من مجرد وقف لإطلاق النار إلى مسار تفاوضي يتناول مستقبل الحدود وانتشار الجيش اللبناني ودور الجماعات المسلحة والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وصولاً إلى هدف معلن هو تحقيق سلام وأمن دائمين، وفق ما أعلنته الولايات المتحدة والوثائق المرتبطة بالاتفاق. ومن هنا فإن المقارنة بين الاتفاقيات الثلاث لا ينبغي أن تقتصر على النصوص القانونية، بل يجب أن تمتد إلى تحليل البيئة الاستراتيجية التي أفرزتها، ومدى انعكاسها على مفهوم السيادة اللبنانية وعلى العلاقة بين الدولة والجيش والمقاومة وموقع لبنان داخل النظام الإقليمي، خصوصاً في ضوء الجدل الواسع الذي رافق اتفاق 2026، إذ اعتبره معارضوه امتداداً لاتفاق 17 أيار بصيغة جديدة، بينما رأى مؤيدوه أنه يختلف عنه لخلوّه من اعتراف دبلوماسي فوري بإسرائيل، فضلاً عن الأسئلة الدستورية المثارة حول توافقه مع الدستور اللبناني واتفاق الطائف وصلاحيات السلطة التنفيذية.

لا يمكن فهم أي اتفاق لبناني إسرائيلي بمعزل عن البيئة التي أنتجته، إذ إن كل اتفاق من الاتفاقات الثلاثة جاء بعد حرب واسعة أحدثت تغييراً في موازين القوى، ولعبت الولايات المتحدة في جميع الحالات دور الوسيط والضامن الرئيس وإن اختلفت طبيعة هذا الدور من مرحلة إلى أخرى. فاتفاق 17 أيار مثّل ذروة المشروع الأميركي الإسرائيلي لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في لبنان بعد عملية "سلامة الجليل" التي تجاوزت هدفها المعلن لتصل إلى احتلال بيروت وإخراج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وقد رأت إدارة الرئيس ريغن في تلك اللحظة فرصة لإعادة ترتيب المشرق العربي ضمن رؤيتها المعروفة بمبادرة ريغان، وساهم انتخاب بشير الجميل ثم اغتياله ووصول أمين الجميل إلى الرئاسة في دفع المفاوضات، غير أن الرفض السوري القاطع ومعارضة قوى لبنانية عديدة له باعتباره تكريساً لنتائج الاحتلال أديا إلى إسقاطه سريعاً. وقد تضمن الاتفاق إنهاءً فعلياً لحالة الحرب ولجان اتصال دائمة وترتيبات أمنية مشتركة وضمانات متبادلة، ما جعل كثيراً من الفقهاء يعتبرونه أقرب إلى اتفاق سلام غير معلن رغم تجنبه استخدام هذا المصطلح صراحة، وهو ما اعتُبر خروجاً عن الإجماع العربي آنذاك. أما بيئة عام 2024 فاختلفت جذرياً، إذ لم يكن الاحتلال شاملاً كما في 1982، بل دارت المواجهة على الحدود الجنوبية في سياق التصعيد المرتبط بحرب غزة، وانصبّ الهدف الأميركي على منع تحول المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة، فركزت المفاوضات على وقف إطلاق النار وإعادة تفعيل القرار 1701 وتعزيز دور الجيش اللبناني وإعادة انتشار القوات وإنشاء آليات رقابة دولية، دون أي اعتراف سياسي متبادل أو نصوص تتعلق بإنهاء حالة الحرب. وبحلول عام 2026 كانت الحرب الممتدة منذ أواخر 2023 قد أحدثت تغييرات عميقة في موازين الردع بين "إسرائيل" وإيران، وتصاعدت الضغوط الأميركية نحو الانتقال من إدارة التصعيد إلى بناء ترتيبات أمنية طويلة الأمد تربط الانسحاب الإسرائيلي بانتشار الجيش اللبناني وترسيم الحدود وآليات المتابعة، ضمن إطار تفاوضي أوسع يترك التفاصيل لمفاوضات لاحقة.

