ثمة إجماع نادر في "إسرائيل" على حقيقة مُرّة: الحرب التي اندلعت قبل نحو ألف يوم لم تُحسم على أيٍ من جبهاتها، لا في غزة ولا في لبنان ولا في إيران. ورغم القوة العسكرية التي أطلقتها "إسرائيل" بدعم أميركي كامل وشراكة عضوية، لم يتحقق النصر، ولم يُخضع "العدو". وبدلاً من الحسم، انزلقت "إسرائيل" إلى معركة استنزاف طويلة ومُنهكة، تركت بصماتها على التماسك الاجتماعي والسياسي، وألقت بظلالها الكثيفة على حظوظ الائتلاف الحكومي في الانتخابات المقبلة. في غضون ذلك، تراجعت مكانة "إسرائيل" الدولية، وتآكلت علاقاتها ونفوذها داخل أروقة المؤسسات الأميركية الرسمية، وولّى الزمن الذي كانت تحظى فيه بشعبية طاغية هناك. ولم تعد العلاقة بين نتنياهو وترمب تحمل ذلك الدفء القديم، بعد أن دخل الأخير البيت الأبيض من جديد.
ألف يوم من الحرب بلا حسم
بعد أكثر من ألف يوم على اندلاع الحرب، تقف حكومة نتنياهو صفر اليدين على صعيد الاستراتيجيا الكبرى. التفوق العسكري الساحق، والتحالف الوثيق مع واشنطن، لم يُترجما إلى مكتسبات سياسية صلبة أو حسم عسكري واضح، فبقيت الجبهات مفتوحة على اتساعها. تقف "إسرائيل" اليوم في مشهد سياسي-أمني بالغ التعقيد، أمام سؤال مركزي: هل تُقدم حكومة نتنياهو على "الهروب إلى الأمام" عبر العودة إلى حرب مكثفة هرباً من المأزق الاستراتيجي؟ أم أنها ستعود إلى رُشدها السياسي، وتلجأ إلى التسويات، وتنخرط في مبادرات أكثر واقعية لليوم التالي للحرب؟
في قطاع غزة، تبدو الأهداف "الإسرائيلية" عصيّة على طاولة المفاوضات، تماماً كما أُجهضت في ميدان القتال. الأفق السياسي لمعضلة غزة لا يلوح في المدى المنظور. وفي لبنان، لم تُغلق المواجهة العسكرية بعد، ولا يزال باب تجددها مشرعاً على مصراعيه. أما الحرب "الإسرائيلية"-الأميركية على إيران، فلم تخمد نارها باتفاق وقف إطلاق النار، ولم تتضح نتائجها السياسية بعد.
جبهات مفتوحة وداخل منهار
أما في الداخل "الإسرائيلي"، فالصورة أشد قتامة. "الجيش" مستنزف، والمجتمع منهك ومنقسم على كل شيء وفي كل شيء: من الصراع على تشكيل لجنة تحقيق في إخفاق السابع من أكتوبر، إلى الخلافات المحتدمة حول قانون التجنيد مع اقتراب موعد الانتخابات. هذه الانقسامات ولّدت نزيفاً حاداً في ثقة المجتمع "الإسرائيلي" بمؤسساته كافة، من رئاسة الحكومة إلى "الجيش" والشرطة والقضاء، في حالة من الاستقطاب الحاد فاقت ما كان سائداً قبيل معركة "طوفان الأقصى". وفي مقابل هذا المشهد الكئيب، لا يزال خطاب الائتلاف الحكومي ورئيسه يركز على "إنجازات غير مسبوقة"، يدّعي أنها تحتاج فقط إلى "استكمال".
من هذا المنطلق، لا يزال نتنياهو يراهن على العودة إلى الحرب، تحت شعار إكمال المهمة وتحقيق "النصر المطلق" وإخضاع "العدو" بعد تدميره. يراهن على أن هذه العودة ستؤهله لاستعادة مقاعد فقدها بسبب غياب الحسم والنصر. في هذا السياق، يأتي حديث مئير بن شبات، رئيس مجلس الأمن القومي السابق والمقرب من نتنياهو، الذي شدد على ضرورة العودة إلى الحرب على غزة، معتبراً أن "إسرائيل" لا تزال بعيدة عن حسم المعركة ضد "العدو الذي بدأ كل شيء". ويلمح بن شبات إلى ضرورة إقناع الولايات المتحدة بعدم الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار قبل شنّ حرب عالية الكثافة، لأنه بدون سيطرة عسكرية كاملة على غزة وسكانها، لن يكون بالإمكان تحقيق الهدف الأول للحرب: تفكيك المقاومة وإنهاء التهديد من الساحة التي انطلقت منها الشرارة الأولى.
