الثلاثاء 14 تموز , 2026 03:18

من لبيد إلى أيزنكوت: رحلة معارضة إسرائيل بحثا عن بديل نتنياهو

صورة تجمع نتنياهو وإيزنكوت ونفتالي بينت ويائير لبيد

تشير عشرات استطلاعات الرأي الإسرائيلية على مدى السنوات الثلاث الماضية إلى مفارقة لافتة: فرغم التراجع الظاهر لشعبية بنيامين نتنياهو، إلا أن معارضيه ما زالوا عاجزين عن التوافق على بديل واضح لحكمه المستمر منذ عام 2009 تقريبا. فمنذ الانتخابات الأخيرة، تناوب أربعة أحزاب معارضة على صدارة الاستطلاعات كمنافس رئيسي لليكود، لكن أحدها تلاشى بالكامل والآخر يتجه ليصبح كتلة هامشية صغيرة. في المقابل، يحافظ الفريق الحاكم على ثبات نسبي قد يقربه من عتبة الأغلبية المطلقة، أي ستين مقعدا من أصل مقاعد الكنيست الـ120.

اللافت أن الائتلاف الحاكم، الذي فاز بستين وأربعة مقاعد بعد الانتخابات الأخيرة، بدأ يفقد أغلبيته بمجرد تشكيل الحكومة في نهاية عام 2022، حين تكشفت أجندته القاضية بإضعاف الجهاز القضائي وتقويض المستشارين القانونيين في مؤسسات الدولة. وكان الهدف المعلن حماية نتنياهو من محاكمته عبر ضرب النيابة العامة وتغيير تركيبة المحكمة العليا، إضافة إلى تمكين اليمين الاستيطاني المتطرف من إزالة العوائق القانونية أمام ضم الضفة الغربية وسن تشريعات أكثر تشددا. ولم يمض شهر واحد على بداية عام 2023 حتى اندلعت احتجاجات ضخمة اجتذبت مئات الآلاف، ما انعكس تراجعا حادا لليكود في الاستطلاعات من اثنين وثلاثين مقعدا إلى أقل من سبعة وعشرين، حتى فقد الائتلاف أغلبيته. وتصدر المشهد حينها حزب "يش عتيد" بزعامة يائير لبيد، تلته كتلة "المعسكر الرسمي" بقيادة بيني غانتس وجدعون ساعر.

غيّرت هجمات السابع من أكتوبر 2023 المعادلة جذريا، إذ طوت الصدمة موجة الاحتجاجات وأفسحت المجال لتشكيل "حكومة حرب" وفرض حالة طوارئ واسعة شملت تشديد القبضة على غزة والضفة ومناطق 1948. وحين تراجعت شعبية نتنياهو الذي حُمّل مسؤولية الإخفاق الأمني، دعا إلى حكومة وحدة وطنية لم تتحقق بسبب ممانعة ضمنية منه ومن لبيد على حد سواء. عوضا عن ذلك، انضم غانتس مع رفيقه غادي أيزنكوت إلى طاقم إدارة الحرب المصغر من دون حقائب وزارية مباشرة، فارتفعت شعبيته بشكل غير مسبوق لتصل إلى ما بين ثمانية وثلاثين وواحد وأربعين مقعدا في الاستطلاعات، مقابل انهيار الليكود إلى ستة عشر مقعدا فقط. غير أن هذا الصعود لم يدم طويلا، فبعد أشهر قليلة بدأ التراجع، وانشق ساعر عن الكتلة، ثم غادر غانتس الحكومة في أيار 2024 بعد نحو سبعة أشهر من انضمامه إليها. ومنذ ذلك الحين يتراجع حزبه باستمرار حتى بات مهددا بعدم تجاوز نسبة الحسم البالغة أربعة مقاعد.

مع تأقلم الإسرائيليين مع استمرار الحرب وتصاعد خطاب القوة، عاد نتنياهو والليكود إلى الصدارة بالتناوب مع حزب أقامه رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت، بينما استقر حزب لبيد عند نحو سبعة مقاعد فقط، بعدما كان قد حصل على أربعة وعشرين مقعدا في الانتخابات الأخيرة. لاحقا بدأ بينيت هو الآخر يتراجع دون الليكود، فسعى لاستعادة الصدارة عبر تحالف انتخابي مع لبيد أواخر نيسان الماضي. لكن هذا التحالف، رغم توافق زعيميه سياسيا منذ دخول لبيد الكنيست عام 2013، لم يقنع كامل قاعدتي الحزبين بسبب فوارق مجتمعية عميقة بينهما؛ فبعدما كان مجموع الحزبين يبلغ نحو ثلاثين مقعدا قبل الإعلان، تراجع فور الإعلان إلى نحو خمسة وعشرين أو ستة وعشرين مقعدا، ثم استمر بالانحدار حتى بلغ سبعة عشر مقعدا فقط بنهاية الأسبوع الماضي، وسط إشاعات - نفاها الطرفان - عن احتمال فك الشراكة.

في المقابل، برز حزب أيزنكوت كنجم بديل، متفوقا حتى على نتنياهو شخصيا في استطلاعات تفضيل رئاسة الحكومة، وهو أمر لم يتحقق لأي شخصية أخرى سوى غانتس لفترة قصيرة في بداية الحرب. ويحصل أيزنكوت حاليا على ما بين عشرين وواحد وعشرين مقعدا، دون أن يتجاوز الليكود.

ورغم تعاقب هذه الشخصيات على قيادة المعارضة، يلاحظ أنها تتشارك خطابا سياسيا متقاربا لا يقدم بديلا حقيقيا لنهج استمرار الحرب، بل إن قادتها الأربعة انتقدوا جميعا اتفاقيات وقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة باعتبارها غير كافية لهزيمة حماس. فهذا الخطاب المتشدد أقرب إلى مواقف اليمين الاستيطاني - وبينيت نفسه من أبرز رموزه وترأس يوما مجلس مستوطنات الضفة - ما يعني غياب معارضة حقيقية قادرة على إسقاط الحكم الحالي بشكل حاسم.

وإذا أُخذ بالحسبان الخلل المعتاد في الاستطلاعات، فمن المرجح أن يتفوق مجموع مقاعد الائتلاف الحاكم على المعارضة الصهيونية من دون بلوغ الأغلبية المطلقة، خصوصا أن الاستطلاعات تميل لتقليص مقاعد الأحزاب الحريدية المتنامية ديموغرافيا بثلاثة أضعاف الجمهور العلماني، كما تجمّد مقاعد الأحزاب العربية عند عشرة مقاعد رغم احتمال ارتفاعها بفعل التحالفات. وبناء على ذلك، يبدو أن الانتخابات المقبلة ستفرز خارطة برلمانية مشرذمة، وأي حكومة تنبثق عنها ستكون قصيرة العمر، فيما يبقى سيناريو إعادة الانتخابات مرجحا - مع بقاء الباب مفتوحا أمام مفاجآت.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور