ليست القوة في السياسة الدولية مجرد قدرة على الحسم العسكري، بل في القدرة على إدارة الجغرافيا بوصفها نظامًا طويل الأمد لإعادة إنتاج النفوذ أو استنزاف الخصوم. هذه الفكرة، التي يمكن تتبع جذورها في التاريخ الإمبراطوري القديم، تعود اليوم إلى الواجهة في قراءة التفاعلات بين القوى الكبرى وإيران، خصوصًا في فضاء الخليج ومضيق هرمز، حيث تتداخل الجغرافيا مع الاقتصاد، والطاقة مع الأمن، والردع مع الاستنزاف.
في التجربة الرومانية مع الإمبراطورية الفارسية، لم تكن المواجهة تُحسم في معركة واحدة فاصلة، بل عبر تراكم طويل من الاحتكاك على أطراف بعيدة عن المركز. كانت روما تمتد أكثر مما تستطيع إدارتها بكفاءة، فيما كانت فارس تدير الصراع من خلال استنزاف تدريجي لموارد الإمبراطورية، دون الحاجة إلى اقتحام مركزها. ما كان يهم لم يكن السيطرة على العاصمة، بل إبقاءها في حالة ضغط دائم على الأطراف.
هذا النمط من الصراع لا يختفي مع انهيار الإمبراطوريات، بل يعاد إنتاجه بأشكال مختلفة. في النظام الدولي المعاصر، لم تعد الجغرافيا مجرد مساحة عسكرية، بل أصبحت شبكة من نقاط الاختناق الاقتصادية. وما كان يمثله الفرات في الذاكرة التاريخية، يعاد تمثيله اليوم في مضيق هرمز، ليس بوصفه حدودًا بين دول، بل بوصفه عقدة في النظام العالمي لتدفق الطاقة والتجارة.
في هذا السياق، لا تُفهم إيران كقوة تسعى إلى انتصار تقليدي على قوة عظمى، بل كفاعل يوظف الجغرافيا لإنتاج ضغط مستمر منخفض الكلفة. فبدل الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، يصبح التأثير على الملاحة، ورفع كلفة التأمين البحري، وتعطيل الاستقرار في أسواق الطاقة، أدوات أكثر فعالية من حيث العائد الاستراتيجي. هنا يتحول الاستنزاف إلى بديل عن الحسم العسكري.
هذه المعادلة تُنتج ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الضغط غير المتكافئ"، حيث لا تحتاج القوة الأقل إلى التفوق العسكري، بل إلى القدرة على جعل استمرار النظام مكلفًا للقوة الأكبر. ومع كل اضطراب في مضيق هرمز، أو تهديد لسلاسل الإمداد، أو ارتفاع في أسعار الطاقة، تنتقل الجغرافيا من كونها خلفية للصراع إلى كيان فاعل في تشكيل القرار السياسي نفسه داخل العواصم الكبرى.
في المقابل، تواجه القوى الكبرى معضلة مختلفة. فهي لا تخوض صراعًا عسكريًا تقليديًا فقط، بل تدير أيضًا تكلفة سياسية داخلية متزايدة. فكل أزمة في الشرق الأوسط تنعكس سريعًا على أسعار الوقود، وأسواق المال، والمزاج العام الداخلي. وهنا يصبح القرار العسكري أو السياسي مرتبطًا ليس فقط بتوازنات القوة الخارجية، بل أيضًا بقدرة النظام السياسي الداخلي على تحمل تبعات الانخراط.
هذا ما يجعل مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر بحري. إنه نقطة تقاطع بين ثلاث دوائر متداخلة: الجغرافيا العسكرية، والاقتصاد العالمي، والسياسة الداخلية للدول الكبرى. وفي مثل هذه النقاط، لا تعود القوة تقاس بالسيطرة المباشرة، بل بالقدرة على التحكم في درجة التوتر دون الوصول إلى الانفجار.
من زاوية أوسع، تعكس هذه الدينامية تحولًا أعمق في طبيعة النظام الدولي نفسه. فالصراعات لم تعد تُدار عبر الحسم، بل عبر إدارة التوازنات الهشة. لم يعد الهدف إنهاء الأزمة، بل إبقاؤها ضمن حدود يمكن تحملها. وهذا ما يجعل الاستنزاف، لا الانتصار، هو الشكل الأكثر شيوعًا للصراع في البيئات الجيوسياسية المعقدة.
في النموذج الروماني، لم يكن الاستنزاف مجرد نتيجة خارجية، بل ارتبط أيضًا بتآكل داخلي في البنية السياسية والاقتصادية للدولة. ومع مرور الزمن، يصبح العبء الخارجي جزءًا من أزمة داخلية أوسع تتعلق بقدرة المركز على تمويل الأطراف وإدارة الامتداد. هذا البعد الداخلي لا يقل أهمية عن الجبهة الخارجية، لأنه يحدد نقطة التحول بين القوة المستدامة والقوة المنهكة.
اليوم، تعيد القوى الكبرى إنتاج هذا التحدي بشكل مختلف. فإدارة الشرق الأوسط، وتأمين تدفقات الطاقة، وضبط الممرات البحرية، لم تعد ملفات منفصلة، بل أصبحت جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بكيفية توزيع الموارد الاستراتيجية عالميًا. وكلما زادت حساسية هذه الممرات، زادت كلفة الحفاظ على الاستقرار فيها.
في هذا الإطار، يصبح السلوك الإيراني جزءًا من منطق استراتيجي قائم على إدراك أن الجغرافيا ليست محايدة. فهي يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط طويلة الأمد إذا ما أُحسن استخدامها داخل نظام دولي شديد الاعتماد على التدفقات المستقرة. وهذا ما يفسر التركيز على نقاط الاختناق بدل مسارح المواجهة التقليدية.
لكن الأهم أن هذا النمط من الصراع لا ينتج انتصارات نهائية بقدر ما ينتج حالات دائمة من إعادة التوازن. فكل طرف يحقق مكاسب جزئية دون القدرة على فرض نهاية حاسمة. وهنا تصبح السياسة الدولية أقرب إلى إدارة مستمرة للاحتكاك، لا إلى حلّه.
في النهاية، ما تكشفه المقارنة بين روما القديمة وممرات الطاقة المعاصرة ليس تشابهًا تاريخيًا مباشرًا، بل تحولًا في طبيعة القوة نفسها. فالدول لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على السيطرة، بل بقدرتها على إدارة الاستنزاف، سواء كان مفروضًا عليها أو تمارسه ضد الآخرين. وفي هذا التحول، تصبح الجغرافيا ليست مجرد مسرح للصراع، بل طرفًا فاعلًا في صياغته، يحدد إيقاعه وحدوده، ويعيد تعريف معنى القوة في القرن الحادي والعشرين.
الكاتب: خليل القاضي