رهان الحرب... وطريق السياسة المسدود
إذا كان نتنياهو وجوقته يُطبّلون لحرب بلا نهاية، تحت حجج الحسم والنصر المطلق، بهدف الفوز في الانتخابات المقبلة، وبصرف النظر عن المعضلات الاستراتيجية الداخلية والخارجية التي تعانيها "إسرائيل" بسبب إغلاق باب الدبلوماسية ورفض مسارات التسوية، فإن ثمة مستويات أخرى من التفكير في مراكز أبحاث وأوساط "إسرائيلية" مختلفة، باتت تنظر إلى الانسداد السياسي الراهن بوصفه مأزقاً استراتيجياً لا مخرج منه إلا عبر بوابة السياسة، لا عبر قرع طبول الحرب.
يرى باحثون ومحللون "إسرائيليون" أن إدارة الأزمة الراهنة محكومة بسياسات نتنياهو التكتيكية القصيرة المدى، والمرتبطة عضوياً بفرص فوزه الانتخابي. فهو غير معنيّ ببناء مسارات إقليمية يمكن أن تتمتع فيها "إسرائيل" بمزايا سياسية واقتصادية، كتوسيع اتفاقيات "أبراهام"، شريطة أن توافق الحكومة "الإسرائيلية" على إنهاء الحرب على كل الجبهات، والانسحاب من الأراضي المحتلة، وبدء مسارات سياسية إقليمية شاملة. هذه المسارات هي التي قد تخدم "إسرائيل" وتحقق لها أكثر مما أنجزته عبر حروبها.
لكن نتنياهو، في هذه المرحلة، لن يصغي لمن يحدثه عن سبل الخروج من الأزمة، والانتقال من حالة الجمود والمراوحة إلى تفكيك الأزمة وخلق مسارات استراتيجية طويلة المدى. الخيارات الدبلوماسية ليست في وارد اهتمامه، ولن يضيع وقته وجهده في دراستها، لأنها ببساطة ستؤدي إلى خسارته الانتخابات القادمة، لعدم شعبيتها لدى قواعده الانتخابية من اليمين المتطرف.
خيارات نتنياهو حتى الانتخابات "الإسرائيلية" في أكتوبر المقبل، ستظل حبيسة السعي إلى تصعيد الموقف ميدانياً وعسكرياً على الجبهات كافة. سيستخدم كل أدواته ومهاراته، وما يملكه من معلومات استخبارية، لإقناع الرئيس ترمب في لقائهما المقبل في البيت الأبيض بالتنصل من الاتفاق مع إيران، تحت حجج عدم التزامها به وسعيها لاغتياله، ودفع ترمب إلى استئناف الحرب المكثفة على إيران بهدف إسقاط النظام، ومنحه الضوء الأخضر لتوسيع نطاق العدوان على لبنان بما يشمل الضاحية الجنوبية لبيروت. وفي حال تمسك ترمب بالمسار الدبلوماسي مع إيران، إلى جانب ضغط عسكري منضبط، فإن نتنياهو سيكثف ضغطه على ترمب لمنحه الغطاء لاستئناف حرب مكثفة على غزة، تحت ذريعة نزع السلاح الفلسطيني وإخضاع المقاومة. إنها سياسة الرهان على الحرب هروباً من الاستحقاقات السياسية، وشراء للوقت على حساب الدم والاستقرار.
في النهاية؛ لا يبدو أن ثمة أفقاً سياسياً يلوح في مدى نتنياهو المنظور. الرجل الذي قاد الحرب ألف يوم، ولم يعد يملك ترف الخيارات المفتوحة، يقف اليوم على حافة الانتخابات كما يقف على حافة الهاوية، يبحث عن خلاصه الشخصي في الخراب العام. الحرب بالنسبة له لم تعد فقط أداة لتحقيق أهداف استراتيجية، بل صارت الغاية في حد ذاتها؛ ملاذاً يلوذ به من استحقاقات التحقيق والمساءلة، ومن لعنة صناديق الاقتراع التي تتربص به. إنه يراهن على "الهروب إلى الأمام" نحو مزيد من التصعيد، لأن "السلام"، في قاموسه السياسي، يعني ببساطة نهايته.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]