الأربعاء 15 تموز , 2026 02:58

المضيق يغلق والنفط يشتعل: كيف حوّلت إيران الهجوم الأمريكي إلى ورقة ضغط إقليمية

علمي أميركا وإيران

شهد مسرح العمليات خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية تحولاً دراماتيكياً مع إقدام القوات الأمريكية المعادية على شن موجات هجومية جوية وصاروخية استهدفت مواقع منتقاة داخل الأراضي الإيرانية، غير أن المعطيات الميدانية تكشف عن إخفاق أمريكي واضح في تحقيق أهداف "الصدمة والترويع" التي كانت واشنطن تراهن عليها، إذ أثبتت الجبهة الداخلية الإيرانية تماسكاً لافتاً، فيما واصلت منظومات القيادة والسيطرة، بإدارة مقر خاتم الأنبياء، عملها بمرونة تامة. وقد نجحت القوات الإيرانية في استيعاب الموجة الأولى من الضربات والانتقال الفوري من وضعية الدفاع الاستراتيجي إلى الردع التكتيكي المباشر، عبر توجيه ضربات دقيقة ومدروسة ضد البنية العسكرية الأمريكية في الإقليم، الأمر الذي فرض واقعاً عملياتياً عرقل مساعي واشنطن لكسر الحظر المفروض على مضيق هرمز وأكد سيادة طهران النارية على الممرات المائية الحيوية.

وعلى صعيد سير العمليات، نفذت قوات العدوان الأمريكي سلسلة غارات جوية وقصفاً بصواريخ كروز طالت نطاقات ساحلية وأهدافاً في العمق التكتيكي، شملت بندر عباس وجزر كيش وقشم وأبو موسى وهنكام وسيريك، إضافة إلى محطات في بوشهر وخوزستان كأميدية وماهشهر، وصولاً إلى أطراف أصفهان وتبريز. وبحسب ادعاءات قيادة المنطقة الوسطى الأمريكية، تركزت الأهداف حول بنى الدفاع الجوي ورادارات المراقبة الخفية ومنصات إطلاق الصواريخ والمسيرات، إلا أن الهجمات فشلت في شل القدرات الإيرانية، حيث نجحت منظومات الدفاع الجوي في تحييد جزء كبير من المقذوفات المهاجمة، بما في ذلك إسقاط مسيرة أمريكية فوق بندر عباس، فيما اقتصرت الأضرار على إصابات مادية في بعض الأرصفة البحرية ونقاط ارتكاز فرعية سرعان ما أعيد تأهيلها هندسياً.

في المقابل، فعّلت طهران المرحلة السابعة من "عملية الصاعقة" لتقييد حركة القوات المعادية، فوجهت ضربات دقيقة وحصرية إلى نقاط تمركز وقواعد عسكرية أمريكية في دول الجوار، بوصفها رسالة ردع استراتيجية تحيّد استخدام هذه الأراضي لأغراض العدوان. ففي الأردن، تعرضت قاعدة "الملك عبدالله الثاني" الجوية في الأزرق لاستهداف مكثف بمسيرات انقضاضية مفخخة وصواريخ، ما أدى إلى إصابات مباشرة في مرابض مقاتلات F/A-18 ومستودعات الدعم اللوجستي وسكن القوات الأمريكية. وفي البحرين، طالت ضربات صاروخية ثقيلة مقر الأسطول الخامس الأمريكي في منطقة الجفير وقاعدة الشيخ عيسى الجوية، محققة اختراقات مؤكدة رغم محاولات الاعتراض، ما تسبب باضطراب عملياتي في القيادة البحرية المعادية. أما في الكويت فقد استُهدفت القواعد والتسهيلات الأمريكية في معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم عبر أسراب من المسيرات فاق عددها الثلاث والثلاثين مسيرة إلى جانب صواريخ كروز، ما ألحق خسائر بقطع بحرية وعسكرية تابعة للقوات المشتركة ودفع إلى تفعيل حالة الطوارئ القصوى. وفي الإمارات، وجهت طهران صواريخ جوالة نحو قطع بحرية وسفن صنفتها كأهداف معادية تحاول خرق الحظر الإيراني قبالة السواحل ومياه الخليج، ورُصدت انفجارات قرب نقاط التسهيلات الأمريكية هناك. وفي سلطنة عمان استُهدفت نقاط تسهيلات وحركة شحن لوجستي عسكري أمريكي قبالة سواحل قلهات ومياه بحر عُمان بهدف تضييق مسارات الإمداد، بينما سادت حالة من الهدوء الحذر والترقب حول قاعدة العديد الأمريكية في قطر، مع رصد استعدادات إيرانية للتعامل مع أي نشاط جوي معادٍ ينطلق منها. أما في الخليج وبحر العرب فقد أطلق الأسطول البحري الإيراني صواريخ كروز بحرية متطورة من طراز "أبو مهدي" لفرض إغلاق ناري كامل على مضيق هرمز ومنع القوات المعادية من تأمين ممرات ملاحية بالقوة، ما اضطر القطع البحرية المعادية إلى التراجع والعمل من مسافات أبعد.