ومن الناحية القانونية، تكتسب مسألة التكييف القانوني للاتفاقيات أهمية بالغة، لأن وصف أي اتفاق بكونه معاهدة دولية أو ترتيباً تنفيذياً أو تفاهماً سياسياً يترتب عليه نتائج مباشرة تتعلق بإجراءات إبرامه وحدود إلزاميته وآليات التصديق عليه، خصوصاً في ظل النظام الدستوري اللبناني الذي يوزع صلاحية إبرام المعاهدات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وقد عرّفت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 المعاهدة بأنها اتفاق دولي مكتوب يخضع للقانون الدولي أياً كانت تسميته، وهو ما يعني أن العبرة بالمضمون لا بالاسم، سواء سُمّي الاتفاق إطاراً أو تفاهماً أو مذكرة. وبتطبيق هذا المعيار، يُعد اتفاق 17 أيار نموذجاً لاتفاق دولي مكتمل الأركان تضمن التزامات متبادلة في الانسحاب والأمن واللجان المشتركة، ما جعل كثيراً من فقهاء القانون الدولي يصنفونه معاهدة ذات طبيعة سياسية وأمنية رغم تجنبه مصطلح السلام. في المقابل، يُنظر عادة إلى اتفاقات وقف إطلاق النار كترتيبات تنفيذية أو تفاهمات عملية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن، لا تنشئ بالضرورة نظاماً دائماً للعلاقات، وبالتالي يظل اتفاق 2024 أقرب إلى ترتيب أمني مؤقت ما لم يتضمن التزامات مستمرة تتجاوز وقف النار. أما وثيقة 2026 فتطرح إشكالية أكثر تعقيداً، إذ إن مصطلح "اتفاق إطار" لا يشكل وصفاً قانونياً محدداً، فقد يكون وثيقة سياسية غير ملزمة أو معاهدة تنشئ التزامات عامة تُترك تفاصيلها لاتفاقات لاحقة. وتضع هذه الوثيقة نفسها في منطقة وسطى بين الاتفاق السياسي الإطاري والمعاهدة الدولية المحتملة، بحيث يتوقف تكييفها النهائي على طبيعة الملاحق والاتفاقات التنفيذية التي ستنبثق عنها: فإذا بقيت إطاراً تفاوضياً عاماً اندرجت ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية، أما إذا تحولت إلى التزامات نهائية تتعلق بالحدود والأمن وحصرية السلاح فإنها تقترب من طبيعة المعاهدات التي تستوجب موافقة مجلس النواب بحسب المادة 52 من الدستور اللبناني.

وتبرز في هذا السياق إشكالية جوهرية تتعلق بما إذا كانت وثيقة 2026 تشكل امتداداً لفلسفة الطائف القائمة على بناء الدولة وحصرية سلاحها، أم أنها تعيد إنتاج منطق اتفاق 17 أيار عبر ترتيبات أمنية طويلة الأمد تُفرض بتأثير موازين قوى خارجية. فبينما قام الطائف على وحدة الدولة وحصرية القرار الأمني ورفض جعل لبنان ساحة لصراعات الآخرين، فإن أي اتفاق يعزز قدرة الدولة ويقوّي الجيش يمكن أن يُقرأ منسجماً مع هذه الفلسفة، لكن الإشكالية تظهر حين يصبح تطبيق هذه المبادئ مشروطاً بترتيبات يفرضها طرف خارجي، إذ إن الطائف لم يهدف إلى استبدال هيمنة داخلية بهيمنة أمنية دولية جديدة بل إلى استعادة القرار الوطني.

وتكشف المقارنة الشاملة بين الاتفاقيات الأربع -اتفاق 17 أيار والقرار 1701 واتفاقي 2024 و2026- أن معظمها ظل أقرب إلى نموذج إدارة النزاع لا إنهائه، لأنها ركزت على ضبط السلاح وترتيب الحدود وإنشاء آليات المراقبة دون تقديم حل نهائي لمسائل السيادة والاحتلال والحقوق الحدودية. وعليه فإن الخطر الحقيقي في أي اتفاق لا يكمن في بنوده المباشرة فحسب، بل في احتمال تحوّله من أداة مؤقتة لوقف الحرب إلى إطار دائم يعيد تعريف الواقع السياسي والقانوني دون تسوية كاملة للنزاع، ذلك أن الفارق بين السلام وإدارة الحرب لا يكمن في غياب إطلاق النار فقط، بل في إزالة الأسباب التي تجعل الحرب ممكنة من جديد.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور