شكّل استهداف مطار صنعاء الدولي نقطة تحول في مسار الحرب التي كانت بحالة مراوحة لعدة سنوات تحت مسمى الهدنة. وهذا ما يجعل الرد العسكري المباشر الذي طال مطار أبها السعودي، مع تهديدات بتوسيع نطاق العمليات خلال المرحلة المقبلة، تطوراً ينذر بانتقال الصراع إلى مرحلة جديدة وسط مخاوف من انهيار التهدئة التي استمرت منذ عام 2022، في هذه اللحظة الاقليمية شديدة التعقيد والحساسية.
بدأ التصعيد عندما نفذ الطيران السعودي غارات استهدفت مدرجي الإقلاع والهبوط في مطار صنعاء، ما أدى إلى خروجه عن الخدمة وتعطيل الرحلات الإنسانية التي كانت تنقل المرضى والمسافرين. وأعلنت قوات صنعاء أن الهجوم يمثل إنهاءً عملياً لمرحلة خفض التصعيد، مؤكدة أن الرد جاء عبر استهداف مطار أبها بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مع تحذير شركات الطيران من استخدام الأجواء السعودية إلى حين إعادة تشغيل مطار صنعاء.
التطور لم يتوقف عند حدود الضربة والرد عليها، إذ تحدثت مصادر سياسية وعسكرية في صنعاء عن توجه نحو تصعيد تدريجي يستهدف استمرار الضغط على المطارات السعودية، وخاصة المنشآت الحيوية، ضمن معادلة تقوم على استهداف المطارات مقابل استهداف مطار صنعاء. كما أشارت تلك المصادر إلى احتمال إدخال منظومات صاروخية جديدة في العمليات المقبلة، في رسالة تهدف إلى إظهار امتلاك خيارات عسكرية أوسع إذا استمر إغلاق المطار اليمني.
وتزامن ذلك مع تداول مشاهد لاعتراض صواريخ في أجواء مدينة جدة، بينما أقرت قيادة التحالف بوقوع هجمات صاروخية انطلقت من اليمن، وهو ما عكس اتساع رقعة المواجهة وعودة التهديد المباشر للعمق السعودي بعد فترة من الهدوء النسبي.
أحد أكثر التطورات إثارة للاهتمام تمثل في رحلة الطائرة الإيرانية التابعة لشركة "ماهان". فبعد استهداف مطار صنعاء ومنع الهبوط فيه، واصلت الطائرة رحلتها إلى مطار الحديدة، رغم توقفه عن العمل منذ سنوات نتيجة الحرب. وأضفى هذا التطور بعداً سياسياً يتجاوز الجانب اللوجستي، إذ اعتبرته صنعاء خطوة تؤكد إمكانية تجاوز الحصار الجوي، فيما رأت أطراف أخرى أنه يحمل رسائل تتعلق بإرادة فرض وقائع جديدة على الأرض.
في المقابل، اتخذت الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية موقفاً متشدداً، حيث أصدرت توجيهات برفع مستوى الاستنفار في المحافظات الجنوبية والشرقية، مع التهديد بمنع عبور الطائرة الإيرانية واتخاذ إجراءات لمنع دخولها الأجواء اليمنية. وفي الوقت نفسه رفعت قوات صنعاء جاهزيتها تحسباً لأي مواجهة إضافية، الأمر الذي زاد من احتمالات توسع دائرة الاشتباك.
سياسياً، اعتبرت صنعاء أن قصف المطار يمثل خرقاً للتفاهمات التي رافقت هدنة عام 2022، واتهمت الرياض بعدم الالتزام بخارطة الطريق الخاصة بعملية السلام، وبالاستمرار في فرض القيود على الملاحة الجوية. كما رأت أن الهجوم يفتح مرحلة جديدة تسعى خلالها إلى فرض مطالبها المتعلقة برفع الحصار واستعادة الحركة الطبيعية للمطار.
في الوقت نفسه، برز البعد الإقليمي بقوة في قراءة التطورات. فالتقديرات المتداولة تشير إلى أن إيران تعاملت مع رحلة الطائرة إلى اليمن باعتبارها جزءاً من مسار يهدف إلى كسر الحصار الجوي، مع وجود قناعة لدى دوائر القرار الإيرانية بضرورة وصول الطائرة إلى أحد المطارات الواقعة تحت سيطرة صنعاء مهما كانت الظروف. ويُنظر إلى استمرار الرحلة حتى الهبوط في مطار الحديدة على أنه مؤشر إلى استعداد طهران وحلفائها لتحمل كلفة سياسية وأمنية من أجل تثبيت هذا المسار.
كما تذهب قراءات أخرى إلى أن القيادة الإيرانية تنظر إلى استهداف مطار صنعاء ضمن سياق إقليمي أوسع يتجاوز الملف اليمني، وترى فيه جزءاً من ترتيبات تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل لزيادة الضغط على حلفاء طهران في المنطقة، بما ينعكس بصورة غير مباشرة على موقع إيران ونفوذها الإقليمي. وانطلاقاً من هذه الرؤية، تبدو أولوية طهران في المرحلة الحالية مرتبطة بدعم حلفائها وتعزيز قدرتهم على مواجهة الضغوط، حتى مع احتمال تأثر التفاهمات القائمة مع السعودية.
في موازاة التصعيد العسكري، تحركت الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، حيث كثفت الأمم المتحدة وسلطنة عُمان اتصالاتهما لمنع انهيار مسار التهدئة، مع التركيز على إعادة تشغيل الرحلات التجارية من مطار صنعاء والحفاظ على اتفاق تبادل الأسرى الذي يشمل أكثر من 1650 أسيراً. إلا أن الأضرار التي لحقت بالمطار تضع تنفيذ الاتفاق أمام تحديات عملية قد تؤخر استكماله.
يبدو أن مستقبل التهدئة بات مرتبطاً بقدرة الأطراف على احتواء التصعيد وإعادة فتح قنوات التفاوض، في وقت تتزايد فيه المؤشرات إلى أن أي مواجهة جديدة قد تمتد إلى ملفات تتجاوز الساحة اليمنية نفسها.
الكاتب: غرفة التحرير