وعلى مستوى مناورتي النار، اعتمدت واشنطن على الكثافة عبر القصف الصاروخي عن بُعد بصواريخ توماهوك والغارات الجوية المتتالية المدعومة لوجستياً، لكن رغم تصريح قيادتها بتحييد نسبة عالية من الترسانة الإيرانية، كشف التقييم العملياتي عن محدودية بنك الأهداف بعد الموجة الأولى ولجوء العدو إلى أهداف ثانوية واستعراضية مع تجنب ضرب منشآت الطاقة خشية التداعيات الاقتصادية. في المقابل، تميزت المناورة النارية الإيرانية بتكتيك "الأنساق المتتالية"، جامعة بين القصف البالستي الدقيق وصواريخ الكروز الساحلية والمسيرات الانقضاضية على غرار أسلوب "سرب النحل"، مستهدفة القواعد الأمريكية بدقة لتقييد سلاح الجو المعادي ومنعه من إعادة التزود السريع. وقد أظهر تقييم مناورتي النار افتقار الكثافة الأمريكية إلى الدقة الاستراتيجية إذ امتُص الجزء الأكبر منها، في حين نجحت النيران الإيرانية في فرض حظر ناري واسع وتشتيت منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية، من باتريوت إلى القبة الحديدية المنشورة حديثاً في دول الخليج، وهو ما كشف قصوراً بنيوياً في حماية القواعد الأمريكية الإقليمية.

أما على الصعيد الجوي، فقد أظهرت بيانات الاستطلاع نشاطاً معقداً ومكثفاً للقوات المعادية، تمثل في تحليق مستمر لطائرات الاستطلاع البحري عالية الارتفاع من طراز MQ-4C Triton فوق الساحل الإيراني ومضيق هرمز في محاولة لتأمين مسارات الملاحة وفك الحصار، ترافق ذلك مع استنفار غير مسبوق لأساطيل التزود بالوقود الجوي KC-46A Pegasus وKC-135R بأكثر من سبع وعشرين ناقلة فوق مياه الخليج، ما يؤكد حاجة العدو الماسة لإبقاء مقاتلاته في الجو لمسافات طويلة خشية استهداف قواعده الجوية الأرضية. كما رُصد نشاط مكثف لطائرات الإعاقة الإلكترونية والتجسس الإسرائيلية والأمريكية من طراز Gulfstream V Nachshon Shavit فوق شرق المتوسط والبحر الأحمر وشمال شرق السعودية بهدف تعمية الرادارات الإيرانية، إلى جانب لجوء الطائرات الهجومية المعادية إلى إطفاء أجهزة البث والتحول إلى النمط السري قبل الدخول في متجهات الهجوم نحو الأجواء الإيرانية تجنباً للرصد المبكر.

ويعاني الأداء الأمريكي العام من تعقيدات لوجستية حرجة، إذ يعكس اعتماده المفرط على أسراب التزود بالوقود الجوي، التي فاقت الثلاثين طائرة فوق الأردن والخليج، مدى ابتعاد قاذفاته ومقاتلاته عن المسرح المباشر نتيجة انعدام الأمان في القواعد الإقليمية، فيما أبطأ اتساع مسرح العمليات من وتيرة التنسيق الأمريكي. في المقابل، يتسم الأداء الإيراني بمرونة عالية ولا مركزية في القيادة والسيطرة، إذ حافظت الوحدات الجوفضائية والبحرية في الحرس الثوري والجيش، رغم تعرضها للضربات، على وتيرة نيران مستدامة وأثبتت قدرتها على تشغيل قواعدها الصاروخية المحصنة، فارضة سيطرة تكتيكية مستمرة على مضيق هرمز.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن عامل الوقت يتآكل بسرعة ضد مصلحة القوات الأمريكية، خصوصاً مع تجاوز أسعار النفط حاجز الثلاثة وثمانين دولاراً ونجاح إيران في فرض إغلاق تام للمضيق. ويُتوقع في الأيام المقبلة أن تحاول واشنطن إدخال قاذفات استراتيجية من خارج مسرح العمليات لتعويض شلل قواعدها الإقليمية، أو تنفيذ عمليات بحرية من مسافات آمنة. في المقابل، نجحت القوات المسلحة الإيرانية في تثبيت قواعد اشتباك جديدة قوامها أن أي تسهيلات جغرافية تُمنح للقوات الأمريكية تجعل من تلك التمركزات أهدافاً عسكرية مشروعة، وهو ما سيقيّد مساحة المناورة الجوية والسياسية أمام واشنطن في كامل منطقة الاشتباك.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور